المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
النسخة الكاملة : د.محمد المنسي قنديل !!!
دار ليلى للنشر والتوزيع > المنتديات العامة > المنتدى الأدبي
زهره حبيسه
Bismillahs.gif



د.محمد المنسي قنديل bigstar.gif



واحد من ابرز كتاب القصة في العقدين الماضيين.

ولد في المحلة الكبرى عام 1949 وتخرج من طب جامعة المنصورة ومارس الطب ثم ما لبث ان تفرغ للكتابة.

حصل علي جائزة نادى القصة عام 1970
ثم حصل علي جائزة الدولة التشجيعية في الادب لعام 1988 عن مجموعته القصصية "من قتل مريم الصافي"؟..


اصدر ايضا مجموعة "احتضار قط عجوز" واصدرت له روايات دار الهلال "بيع نفس بشرية".

يكتب للطفال ويؤمن بأهمية التراث واعادة كتابته برؤيا معاصرة,واصدر له كتابين هما" شخصيات حية من الاغاني ," ووقائع عربية".

كتب اكتر من سيناريو للسنيما والتليفزيون.



انه واحد من اصحاب اعذب الاساليب العربية وانصعها,لا قلق في مفرداته ولا مهجور,تكتنف كل جملة لديه روحا غنائية واضحة,ومن تناسق الجمل تغدو الكتابة عنده لحنا ممتدا.

محمد المنسي قنديل كاتب له اسلوبه هو هبته, وموهبته, لكنه لم يرتكن الي الموهبة وحدها بل راح ينهل من كل رحيق ثقافي ويتغذى ليكون علامة خاصة علي كاتب متعدد القدرات,فهو من اعاد قراءة التراث قراءة غنائية عصرية,فأحيا قصص "الاغاني".وههو من طوف مع دهشتة الطفولة في عالم قصصي مبتكر فتميز.وهو من امسك بلغة السيناريو,فمزج بتجانس بين لغة السنيما ولغة الادب.









زهره حبيسه

08.gif 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif



حــوار للدكتور محمد مع ا.عبد الله السمطي writer.gif


سُرقت روايتان مخطوطتان من مكتبه ويحاول كتابة أحداثهما من جديد weeping.gif
محمد المنسي قنديل: فوارق كبيرة بيننا وبين جيل الستينيات ونحن جيل الهزائم الكبيرة tomato.gif
عبدالمجيد وعبده جبير والورداني وأنا تشكلت تجاربنا بعد نكسة 1967م weight_lift2.gif




11mmer3.gif * كيف مهد جيل كتّاب الستينيات في الرواية والقصة المصرية لتجربتكم في السبعينيات؟.

تنبع أهمية جيل الستينيات من انه كان يمثل نقلة نوعية في الكتابة المصرية، وهذه نقطة لا يمكن ان ننكرها، حيث كان هناك ظرف عالمي ساعد على هذا الأمر، فالستينيات كانت حقبة حاشدة بالتغيرات في اللغة الأدبية وفي التوجهات السياسية، وفي النظر الى الآخر، والمستويات القديمة والتقاليد السائدة، وبدأت أصوات الشباب تنقد كل ما هو موجود.

في السبعينيات انحصرت "هوجة" الستينيات بعض الشيء، وبدأ البناء العاقل الرزين على التحول الذي أحرزه جيل الستينيات، كما أننا كنا جيلاً حزيناً لأننا كنا خارجين من أعقاب نكسبة 1967م، وهذه النكسة صنعت فينا ما يشبه "الاكتئاب الجماعي".

* حدثت تحولات مهمة لدى جيل الستينيات فما هي أبرز الفروق بين جيلك وجيلهم، ولماذا اتجهت الحالة لديهم للكتابة السياسية؟؟. 11mmer3.gif

هذه
حالة تصيب الشعوب دائماً بعد الهزائم، وتتجسد خاصة في آدابها، فافتقد أدب الستينيات الكثير جدا من ملامح السخرية التي كنا نراها عند الأجيال السابقة، كما ان تجربته انطبعت بنوع من الانكسار والهزيمة على أثر ما عايشه في تلك الفترة. وأذكر انني بدأت حياتي في تلك الفترة عندما كنت طالباً في كلية الطب كانت لي تجارب كثيرة غير ناضجة، ولكن قصصي الحقيقية عرفت في بداية دراستي الجامعية عندما تقدمت بقصة قصيرة اسمها "المشرحة الخالية" في مسابقة نادي القصة وفازت بالجائزة الأولى عام 1970م، وفزت بجائزة في العام نفسه من الثقافة الجماهيرية بقصة بعنوان "الموت في بر مصر". من هذه اللحظة بدأ التأسيس لكتابتي الشخصية وأيضا كتابات جيلي بوجه عام، وبدأنا نتعرف على بعضنا البعض، وتتوثق عرانا عبر الكثير من المطبوعات التي كانت تصدر في تلك الفترة، وكان أبرزها ملحق: "الطليعة الأدبية" وكانت مجلة أدبية متقدمة، ولأنهم حاولوا ان يخففوا ضغط الحدة السياسية التي تتضمنها قرروا ان يخصصوا ملحقاً للأدب بشكل عام، وقد أشرف على ذلك الملحق د. غالي شكري أولاً، وبعد رحيله الى باريس تولاه فاروق عبدالقادر، وكان في هذه الفترة حريصاً على أن يلتقط الأصوات الجديدة ويقوم بعمل ملفات عن القصة القصيرة المصرية، وأعتقد من أحد هذه الملفات برزت معظم أسماء جيل السبعينيات فيما بعد أنا وابراهيم عبدالمجيد، وسعيد الكفراوي ويوسف أبو رية ومحمود الورداني وعبده جبير، والعديد من الأسماء التي لا تحضرني الآن.

الفروق بين جيل الستينيات والسبعينيات ليست كثيرة، وليست ضئيلة أيضا، نحن ولدنا من فاجعة كبيرة هزت كياننا وهي نكسة 1967م، ولذلك كثير من الأدوات الحداثية التي استخدموها لم نستخدمها نحن لأن لدينا هدفاً قاسياً ومحدداً، وكانت الكتابة عندنا أشبه بتضميد جرح عميق.

* في روايتك .. "انكسار الروح" هناك نوع من الكتابة الأسيانة الشفيفة التي ترصد أزمنة التحول الاجتماعي، لكن مع عدم وجود تفاؤل بالمستقبل هل هي نظرة "الكآبة" تهيمن على كتاباتك؟. 11mmer3.gif

أنا كتبت الرواية عن جيلنا وتطور مرحله، مسيرة جيلنا في الواقع لا توحي بتفاؤل كثير، لأننا نحن جيل الأحلام العظيمة والهزائم الكبيرة، وعشنا عصراً مضطرباً في كل الأحداث، والرواية نفسها تؤرخ لهذا الجيل.

نجيب محفوظ أرّخ لجيل ثورة 1919م، وفي روايتي "انكسار الروح" أؤرخ للفترة من 1952م الى ما بعد 1973م وكثير ممن قرأوا الرواية تأثروا بها لأنها لم تكن مؤلفة بل تروي مسيرة جيل، كيف تخرجنا وحلمنا بالقومية العربية ورأينا في جمال عبدالناصر البطل الذي لا يُهزم، ثم كيف رأينا هذه الأحلام العظيمة تتحول الى هزائم كبرى، ومررنا بالشتات ودخلنا التعليم الجامعي وأرواحنا منكسرة وهذا الانكسار الروحي انعكس على نظرتنا للحياة وعلى حب الآخرين وعلى العشق وكل مراحل الحياة، فالتفاؤل هنا لم يكن له مكان، لأن جيلنا رأى كثيراً من التناقضات من أعلى السحاب الى أسفل الأرض.

* في السنوات الأخيرة راجت الرواية الى حد ما، وأصدرت أجيال كثيرة زخمها الروائي، أين المنسي قنديل من هذا الرواج؟.
11mmer3.gif

مررت بفترة من فترات الجفاف في حياتي، وهي فترة أتأسف عليها جدا، وآخر كتاب أصدرته سنة 1993م بعنوان "آدم من طين" عن دار سعاد الصباح، وكان يتضمن ثلاث قصص قصيرة، ورواية قصيرة، وهذا هو الشكل الذي أهواه، بعد ذلك مرت فترة طويلة من الصمت، وأصدرت بعدها مجموعة قصصية بعنوان "عشاء برفقة عائشة" واستكملت إصدار الكتب التي كتبتها عن التراث، حيث كتبت العديد من القصص التراثية أنتجت منها ثلاثة كتب حتى الآن تحمل عناوين "وقائع عربية" و"شخصيات حية من الأغاني" و"الشجن في وقائع الزمن".

في هذه الفترة تعرضت لحادثة غريبة جدا، من النادر ان يتعرض لها الروائيون، حيث كتبت روايتين مخطوطتين، ومن شدة حرصي عليهما خفت أن أحتفظ بهما في منزلي، فأخذتهم في مكتبي حيث أعمل في مجلة "العربي" لكن سُرق هذان المخطوطان، ولا أعرف من سرقهما حتى الآن..

* وكيف أثرت هذه السرقة عليك وعلى مشروعك الكتابي؟. 11mmer3.gif

كانت كارثة كبيرة جدا بالنسبة لي، لأنني أمضيت فترة كبيرة في كتابتهما، فقررت أن أكتب النسخة الأولى بخط يدي ثم أكتبها على الكومبيوتر، لكن سرقة الروايتين المخطوطتين مثلت لي صدمة عنيفة جدا، ظللت بعدها عاجزاً عن الكتابة لمدة عام تقريباً، لكن أخذت ما تبقى من مسودات وأعدت الكتابة مرة أخرى وهذا الأمر أخذ مني جهداً كبيراً وغيرت الأحداث التي كتبتها قبل ذلك ومن الصعب تأليف رواية مرتين.

وانتهيت من كتابة واحدة من الروايتين، وأقوم الآن بالكتابة النهائية لها، وهي بعنوان "قمر على سمرقند"، وهي من وحي رحلة قمت بها الى جمهوريات وسط آسيا، وشاهدت المدن الإسلامية الكبرى هناك مثل: بخارى وسمرقند وطشقند وغيرها، والرواية تدور في أرض جديدة بالنسبة للرواية العربية.

* أجريت عدداً كبيراً من الاستطلاعات التي نشرت بمجلة "العربي".. هل أثرت في أعمالك وكيف استثمرتها؟.. 11mmer3.gif

روايتي الضائعة الأخرى كانت بعنوان "أسفار" وهي نوع من التجليات، حيث أذهب لبلدان كثيرة، في كل بلد أنتج قصة عن هذا البلد، والشخصية واحدة تتكرر في كل الحكايات، وتكتسب أبعاداً ثقافية متحولة، وقد نشرت منها فصلين، وأتمنى أن أعيد كتابة ما فقدته منها..

* كيف قيّم النقاد تجربتك السردية، لقد قرأنا دراسات كثيرة عنك فترة ثمانينيات القرن العشرين لكنها خفتت مؤخراً؟. 11mmer3.gif

بالطبع خفتت الكتابات النقدية عني بسبب سفري الى الكويت، لكنني أعتقد أنني محظوظ في النقد خاصة في رواية "انكسار الروح" وعاشت الرواية كثيراً، وحتى الآن ترد إليّ أسئلة خاصة برسائل جامعية ممن يكتبون عن التحول الاجتماعي في مصر، فهذه الرواية تؤخذ كأحد الشواهد على هذا التحول.

لكن هناك جانبان مجهولان جدا لم يلتفت لهما النقاد حتى الآن، وهما جانب: كتابة الأطفال، وقد كتبت في هذا المجال كثيراً، وفزت بعدة جوائز، وكتبت كثيراً عن التراث، أنا أحلم أن أنشئ موقعاً على الإنترنت أجمع فيه كل أعمالي ومنها سيناريوهات الأفلام السينمائية التي أعددتها أيضا، حتى تكون هناك رؤية كاملة لمن يريد أن يدرس إنتاجي..

* تحولات كثيرة جذرية في مشهد الأدب العربي اليوم .. كيف ترى هذه التحولات؟. 11mmer3.gif

هناك حالة مدهشة تحدث في كل أمة، ويبدو ان السلطات القوية عندما تخف عن الناس يبدأون في القول. وكثير من الروائيين يأخذون أقنعة متعددة من الحداثة أو التراث، لكن الصوت الروائي الآن أوضح بخلاف مرحلة الستينيات حيث كانت الرواية "تغلّف" بالعديد من الرموز والأقنعة بسبب قوة الأنظمة وبطشها، وهذا ما حدث في روايات نجيب محفوظ في مراحله الأخيرة.

النقد السياسي في الرواية اليوم أصبح أكثر وضوحاً، والمشكلة ان القارئ لم يعد يدعم الكاتب بشكل أو بآخر لأن هناك وسائط أخرى باعدت بين الكتاب وبين القارئ.





زهره حبيسه type.gif

08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif


مقالة د.محمد سليمان عبد المالك عن د.محمد المنسي قنديل biggrin.gif



قمر علي سمر قند biggrin.gif





تعرفت على الدكتور محمد المنسي قنديل وأنا على أعتاب المرحلة الثانوية، من خلال قراءتي لرائعته الروائية الأولى (انكسار الروح)، وقد بكيت أثناء قراءتها مرتين أو أكثر، لما حوته من تفاصيل إنسانية عميقة مزجت الواقع بالتاريخ والفانتازيا، من خلال قصة علي وفاطمة اللذين تنكسر روحهما مع انكسار وطن بالكامل عبر أعوام الحلم والنكسة، والرواية حتى الآن محفورة في روحي، وهي الرواية الوحيدة تقريبًا التي أعدت قراءتها أكثر من مرة، وأظنني سأفعل مرة أخرى، فهي أقرب إلى قصيدة روائية لا تمل من تكرار قراءتها أبدًا..



اكتشفت بعدها أنني قرأت الدكتور قنديل منذ زمن طويل دون أن أعرف أو أذكر، فالرجل قد ساهم في تشكيل وجداني كطفل مع آلاف الأطفال العرب من قراء مجلة (ماجد)، عبر سيناريوهات القصص المصورة التي كان يكتبها لشخصيات مثل (أبي الظرفاء) أو (النقيب خلفان والمساعد فهمان) أو قصصه التاريخية الجميلة، كما أنه صاحب المغامرات الأولى لشخصية (علاء الدين) في مجلة الأطفال التي تصدرها الأهرام تحت نفس الاسم، ورحت أطارد أعماله في كل مكان، فقرأت مجموعته القصصية (بيع نفس بشرية) ولا تزال صورة المحب المصري والعاشقة الإسرائيلية اللذين يقتل كل منهما الآخر في لحظة حب ماثلة أمام ذهني بقوة من قصة (الوداعة والرعب)، ثم قرأت (آدم من طين) التي فتنتني القصة الأولى فيها (راوند) بزخمها الإنساني القاسي والحنون، و(عشاء برفقة عائشة) التي حاول فيها ارتياد مناطق جديدة من الخيال العلمي وله فيها قصة رائعة من التاريخ الفرعوني، ثم أهداني الصديق (محمد فتحي) مجموعتيه اللتين نفدتا من الأسواق: (من قتل مريم الصافي؟) التي نال عنها جائزة الدولة التقديرية، وهي تحوي واحدة من أروع قصصه (أغنية المشرحة الخالية) التي يطارد فيها طالب طب فقير أحلام يقظته داخل المشرحة، وأخيرًا قرأت مجموعته القصصية الأولى (احتضار قط عجوز) فعرفت أن الدكتور قنديل موهبة مشتعلة لم تنل ما تستحق من تقدير واهتمام بعد..



دفعتني أعمال الرجل إلى تتبع تاريخه، فعرفت أنه طبيب تخرج في طب المنصورة، وأنه أصلا من المحلة الكبرى، فتنه التاريخ فكتب فيه كثيرًا، وقد أصدرت له دار الهلال كتابًا بعنوان (تفاصيل الشجن في وقائع الزمن) الذي يسرد فيه أكثر من حدث تاريخي بأسلوبه الأدبي المميز والشفاف، محاولا ملء الفراغات التاريخية برؤيته الخاصة وخياله الخصب، وهو من أمتع الكتب التاريخية التي يمكن قراءتها، وله أيضًا كتاب لم أقرؤه بعد يعتمد على سرد قصص من كتاب الأغاني بأسلوبه الخاص، وله عدة كتب للأطفال عن شخصيات هامة، والدكتور قنديل يعمل الآن مستشارًا للتحرير في مجلة العربي الكويتية، ويكتب مغامرات (العربي الصغير) التي يقوم برسمها الأستاذ فواز، وقد أخذت السينما قصة له تم تحويلها إلى فيلم متوسط القيمة هي قصة (الوداعة والرعب) التي تم تحويلها إلى (فتاة من إسرائيل)، كما أنه كتب بنفسه قصة فيلم (آيس كريم في جيلم)، وله عدة تجارب أخرى في السيناريو لم يسع جيلنا الاطلاع علينا، وإن كان يكتب بنفسه الآن سيناريو فيلم جديد ربما رأى النور قريبًا..



مقدمة طالت عن شخصية أزعم أنها تستحق، ورواية الدكتور قنديل الأخيرة الصادرة عن روايات الهلال في ديسمبر 2005 بعنوان (قمر على سمرقند) تأتي تتويجًا لرحلة طويلة من الإبداع، كانت نتيجتها متواضعة على مستوى الكم متفجرة على مستوى الكيف، حتى أنك لا تملك إلا أن تتساءل: هل كان اغتراب الدكتور قنديل في بلد النفط من أجل لقمة العيش والأمان المادي في صالح مشواره أم ضده؟! بمعنى: هل لو كانت الظروف أفضل لكان أمتعنا بالمزيد من الأعمال العظيمة أم العكس؟! سؤال أزعم أن الإجابة عليه ليست في حوزة أحد، ربما هي ليست في حوزة الدكتور نفسه، إنه قدره وقدرنا على أية حال..



(قمر على سمرقند) تحفة أدبية جديدة، رواية تذهب بك بعيدًا وتحلق بك في سماوات الشجن النبيل وتغوص إلى أعماق النفس البشرية السحيقة، والغريب أن المكان الذي تذهب إليه الرواية يتعبر أرضًا بكرًا في تراثنا الروائي قصير العمر، إنها آسيا الوسطى التي تشهد ميلاد وموت ثلاث حكايات من أربع، أولا حكايات السهوب التي تشهد رحلة الراوي في أرض الغجر، ثم حكايات بخارى التي تشهد قصة (نور الله) بطل الرواية، والتي تجعلك تندهش من قدرة المؤلف على نسج خيوط عمل شديد الاتقان والمهارة على أرض لم يعش فيها ولم يخالط أهلها ولم يلتحم بتفاصيلها إلا في زيارة أو اثنتين على الأكثر، ومع هذا يجعلك تشعر بأنه ينتمي إلى هناك، وأن (نور الله) لم يكن إلا انعكاسًا له في أرض غريبة، ثم تأتي حكايات سمرقند والبحث عن الجنرال الروسي الذي كان يعمل في مصر منذ زمن سعيًا لمعرفة الحقيقة الغائبة، بمعاونة الفتاة الجميلة (طيف)، وبامتزاج الزمان بالمكان يولد التاريخ شاهدًا ويظل المستقبل علامة استفهام كبرى، وتنتهى الحكاية الثالثة بظهور (نور الله) وغضبه العارم من علاقة الراوي بـ (طيف) دون سبب محدد، وهنا يأتي موعد الحكاية الرابعة والأخيرة.. حكايتي أنا، أي الراوي..



يتلاشى المكان والزمان، وتعود إلى مصر في حكاية تشويق سياسي من أبرع ما يمكنك قراءته، سيناريو جاهز للتحويل السينمائي لأنك تقرأه مشهدًا تلو مشهد، وحزنًا إثر حزن، ولا تشعر في النهاية إلا بقبضة باردة تعتصر قلبك، حين يعود البطل من رمادية الفلاش باك، ونهايته التي لا تبشر بمستقبل، إلى نهاية روائية أشد إيلامًا وأكثر إثارة للتأمل، عندما توقف السلطات سيارة (نور الله) ويتعرض للضرب والمهانة والقهر، وفي النهاية تساعده النقود على الإفلات بدموعه وانكساره في طريق مظلم غامض لا يعرف أحد إلى أين ينتهي..

أترفع عادة عن طلب توقيع أي أديب على عمله، لأني لا أحب الوقوف في موقف المعجب المتدله، لكن الدكتور محمد المنسي قنديل استطاع أن يكسر في داخلي هذا الترفع، فقد أرسلت له الرواية إلى الكويت خصيصًا لأحظى بتوقيعه عليها، ورغم أنه أخطأ فكتب (إلى الصديق العزيز أحمد سليمان)، بدلا من (محمد سليمان)، إلا أنني لا زلت فخورًا كطفل بتوقيعه على نسخة الرواية، وأعتقد أنه لو كتب رواية أخرى قريبًا، فسأطلب منه توقيعه عليها أيضًا، لعله في هذه المرة لا يخطئ في كتابة اسمي عليها..





د. محمد سليمان عبدالمالك bigstar.gif




زهره حبيسه
08.gif 08.gif
الطائر الحزين
السلام عليكم : 11ap.gif

كنت على وشك الخروج من المنتدى عندما لفت نظري هذا الحرف ..

إنه حرف الدال الذي يسبق اسم الدكتور محمد المنسي قنديل

حقيقة .. لم أكن أعلم أنه درس الطب وكنت أظن أن حرف الدال هذا دكتوراه في الأدب

ثم تذكرت جملة قرأتها في مولوتوف أعتقد أن كاتبها أ/محمد سامي وإن كنت غير متأكد كان يشير إلى أن معظم الكتاب الآن هم في الأصل دكاترة

وكأنني تنبهت إلى ذلك لأول مرة فهذا الأسطورة د/نبيل فاروق .. والرائع د/ أحمد خالد .. والعبقري د/ محمد سليمان

مما يجعلني أتسائل : هي ايه الحكاية بالظبط يا جماعة think_.gif ؟!!

لي عودة للتعليق والمشاركة إن شاء الله


زهره حبيسه
Bismillahs.gif


اقتباس
إنه حرف الدال الذي يسبق اسم الدكتور محمد المنسي قنديل


يبدو انه بقا من الطقوس الادبية عموما evil_lol.gif

اقتباس
ثم تذكرت جملة قرأتها في مولوتوف أعتقد أن كاتبها أ/محمد سامي وإن كنت غير متأكد كان يشير إلى أن معظم الكتاب الآن هم في الأصل دكاترة



مخبيش عليك في الاول كنت مفكرة ان ا.سامي دكتور 08.gif


اقتباس
وكأنني تنبهت إلى ذلك لأول مرة فهذا الأسطورة د/نبيل فاروق .. والرائع د/ أحمد خالد .. والعبقري د/ محمد سليمان


اه فعلا.. دى الحقيقة المجردة من الكلمات 11istling.gif

اقتباس
مما يجعلني أتسائل : هي ايه الحكاية بالظبط يا جماعة think_.gif


فكرتني مرة بالرئيس مبارك كانوا بتوع الجامعة عمالين يمدحوا فيه
بغض النظر عن المدح طبعا
كان تلت اربع اللي بيمدحوه من طلاب طب وهندسة
فهو اندهش وقال فين بتوع عربي تربية واداب

11istling.gif



منتظرة تعليقك علي المقالات type.gif
ورأيك فيهم nunu.gif



زهره حبيسه

08.gif 08.gif
زهره حبيسه
Bismillahs.gif


قصة قصيرة لد.المنسي قنديل 08.gif

خاتم قيصر bigstar.gif


يزول اللون و تبقى الرائحة, هذه هي حصيلة أيام القتال, تتحلل ذرات الدم القانية وتترك خلفها رائحة زنخة. في هذه الليلة كان أكتافيوس يحكم روما ـ يحكم العالم كله ـ بلا منافس, آن له أن يستريح بعد أن مات منافسه وصهره (مارك انطونيو), ولكن كيف يمكنه هذا وتلك الرائحة تلاحقه, ونافذة أخته (أوكتافيا) مضاءة طوال الليل, وظلها القلق يروح ويغدو خلف الأستار? هل انتقم حقا لشرفها المهان عندما هزم زوجها الخائن وأرغمه على الانتحار? أم أن كل ما فعله أنه تركها أرملة وحيدة منكودة الحظ مؤرقة الليل? لماذا تكون حرب الأقارب دامية لهذه الدرجة, ولماذا يكون الوصول إلى قمة السلطة بهذه القسوة؟

عندما دخل إلى غرفته في تلك الليلة لاحظ شيئا غريبا, كانت تتوسطها جرة (أنفورا) لم يرها من قبل, واحدة من تلك الجرار العادية التي ينقل فيها النبيذ وزيت الزيتون, ولكنها أصغر حجما ومزينة بنقوش مصرية لا تخطئها العين, كانت قادمة من مصر, كأن المشاكل التي جاءت من هذا البلد ليست كافية, من الذي سمح بإدخالها إلى غرفته, اقترب منها ورفع الغطاء, ونظر إلى داخلها, لم يكن فيها زيت ولا نبيذ, فقط مجرد لفائف من أوراق البردي, كان القادة والولاة الرومان قد تعودوا على استخدام تلك الرقائق المصرية الهشة, بسبب سهولة الكتابة عليها وخفة إرسالها, أخرج اللفائف المطوية من داخل الجرة, كانت محاطة برباط من الشمع الأحمر موسوم بعلامة الإمبراطور, أي أنه يجب ألا يقوم أحد بفتحها سوى الإمبراطور شخصيا. من بداية السطور الأولى تعرف أوكتافيوس على خط وأسلوب صديقه ومستشاره (رومولوس), هل انتهت مهمته, وهل هذا تقريره؟

)أي أوكتافيوس العظيم, لقد كلفتموني بالتحقيق في واقعة انتحار تلك العاهرة المدعوة كليوباترا, وسوف تجدون في الوثائق المرفقة وقائع كل التحقيقات التي قمت بها, إضافة إلى النتائج التي توصلت إليها. خادمك وصديقك إلى الأبد رومولوس(

تسللت إلى أنف أوكتافيوس رائحة غريبة, مزيج من خشب الصندل والمسك والزعفران, رائحة إفريقية دبقة, رائحة جسدها وقد سكنت في طيات هذه اللفائف, مزجت في عجينتها الأولى قبل أن تجف وتقد, كانت هذه المرأة هي غنيمته الثمينة التي يسعى إليها دون أن يدري, كانت هي التي ستمنحه الشرعية المحرمة, والمجد الآثم الذي منحه جسدها من قبله ليوليوس قيصر و(مارك أنطونيو) التعس, كان قد رآهما ذات ليلة, وهي تستقطر متعتها من خلايا زوج أخته المستسلم, تصرخ في وحشية, بينما لا يصدر عن انطونيو سوى صوت تنفسه الثقيل, كان اوكتافيوس مختبئا خلف الستائر بحيث لا يراه أحد, لحظتها تمنى لو أنه كان هو المهزوم, لو أنه يبلغ تلك النشوة التي بلغها أنطونيو والتي لا يتبعها سوى الموت, والغريب أنه أوشك أن يحقق هذه الرغبة بعد معركتهما الفاصلة, أوشك أن يتوج انتصاره على أنطونيو بالحصول عليها على نفس السرير, حتى قبل أن يتخلص من الدم العالق في ثيابه, ولكنه عندما أقبل على قصرها, لم يجد سوى جثتها وسلة من القش قالوا له إنها كانت تحوي خمسة من الثعابين, لم يستطع أن يصدق أن حفنة من ثعابين الصحراء البائسة يمكن أن تقتل جسدا يحمل كل هذه الشهوة العارمة.

اكتشف أنه طوال فترة شروده لم تكف أصابعه عن التقليب في الأوراق, تداخلت لفائف البردي وفقدت تسلسلها, تداخلت الوقائع وأصبح من الصعب إعادة ترتيبها, حين كلف صديقه ومستشاره رومولوس بالبحث عن حقيقة موتها, لحظتها كان مصدوما, ولكنه الآن لم يعد متأكدا من أنه يريد أن يعرف شيئا, قرأ بالمصادفة أول السطور من الوثيقة التي كانت في يده (كادت أن تحدث مجزرة جديدة, كان جنودنا من الرومان البواسل متأهبين بسيوفهم, وأمامهم يقف صف من الكهنة المصريين, بملابسهم البيضاء التي تكشف عن سيقانهم النحيلة, رءوسهم حليقة, ووجوههم غائرة, وأنا في المنتصف, لا أريد أن تتصاعد حدة المواجهة, حتى لا تضر بالتحقيقات التي أقوم بها, كان علي أن أهدئ القائد فينيكوس استيولوس أولا, أنت تعرف كيف يكون عصبيا وعنيفا في مواجهة هؤلاء الناس من الشعوب السفلى, أبعدته هو وجنوده قليلا عن باب المعبد الذي كانوا يتأهبون لاقتحامه, وسرت دون سلاح إلى كبير الكهنة, قلت: (أيها الكاهن المبجل, نحن لا ننوي دخول معبدكم ولا إهانة عقيدتكم, كل ما في الأمر أنني أريد أن أدخل بيت التحنيط لأشاهد جثمان الملكة كليوباترا, قال في صوت حازم: إننا نعدها من أجل رحلة الخلود, ووجود أجنبي مثلك يمكن أن يتلف كل شيء, قلت: مجرد نظرة عابرة, إنه أمر صادر من إمبراطورنا المعظم ويجب أن أطيعه, وسار الحوار على هذه الوتيرة, توسل من جانبي, وإصرار أحمق من جانبهم, أي عقيدة يؤمن بها هؤلاء البلهاء, وأي أهمية لتحنيط أجساد من المستحيل أن تنجو من التحلل والفناء, المهم أنني بمزيج من اللين والتهديد استطعت إقناعه أخيرا بإدخالي وحدي فقط إلى داخل المعبد.

دخلت إلى غابة من الأعمدة الحجرية, أحاطت بي عتمة المعبد المقدسة, متاهة حقيقية من السهل الانزلاق إليها, ومن المستحيل الخلاص منها, هكذا أحسست والكهنة يقودونني إلى قدس الأقداس, وهم يشركون غريبا في سرهم للمرة الأولى, حتى هيرودوت نفسه لم يتسن له الدخول إلى هذا المستوى, بالرغم من الصرامة التي كانت تبدو على وجوهنا فقد كانوا خائفين من سطوتنا, دخلت إلى غرفة التحنيط حيث يوجد جسد العاهرة وهي ترقد على منضدة من الرخام, لا يسترها إلا طبقة رقيقة من الكتان, بجانبها الكاهن الطبيب الذي كان سيتولى عملية التحنيط, تفوح منه رائحة ثقيلة, كان أنفها لايزال على ارتفاعه, ووجهها نظيفا وشاحبا دون مساحيق, وملامحها فقدت حدتها وتراخت واكتست مسحة من الغموض, كشفت الغطاء عنها بهدوء, ظهر صدرها نافرا مثل أنفها, كأن مافيه من رغبة لم يتأثر بالموت, ولكن أصابع الزرقة كانت تواصل زحفها على بقية جسدها, تأخذها ببطء إلى عالم الظلال, ربما لم تكن شريرة لهذه الدرجة, فاستكانتها كانت مثيرة حقا للشفقة, مددت يدا مرتعدة وتحسست رقبتها, قلبت وجهها يمنة ويسرة, أزحت خصلات شعرها, (عن ماذا تبحث ياسيدي?), تحدث إلي الكاهن الطبيب, قلت: (عن آثار لدغة الثعبان, ربما كانت في الصدر أو في الرقبة) قال في صوت باتر:(لا يوجد شيء من هذا القبيل), حدقت فيه مذهولا, واصل القول: (لا توجد إلا تلك البثور الغائرة حول العنق, وهي بالقطع ليست آثار ثعبان) قلت مذهولا:(ما هي إذن?) قال: (آثار حبال, لقد ماتت خنقا, تحسس رقبتها, سوف تجد بروزا, إنه آثار كسر في قصبتها الهوائية, لقد فحصتها بنفسي, هذا هو سبب الوفاة(

سقطت الورقة من يد أوكتافيوس, كيف حدث هذا, كيف تحولت حادثة الانتحار المؤكدة, إلى واقعة جريمة قتل, ومن الذي جرؤ على فعل ذلك? حان موعد نومه ولكن نافذة (أوكتافيا) مازالت مضاءة, صب لنفسه كأسا من النبيذ, وعاد يقلب في الأوراق المتداخلة, كانت لفائف البردي معبقة برطوبة البحر, هشة وعلى وشك التفتت, من الصعب محاولة إعادة ترتيبها, أمسك بواحدة أخرى كيفما اتفق وأخذ في القراءة

(......استلزم الأمر ثلاث مرات من ممارسة الحب, حتى أصبحت طيعة, من لم يمارس الحب مع نساء الإسكندرية, لم يعرفه على الإطلاق, كان حزنها على ملكتها طاغيا في المرة الأولى, وقمت أنا بكل العمل دون أن تتجاوب معي, وفي المرة الثانية اكتشفت أن جوع جسدها أكثر حدة من فجيعتها, أما في المرة الثالثة فقد استلقيت أنا متعبا بينما لم يعد من الممكن إخماد نارها, عندما سألتني عن الموعد الثاني الذي سوف نلتقي فيه طلبت منها أن تقودني أولا إلى جناح ملكتها, إلى المكان الذي ماتت فيه على وجه التحديد, ترددت قليلا, ولكني حين لففت ساعدي حولها وافقت على أن تدخلني إلى القصر بواسطة أحد الممرات السرية التي لا يعرفها إلا الملكة وأقرب وصيفاتها, تحسسنا طريقنا بواسطة شعلة صغيرة, ولكن المكان كان موحشا وخاليا, مخدع الملكة محطم وممزق الأستار, الأثاث والتماثيل والأواني وقوارير العطر, كل شيء كان محطما, ولا أثر لأي مجوهرات, كنت متأكدا من أن جنودنا البواسل لم يقتحموا المكان, لقد اكتفوا كما أمرتهم بحصار القصر من الخارج, ولابد أن القتلة هم الذين فعلوا ذلك وأن الملكة التعيسة قد قاومتهم بشدة, فقد المكان بهاءه القديم, وكان الدمار الذي لحق به مثيرا للأسى, قلت لرفيقتي الوصيفة: (أين سلة الثعابين?) قالت بلا مبالاة: (هناك كثير من السلال), سارت أمامي مسرعة فلم أملك إلا أن أتبعها, قادتني إلى غرفة أكثر ضيقا خلف الجناح الذي كانت تنام فيه كليوباترا مباشرة, كشفت الأستار من فوق الحائط, كانت هناك أرفف مرصوص عليها عشرات من هذه السلال, مجدولة من القش الملون ومن غاب البحيرات, صغيرة وذات أغطية محكمة, قالت: (كان البدو يأتون بهذه السلال وهي ممتلئة بالثعابين), وقع قلبي من الرعب من هذه المرأة, قلت: (ألم تكن تخاف منها?), قالت: (كانت تقول إن التعامل مع الثعابين أسهل بكثير من التعامل مع الرجال), كنت لا أزال مدهوشا: (ماذا كانت تفعل بها?) قالت مستنكرة من جهلي: (لقد كانت ملكة, كانت تخرج سم هذه الثعابين بنفسها وتتناول منه كمية صغيرة كل يوم, ترياقا يحميها من أي سموم تدس لها, ألم تكن ملكا من قبل) عدنا إلى غرفتها المحطمة, تفحصت المكان لعلني أجد أي أثر للذين قاموا بقتلها, قلت لها: (هل رأيت الملكة بعد أن ماتت?), قالت: (أنا الذي استدعيت كهنة التحنيط), قلت: (ألم تشاهدي في الغرفة أي شيء غير عادي), قالت: (ما عدا موت الملكة وضياع المملكة, وتحطم كل شيء وسرقة كل ما هو ثمين فلا شيء غير عادي) , قلت: (أعني أي أثر يرشدني لمن فعل ذلك), قالت: (ترك القتلة خلفهم شيئا واحدا), مدت يدها إلى صدرها وأخرجت شيئا صغيرا وقدمته لي, نظرت إليه في دهشة و.......)

انتهت هذه البردية أيضا, ألقى أوكتافيوس الكأس في حنق, قلب بقية اللفائف في سرعة, توالت أمام عينه شذرات من التفاصيل, شهادات متناثرة ومتناقضة, عبيد وجنود وحراس وصيادون وكهنة وبغايا وأوباش, محاولة يائسة من (رومولوس) للبحث عن الحقيقة وسط مدينة تسودها فوضى الهزيمة, ألقى الأوراق في يأس, كان قد عمل حسابه لهذه الفوضى, وأعطى أوامره المشددة لقائد الحامية (فينيكوس استيولوس) أن يتم محاصرة القصر من الخارج وألا يسمح للجنود أو الدهماء بالدخول, فكيف تمكن القتلة من الوصول إلى جسدها? حمل كأسه وسار إلى حافة الشرفة, كانت نافذة أخته مضاءة ولكنه لم يلمح طيفها هل استكانت للنوم أخيرا? هل استطاعت التغلب على إحساسها بالحزن والفضيحة? نظر أوكتافيوس إلى اللفائف في ضيق, كانت تحتوي على حقيقة لا يستطيع الوصول إليها, ضربها بقدمه فتناثرت في كل أجزاء الغرفة, لقد ماتت كليوباترا, انتهت, ضاعت, بعد أشهر قليلة سوف ينساها الجميع وسيتحول هذا الشريط الطيني الضيق على ضفاف النيل إلى ولاية خانعة, بعد أن كانت دولة مشاغبة, حتى نيران الرغبة ستبرد عندما يستعر القتال في مكان ما, وستنسيه رائحة الدم كل شيء, إنه وقت نومه هو أيضا, سار عبر الغرفة, ولكنه داس على إحدى اللفائف, رفعها في ضيق, كانت سميكة, ربما كانت هذه هي البردية الأخيرة التي تلتف بقية البرديات في طياتها, لمح في رأس السطر الأول منها اسم (فينيكوس استيولوس) قائد حامية الإسكندرية, جلس مرة أخرى وبدأ في القراءة:

....) أمسك (فينيكوس) بذراعي والسفينة تستعد لرفع مراسيها, والجنود ينفجرون بالغناء فرحا بمغادرة هذه الأرض الحارة والعودة إلى روما, هتف بي: (بالله عليك يارومولوس النبيل انس هذا الأمر, كأنك لم تر شيئا ولم تسمع شيئا, إنها أرض ملعونة وكل ما يأتي منها ملعون), قلت له: (إنه أمر أكتافيوس العظيم نفسه, يجب أن أقول له الحقيقة), قال: (لم تعد الحقيقة تهم أحدا الآن, تظاهر بالغباء وقل له إنك لم تتوصل لشيء, وأن الثعابين هي التي قامت بكل العمل) قلت له مؤنبا: (أيها الصديق فينيكوس, إنه أنت الذي أدخل القتلة إلى القصر), قال: (ليسا قاتلين, لقد كانا ينفذان أمر الدولة ويحملان خاتم قيصر), تأملته قليلا, كنت حزينا, ولكنه قال قبل أن يدفع بي إلى السفينة: (لعل ما حدث هو الأفضل للجميع, فليكن الصمت هو فضيلتك), وكيف لي أن أصمت يا أكتافيوس العظيم, إن وطأة الحقيقة ثقيلة على قلبي, ودليل الإثبات الذي أخذته من الجارية المصرية يثقل كاهلي, لذلك أضع كل شيء بين يديك, وسوف تجد في قاعة الجرة الدليل الذي(......

توقف أوكتافيوس عن القراءة حائرا, لا يدري ماذا يفعل, سار متثاقلا إلى جرة (الأنفورا) وأدخل يده فيها, بحث فيها بأصابعه حتى عثر على لفافة صغيرة, أخرجها, كانت لفافة من الكتان, فضها بسرعة فانكشفت عن خاتم له فص من العقيق, لا يخطئه أحد, خاتم (يوليوس قيصر) ذاته الذي كان يمهر به كل قرارات الدولة, , الخاتم نفسه الذي أخذه عنه (مارك أنطونيو) بعد مقتله, وكان من المفروض أن يئول إليه ليضعه في إصبعه ويختم به قرارات حكمه, كيف وصل هذا الخاتم إلى أيدي القتلة, وأصبح جواز مرورهما إلى مخدع الملكة المغدورة؟

ـ أرى أنك قد عثرت على الخاتم أيها الأخ العزيز.

استدار إليها, كانت لاتزال ساهرة, في لحظة وجد نفسه يرتجف, تحول إلى الأخ الصغير الذي خنع دوما لإرادتها, , قال في صوت خافت متردد:

ـ أنت التي أعطيتهما الخاتم يا أختاه.

سارت (أوكتافيا) ببطء إلى داخل الغرفة, صبت لنفسها كأسا من النبيذ وأخذت منها رشفة صغيرة, قالت:

ـ كان مارك أنطونيو زوجي, وكانت هي عشيقته, هل كنت تريد من أختك ألا تثأر لشرفها الضائع؟

ـ كانت ستموت على أي حال, فلماذا ورطت نفسك في هذه المحاولة?

ـ كان يجب أن أسرع, حتى لا تصل إليك أنت أيضا.

جلس أوكتافيوس على أحد المقاعد وأخذ كل واحد منهما يلتقط أنفاسه في صعوبة, عادت أوكتافيا تقول:

ـ صديقك (رومولوس) هو الذي أرسل إليك هذه الأشياء, أليس كذلك؟

ـ أجل.

ـ سوف يثرثر بالكلام خاصة عندما يشرب, وسوف يشيع الخبر في كل حانات روما.

ـ وماذا يمكن أن نفعل؟

ـ الأفضل أن يصمت (رومولوس) تماما, هل تفعل ذلك من أجلي يا أخي الصغير.

ـ أجل يا أختاه.








د.محمد المنسي قنديل bigstar.gif



زهره حبيسه

08.gif 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif


وجدت تلك المقالة في بص وطل biggrin.gif

وبما انها جت علي هوى موضوعي اللي بيتكلم عن د.محمد المنسي wiggle.gif

فكان لازم احطها 11istling.gif ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــ

http://boswetol.net/aldiwan/nferfeketab_169_01.html

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــ
* تفاصيل الشجن في وقائع الزمن




د. أيمن محمد الجندي


حيرني هذا البلد!! فهمنا أنه يمنح خيره دون جهد.. يكفي أن تنثر البذور وتتكفل الأرض الطيبة بالباقي، ولكن ماذا لو كان هناك من يتربص بالبذر لينبشه والنبت ليقلعه والثمر ليقطفه؟

زمان كان هناك "العقاد" و"أبو زهرة" و"الكواكبي".. ثم جاء من بعدهم "محفوظ" و"الغزالي" و"هيكل".. كان الزمن غير الزمن وكانت مصر بخيرها.. واليوم بعد هجمة الفساد المنظمة فسروا لي من فضلكم كيف ومن أين جاء العباقرة الجدد؟.. منهم بالتأكيد هذا الرجل "محمد المنسي قنديل" الذي يحمل نصيبا من اسمه.. فهو (المنسي) وهو (القنديل).

السبب الحقيقي لكتابة هذا المقال هو التعريف والإشادة بكاتبه.. هذا الرجل يتمتع بلغة عالية -غير مسبوقة- تصل في جمالها إلى حد الزخرفة.. ليست زخرفة التصنع وإنما الأناقة المقصودة لذاتها.. مع "محمد المنسي قنديل" تشعر بأنك أمام لوحة فنية تعتني بالتفاصيل أو مشهد طبيعي طازج الألوان إلى حد مخيف.. ومع أناقة الوعاء يوجد شجن المحتوى لكاتب من الوزن الثقيل يستحق الإشادة والإعجاب..

اعتدنا أن ندخر المديح حتى موت مبدعينا حين لا يصبح لمديحنا أي قيمة، فيما نمارس التجاهل المنظم لهم طيلة حياتهم.. وإذا تذكرنا أن الإبداع الفني بلا مقابل مادي تقريبا فلماذا لا نفعل مثل "صلاح جاهين":

"أنا أحب أقول الشعر في الحلوين
والحلو أقول له يا حلو في عيونه "


عودة إلى الماضي

هذا الكتاب البديع "تفاصيل الشجن في وقائع الزمن" يتوغل في أعماق الزمن العربي.. منذ تلك الزيارة التي قام بها المؤلف لأقدم -وأغرب- المدن اليمنية، لم يكف عن الأمل في إمكانية استعادته يوما.. كان الطريق وعرا ومنحدرا وأي عطل صغير يصيب السيارة يمكن أن يتسبب في سقوطها مهشمة.. وكان الطريق لا يكف عن الامتداد صاعدا إلى قلب السماء..

المدينة كانت شاهدا حجريا غريبا بعد أن لانت الصخور وتشكلت وأخذت هذا الطابع الإنساني الحميم.. في البداية كانت هناك بوابة حجرية ضخمة منقوش عليها نقوش حميرية غامضة، وحينما عبر البوابة احتواه عبق المدينة الخاص وعاد قرونا إلى الماضي، وكأن الصعود الشاق إلى قمة الجبل كان طقوسا لا بد من قطعها للإعداد والتطهر.


تطويع الأحجار لم يتوقف عند حد البناء فهناك هوس غريب بالنقش فوق كل حجر وحول كل باب وفي إطار كل نافذة.. كان الرجال يمضون في صمت وعلى رءوسهم العمائم الصغيرة وفي خواصرهم الخناجر المقوسة. خناجر عزيزة توارثوها عن الأجداد حتى تحول المقبض من اللون الأسود إلى اللون الكهرماني الأصفر.. الطعام كان بسيطا "لبن رائب وعسل وخبز مخبوز لتوه في فرن محفور في قلب الصخر" .

المسجد تحفة نادرة تصل النقوش فيها إلى قمة جمالها وغزارتها.. ما أصابه بالذهول هو مشهد الأطفال الجالسين وهم يقومون بالقراءة في مصاحف كبيرة الحجم مكتوبة بخط اليد على ورق قديم مزينة بماء الذهب ومعطرة بماء الزعفران الذي لم تخف رائحته.. كل مصحف هو مخطوط نادر يحلم أي متحف باقتنائه.. كانوا يقومون بالقراءة في المصاحف نفسها التي توارثوها عن أجدادهم كما يحملون نفس الخناجر ويسكنون البيوت نفسها، وقد تجمد الزمن العربي هناك في وجود نادر.

أزمنة الفرسان والملوك والجلبان والخصيان

الزمن يمكن تقسيمه بسهولة على حد رأي الكاتب.. في البدء كان زمان (الفرسان).. فيه القليل من الزاد والكثير من النبل.. "علي بن أبي طالب" كان آخر الفرسان العظام.. حينما دعا "معاوية" لمبارزته حسما للخلاف وحقنا لدماء المسلمين فإن "معاوية" رفض مبدأ المبارزة وواصل الحرب بطريقته الخاصة حتى كسب الجولة.. من لحظة الرفض تلك بدأ عصر (الملوك) الزاهي والدموي.. أكلوا الأرض وتصارعوا على الفتات ثم جاء زمن (الجلبان).. عصر المماليك الذين أذلوا الرقاب واستغلوا مناصبهم حتى لم يعد يستنكف السلطان "الغوري" أن يجلس في السوق لمحاسبة تجار القوافل حتى آخر مليم .

بعدها جاء زمن (الخصيان) المستمر حتى الآن.. خيم علينا ليل طويل قاسٍ فيما كان علماء الغرب يتنافسون في ترويض الطبيعة من أجل الإنسانية..


المغرور ببقاء النسور

يتنقل الكتاب بين الأزمنة.. حينما كان الفرسان لا يكفون عن النبل، والعشاق لا يكفون عن الحب.. مرورا بزمن الحلم الأندلسي وصولا إلى حواري القاهرة المملوكية. اخترت لكم هذه الأسطورة من زمن الفرسان.. فارس اسمه "لقمان بن عاد" سأل الأقدار الخلود ولكن الإجابة جاءت مخيبة: "الخلود محال ولكن يمتد عمرك بقدر ما تعيش سبعة نسور، كلما هلك نسر أعقبه نسر".

عمره الأول يبدأ مع فرخ وليد فوق القمة الشاهقة.. كان "لقمان" صلدا كالجبال وعرا كالصخور.. واحدا من القلائل الذين نجوا من قوم "عاد"، دانت له اليمن بالطاعة والخضوع .

لم يكن النسر يفارقه.. كان يطير حول رأسه أو يرتاح على كتفه ولا يأكل إلا من يديه.. وكان ولاء قبيلته من حمير كاملا وأعطوه السيادة التي كان يطمح إليها.. نما النسر واستطال ريشه وأصبح يغيب في السموات البعيدة لكنه كان يعود دائما ليأكل من يديه وينام على جدران بيته.

وفي يوم موعود.. اجتمعت قبائل اليمن ليتوجوه ملكا.. وراح هو يقطع اللحم النيئ ليطعم نسره الذي ابتلع قطعتين بدلا من قطعة واحدة.. احتقن وجهه فجأة وطار في الفضاء وهو يهز رأسه بعنف ثم صرخ بصوت متحشرج وهوى مرة واحدة ميتا وقد سكن جسده وتراخت أجنحته .

انسحبت وفود القبائل وحل صمت مطبق وأخذت أصابع "لقمان" تغوص في الرمال لتحفر قبرا لأول النسور الموتى.. وفي نفس الليلة صعد الجبل ليأخذ فرخ النسر الثاني. عندما بدأ النسر ينمو راح يقص ريشه باستمرار ليمنعه من الطيران ويطيل عمره إلى أقصى حد.. كان وجه "لقمان" خاليا من التجاعيد وعندما قاد قومه في الغزو كان واثقا من الحياة غير آبه بطعنات السيوف ولا وخزات الرماح.. أصبح رفاق شبابه شيوخا رحل منهم من رحل وأصاب العجز من بقي واحتل مكانهم جيل جديد يشعرون صوبه بالرهبة والإكبار .

وفي إحدى المرات كان الغصن الذي يقف عليه النسر ضعيفا فانكسر وسقط النسر -الذي لم يمارس الطيران قط- فاقدا الحياة
.
وفي عمق الليل صعد إلى قمة الجبل ليأخذ نسره الثالث.. صمم ألا يعرضه للمخاطرات والمصادفات التعيسة.. صنع له قفصا محكما وخرج إلى الناس به وهو يحمل رمز عمره الجديد.. كانت هذه هي أكثر فترات عمره إحساسا بالأمان.. ماتت زوجته العجوز فتزوج من فتاة شابة تتطلع نحوه بانبهار.. لكن النسر كان يكرهه.. ينظر إلى الجبال بحسرة ويلطم القفص بأجنحته طيلة الليل حتى يدميها..


في كل معاركه كان ينتصر.. وحتى حينما مات آخر أصدقائه كان هذا يعطيه إحساسا غريبا بالتفرد.. وانتشر صيته في قبائل العرب وتحدث الشعراء بمعجزاته.. وحينما جاء موعد سوق عكاظ وحمل قفصه إلى مكة تجمعت حوله الوفود، كل يريد أن يرى النسر عن قرب أو يلمسه.. تناقص الهواء واستبد الجنون بالكتلة البشرية فحطموا القفص وانتزعوا ريش النسر تذكارا، وهو كالمجنون يحاول أن يدفعهم دون جدوى.. ثم هدأت العاصفة بعد أن حدثت الكارثة و"لقمان" يصيح في حسرة:
• قتلتم نسري، أضعتم عمري.


.................

وبدأت حياته مع النسر الرابع. قبيلة يهودية استجارت به بعد أن نشرت الكراهية والشقاق والفتنة بين قبائل اليمن الذين صمموا على اجتثاثها.. وكان سلاحهم امرأة جميلة لم يرَ -بقدر الزمان الذي عاشه- مثل فتنتها ولا شهدت جبال اليمن نجوما تتألق كمثل تلك التي في عينيها..

تزوجها وصعد بها إلى كهف في قمة الجبل، وأحبها كما لم يحب امرأة من قبل حتى تمنى أن تقاسمه أعمار النسور.. كانت فجيعته لا توصف حينما شاهدها مع عشيقها فوق فراشه.. راح يضغط بيده -دون وعي- على نسره الرابع.. كان النسر قد سكن في يديه حينما اقتحم المخدع وقتلهما معا..

عندما نظر إلى صفحة الماء رأى علامات الشيخوخة للمرة الأولى على وجهه.. برغم أنه باق له من النسور ثلاثة فقد كان يعلم أن كل نسر من النسور الماضية أخذ شيئا من هدوء نفسه واستقرار روحه.


شجن النهايات

للمرة الخامسة يبدأ من جديد.. قاد قومه إلى غزوات جديدة وتزوج امرأة غير جميلة.. غابت وجوه كثيرة وولدت وجوه أكثر، كلهم عاشوا في ظل أسطورته.. والنسر يكبر دون أن يعكر صفوه حادث.. هذه المرة لم يأخذ أي حيطة من أي نوع ولأول مرة يصل نسره إلى مرحلة الهرم.. وبدأ الزمان يمر ببطء قاتل عليهما وهما يجلسان سويا تحت السماء ساكنين، يراقبان العصافير والطيور الصغيرة .

حينما تحرك النسر العجوز تصور "لقمان" أنه سيحاول الطيران.. لكن تبين له أنه يمضي عامدا إلى حافة الجبل.. حاول أن يلحق به ولكن النسر كان أسرع.. ألقى بنفسه من فوق الحافة العالية لتمزق الصخور الحادة جسده.

لم يأتِ أحد لتعزيته ولم تأبه الأجيال الجديدة لمصابه.. ما جدوى أن يعيش فرد واحد كل هذه السنوات؟.. عندما صعد لنسره السادس كان ما زال قادرا على الحركة ولكنه لم يكن يعرف هل تدين اليمن له بالولاء أم لا!!.. وعندما صحبهم في الغزو ظل في المؤخرة، لم تعد يده تقوى على مسك سيف أو حمل رمح.. عاش النسر السادس طويلا.. تساقط ريشه وتغضن بدنه وانزوى في كهف بعيد، وظل "لقمان" يبحث عنه حتى وجده ميتا قارب على التعفن..

تعب كثيرا حتى استطاع الوصول إلى فرخه السابع والأخير.. الناس لا تعرفه.. القبائل غير القبائل، واليمن غير اليمن ولا امرأة واحدة قبلت الزواج به.. وحينما شاهد شابا يرتدي تاج الذهب الخالص وقالوا إنه الملك، صاح في استنكار: ولكنني ملك اليمن..! انفجر الموجودون في الضحك ووضعوا على كتفيه عباءة قديمة وفوق رأسه قشرة بطيخ وأوسعوه سخرية واستهزاء.. فأسرع بمغادرة السوق والصعود إلى الجبل .

ظل وحيدا حتى اليوم التالي.. جاء النسر وربض بجانبه.. أخذا يطلان سويا على المدينة البعيدة والأقوام العديدين.. تحسس ريش النسر الذي يوشك على التساقط.. عليلا متعبا مثله.. كيف تحمل كل هذه السنوات والتجارب؟ كل تجعيدة هي حفرة من ألم.. ونبش من تجربة.. وعلام يمتد كل هذا العناء بلا فائدة؟.. كانت أصابعه تلتف حول عنق النسر، والنسر مستكين مستسلم.. الشمس تغرب وكأنها تختنق.. لم يصرخ النسر وإنما كان راضيا وهو يواصل الضغط..

.....................

تنتهي الأسطورة ولا ينتهي الكتاب الذي غاص في ثنايا التاريخ العربي المثقل بلحظات التوهج ولحظات الانكسار محاولا أن يلهمنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يأتي غروب الختام.


د.ايمن الجندى biggrin.gif
عن بص وطل harsh.gif

زهره حبيسه

08.gif
زهره حبيسه
Bismillahs.gif


اشهر مؤلفاتة سيادته biggrin.gif .



اختطاف ريم،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل(غلاف عادي)
وكالة الأهرام للتوزيع , الكتاب: متوفر


آدم من طين،
الطبعة رقم 1، محمد المنسي قنديل(غلاف عادي، )
دار سعاد الصباح , الكتاب: متوفر
الناشر: كتاب قصصي جديد للدكتور محمد المنسي قنديل هو الخامس بعد مجموعاته القصصية "احتضار قط عجوز" و "بيع نفس بشرية" و"من قتل مريم الصافي؟" وروايته الطويلة "انكسار الروح", في هذا الكتاب رواية.


قلعة الخوف،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل(غلاف عادي، )
وكالة الأهرام للتوزيع , الكتاب: متوفر

كتاب علاء الدين -سر الهرم الاكبر،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل(غلاف عادي، )
وكالة الأهرام للتوزيع ,الكتاب: متوفر

انكسار الروح،
الطبعة رقم 1، محمد المنسي قنديل(غلاف عادي)
دار الهلال , توفر الكتاب: متوفر

قمر على سمرقند،
الطبعة رقم 1، محمد المنسي قنديل(غلاف عادي)
دار الهلال , توفر الكتاب: متوفر

تفاصيل الشجن في وقائع الزمن ،
الطبعة رقم 1، محمد المنسي قنديل (غلاف عادي)
دار الهلال . توفر الكتاب: متوفر

عظماء فى طفولتهم،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل ، الدكتور(غلاف عادي، )
دار المعارف , توفر الكتاب: متوفر


زهره حبيسه

08.gif 08.gif
زهره حبيسه
Bismillahs.gif




بعض اغلفة كتب سيادته biggrin.gif





ادم من طين bigstar.gif .





قمر علي سمر قند. bigstar.gif
[/color]


[color="#009900"]زهره حبيسه

08.gif 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif


القصة والقضايا الاجتماعية biggrin.gif



وفي يوم الأحد 11/28 شهد "المقهى الثقافي" محاضرة بعنوان "أثر القضايا الاجتماعية في بناء النص القصصي قدمها طالب الرفاعي وعقب عليها د· محمد المنسي قنديل وقدمت للمحاضرة ليلى محمد صالح· بحث الرفاعي في ست مجموعات قصصية رآها الأقدر على تمثيل القضايا الاجتماعية وهي "رحيل النوافذ" لثريا البقصمي، "ويحدث كل ليلة" لليلى العثمان، و"وجهها وطن" لفاطمة يوسف العلي، و"عثمان وتقاسيم الزمان" لحمد الحمد، و"الريح تهزها الأشجار" لوليد الرجيب· ورأى الباحث أن أهم القضايا التي عالجتها هذه القصص تدور حول قضية الغزو العراقي وقضية الأسرى، ونقد القيم الاجتماعية بالإضافة إلى الكتابة الذاتية، وأشار إلى أن معظمها استم بصفة الواقعية وأن أبطالها من غير أسماء مما يجعلهم يمثلون حالة عامة، وأن نهاياتها مفتوحة لاشتراك القارىء في النهاية، وكتبت بصيغة الزمان الحاضر·

ثم عقب د· محمد المنسي قنديل على المحاضر مشيرا إلى التكرار والمبالغة في ربط بعض القصص بقضايا محلية مثل الأسرى، ولاحظ غلبة طبيعة القاص على طبيعة الباحث، وأن الباحث اقتصر على قراءة المضمون ولم يتناول الشكل إلا نادرا·

وقد اتسمت المحاضرة عموما بالإنشائية والتعميمات الفكرية من الباحث المعقب، مما أفقدها الكثير مما يوحي به عنوان الندوة·





زهره حبيسه
08.gif 08.gif
زهره حبيسه
Bismillahs.gif



ما كتبه د.محمد فتحي عن د.محمد المنسي قنديل في مدونته biggrin.gif



محمد المنسي قنديل: يااااااه على هذا الرجل و جماله و إبداعه و تواضعه و جدعنته..عرفته لأول مرة حين نصحني الصديق الأعز محمد علاء الدين بقراءة مجموعته بيع نفس بشرية.استعرتها من مكتبة مبارك بلا حماس و أنهيتها في ساعة وأنا على وشك البكاء.شجن و ألم لا يحتمله شخص مثلي وشخصيات من لحم ودم و حزن تحبه فور أن تشعر به وتبحث عنه إذا ما غاب عنك.كتابة تصل لدرجة المزيكا ووصف يصل لمرتبة الشعر وتجارب غزيرة تستشعرها بين السطور وهروب كبير من جرح قديم لا يزال غائراً في روحه تشمه عبر كل قصصه.فيما بعد عرفت أنه كاتب قصة آيس كريم في جليم وأن تحفته الوداعة و الرعب شوهها رفيق الصبان و إيهاب راضي في فيلم ماسخ اسمه فتاة من إسرائيل.بحثت عن كل أعماله فوقعت في هوى روايته الأثيرة انكسار الروح ولم أنس حتى الآن جملة (يا فاطمة..يا غرامي الحزين)، ولم أجرؤ يوماً على أن يمر شهر دون أن أقرأ في مجموعته الساحرة (من قتل مريم الصافي ) باكياً مع ( أغنية المشرحة الخالية).بعدها قرأت آدم من طين واختصني عم حمدي عبد الرحيم بنسخته من (احتضار قط عجوز) وكنت ممن زنوا على محمد هاشم لكي يسرع في إصدار (قمر على سمرقند) التحفة التي فازت بجائزة ساويرس للرواية.وسط كل هذا كنت أبحث عن محمد المنسي قنديل بملقاط.وأطارد أعماله في كل مكان.في مجلة ماجد وفي العربي الصغير وفي كتبه التراثية التي يعيد فيها سرد الألم العربي (تفاصيل الشجن في وقائع الزمن ) أو (شخصيات حية من الأغاني)،اتابعه بينما هو سندباد يتنقل بين بلد وأخرى بحثاً عن حلم لا أعلمه.هو الآن يعمل في مجلة العربي بالكويت ونشرنا له في الدستور قصته البديعة ليدي هوم ووعدني بقصة أخرى في انتظارها منه. لابد إذن أن أشكر أستاذي المبدع د.محمد المخزنجي الذي أعطاني بريده الإلكتروني كما أنني لابد أن أشكر المنسي قنديل شخصياً لنه شرفني برقم هاتفه الخاص حيث حدثته لأول مرة بعد استلامه الجائزة كطفل صغير وجد فرحته الضائعة.د.محمد المنسي قنديل..شكراً لأنك أنت



محمد فتحي: bigstar.gif

ملحوظة مني ملهاش دعوة باللي فوق( يبختك يا دكتور علي الميل وعلي رقم التليفون). w00t.gif

زهره حبيسه

08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif


الامبراطور فقيــــــراً



لا ادري اذا كان هناك من يذكر قصة (الامير والفقير) التي كتبها الكاتب الاميركي خفيف الدم (مارك توين) ام لا؟ هناك من قرأوها في طفولتهم او شاهدوها على شاشة السينما، انها قصة تدور احداثها في لندن القديمة وهي مكان ساحر لاحداث اي رواية، حيث نكتشف وجود شبه يصل الى حد التطابق بين غلامين، اولهما هو امير انكلترا الذي تجري في عروقه الدماء الزرقاء وثانيهما غلام فقير لا تجري في عروقه سوى الدماء الموجودة في عروقنا جميعا، ويتفق الاثنان على تبادل المراكز يصير الامير فقيرا فيهبط الى شوارع لندن حيث زحام الباعة واللصوص والمتشردين وبالرغم من ذلك فهي تشع بالدفء وتمتليء بالتحديات اليومية التي تفرضها قساوة الحياة، بينما يدخل الفقير الى ردهات القصر الباردة حيث تخفي البروتوكولات وحركات الايماءات المتكلفة عالما من الدسائس والمؤامرات، وفي النهاية يستعيد كل منهما مكانه بعد ان خبر وجرب عالما مختلفا، والقصة خيالية بالطبع ولكنها مثل اي خيال له جذوره الواقعية، فالملك او الامبراطور يحلو له احيانا ان يكون فقيرا وهو يقوم بهذه النزوة من باب الترفيه عن النفس، ولكن لو حاول الفقير ان يصبح ملكا فمن المؤكد ان يؤدي به هذا الى حبل المشنقة، فالخليفة هارون الرشيد كان يحلو له التنكر في زي الفقراء والهبوط الى حواري بغداد وازقتها حيث يتعرض للمآزق المختلفة ولكنه يتعرف على الحياة الحقيقية، وفي كوريا شاهدت التجربة نفسها ولكن باسلوب مختلف، فقد كان يحلو لاباطرتها ان يكونوا فقراء ايضا، فالقصر الامبراطوري الذي مازال موجودا في قلب العاصمة (سيءول) يضم قصرين وحياتين مختلفتين داخل سور واحد، في الاول يجلس الملك التنين معظم شهور السنة تحت سقف من القرصيد الازرق ويخطو على طريق مرصوف اعلى من الذي تسير عليه بقية الحاشية ويجلس على عرش من الذهب تحيط به الابهاء والقاعات الفخمة المزينة بزهور الباسنت والستائر الارجوانية، وهو لون مقدس لا يتسخدمه احد غيره، وينام على اسرة من خشب الصندل مطعمة بالجواهر والبشمك، ولا ياكل الا في ا طباق من الذهب الخالص بينما ياكل الجميع من حوله في اطباق من الفضة، ويقف بجواره الذواقة الخاصة به ليتناول ملعقة من كل طعام يقدم للامبراطور حتى يضمن خلوه من السم، كل هذه الابهة المبالغ فيها لا يوجد لها اي اثر في القصر الثاني، وهو لايمكن ان نطلق عليه لقب القصر الا مجازا، فهو لا يتعدى مجموعة من الاكواخ الخشبية الخشنة، بلا قرميد ازرق ولا رسوم للتنانين ولا زخارف على الجدار وحتى اسرة النوم هي ايضا خشنة وضيقة وكذلك الطعام البسيط القليل الكمية، يطهى في انية يعلوها السواد ولا يوجد ذواقة، الى هذا المكان الحقير كان الملك التنين ينتقل كل عام ليقضي فيه شهرا كاملا من التقشف دون بروتوكولات او مراسم، شهر من الفقر يستفيق فيه الجسد من دعة الترف ويدرك فيه العقل ان هناك جانبا اخر من الحقيقة، لعل الامبراطور بعد ذلك يكون اكثر عدلا واحساسا بما يعانيه الفقراء والبسطاء من رعيته، ترى.. كم قصرا عربيا من قصورنا العامرة يمتلك مثل هذا الجناح المتقشف؟!







د. محمد المنسي قنديل wiggle.gif

عن مجلة (العربي) type.gif





زهره
08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif



تقول لى رضوى harsh.gif
.
د. محمد المنسى قنديل biggrin.gif





ابنتى رضوى عاشقة للعمل التطوعى . . تجدها دائما وسط الأزمات
المستعصية , وبين الناس المهمشين فى مناطقهم العشوائية , وخلف ك
مشروع طوباوى تعجز الامكانات عن تحقيقه , وقد قادها هذا العشق
الذى لابراء منه للعمل فى منظمة دولية تهتم بحماية الطفولة ,
وأول اهتمامات هذه المنظمة هو التأكيد على أن ينال الأطفال الصغار
حقهم الطبيعى من التعليم , فالطفولة تنتهى حين ينقطع الطفل عن
المدرسة , وهناك توجه عالمى يؤكد ضرورة أن ينهى الأطفال
دراستهم الابتدائية على الأقل داخل أسوار المدرسة مهما كانت الأسباب
وأن علينا أن نحولها من مدرسة طاردة الى مدرسة مرحبة .
.
.
لهذا بدأت رضوى رحلتها الغريبة بين المدارس القريبة والنائية ,
لعلها تستطيع أن تحقق هذا الهدف . تقول : انها تبدو وكأنها تسير
وسط كابوس لا نهاية له , فالمدارس التى يفترض أن ترحب بهؤلاء
الأطفال هى أبنية قديمة ومتداعية لم يتم تجديدها منذ عشرات
السنين , النواذ بلا زجاج يقى الأطفال لسعات البرد ولفحات الحر ,
أو يحميهم من الطوب الذى يمكن أن يقذف عليهم من الخارج ! !
ولا توجد دورات صالحة للمياه , فالأطفال يقضون حاجاتهم فى أى
مكان وبأى وسيلة .
.
.
أما العلاقات التى تربط بين البشر فى هذا المكان , فقد كانت
مشكلة حقيقية , تقول رضوى انها رأت المدرسين وهم يضربون
التلاميذ بعنف وقسوة , كأنهم ينفسون بتلك العدوانية عن كل مشاعر
الاحباط الموجودة فى داخلهم , وينتقمون من المجتمع الذى لم يعطهم
حقهم , وذلك من خلال تلك الحلقة الأضعف ,
ثم رأت التلاميذ الكبار وهم يضربون الصغار بنفس القسوة التى
تعلموها من مدرسيهم دون أن يكون هناك من يردع الكبار أو يحمى
الصغار .
.
.
ولكن ما حز فى نفسها حقا , هو ما رأته داخل الفصول أثناء تلقى
الدروس , لقد وجدت كل اثنين من التلاميذ يجلسان , بينما يقف
تلميذ ثالث مستندا الى الجدار , وعندما سألت أحدهم : لماذا يقف
هكذا ؟ قال : انه ينتظر دوره للجلوس فى الحصة القادمة ! ! !
هكذا أجابها طائعا و منكسرا .
.
تصوروا معى كيف يمكن أن يكبر هذا الطفل وقد بدأ حياته بكل
هذا الخنوع وقلة الحيلة , كيف يمكن أن نتوقع أن ينشأ منه مواطن
شاعر بالعزة والكرامة , عارف بحقوقه وواجباته , بينما بدأ حياته
وقد أهدر أول حق من حقوق طفولته وهو حق التعلم بأسلوب
لائق وكريم ؟ كيف نتحدث عن تعليم الديمقراطية , وقد مارسنا
عليهم سلطان القمع والاذلال منذ السنوات الأولى ؟
.
تقول لى رضوى : الأخطر من ذلك أن احدى التلميذات قد أغمى
عليها داخل المدرسة , واكتشف الجميع أن السبب فى ذلك هو
ضعفها وهزالها وشدة جوعها , فقد كانت التلميذة من أسرة لا يتناول
افرادها الطعام الا بنظام المناوبة , يأكل نصف أفرادها يوما ,
ويقضون اليوم التالى بلا طعام حتى يأكل النصف الثانى ,
وهذا اليوم لم يكن يوم الطفلة فى تناول الطعام .
.
.
تحاول رضوى أن تواصل الحديث , فأقول لها مختنقا :
كفى يا رضوى . . كفى يا ابنتى أرجوك . ( انتهت )



زهره حبيسه

08.gif 08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif

مقالة اخرى لسيادته biggrin.gif :

دون كيشوت..
فارس عمره 400 عام ومازال يرفض الهزيمة- 11istling.gif
د. محمد المنسي قنديل bigstar.gif





في هذا العام وبعد حوالي اربعة قرون من خروجه الاول في عام 1605 عاد دون كيشوت للخروج لمواجهة العالم المعاصر.
بالمصادفة اكتشفت ان (دون كيشوت) يقف في وسط ميدان (إسبانيا) مختفياً خلف نصب تذكارية اخرى، كان هذا الميدان الواقع في شمال العاصمة (مدريد) مزدحماً كالعادة، تحيط به البنايات الضخمة، ولا أدري لمذا اخذ هذا الميدان وحده اسم المملكة الاسبانية كلها، كانت فيه اقدم واعلى بنايتين في العاصمة، يعود بناؤهما الى

الخمسينيات من القرن الماضي، كنت اسعى للحديقة المستديرة وفي منتصفه حيث توجد محطة للحافلات التي تطوف مصحوبة بترجمة فورية، ولكن حين التفت للوراء وجدت (دون كيشوت) وقد اخذ إرهاب البرونز المائل للخضرة، كان كالعهد به يجلس منتصباً فوق ظهر حصانه، يمسك رمحه في يد، بينما يرفع اليد الاخرى محتجاً ومعترضاً، يتصدى للبنايات العالية، كأنها طواحين معارصة عليه ان يواصل الحرب معها، جسده الهزيل وحصانه اعجف، ورمحه رفيع، ولكنه مازال ذلك الفارس المعتز بنفسه، حتى ان الحمائم التي تطوف في الحديقة كانت تخشاه، فلم تكن تقف فوق رأسه ولو للحظات، وبجانبه كان يوجد تابعه الامين سانشو بنزا، بقامته القصيرة وجسده المكور، يجلس فوق حماره وقد وضع على رأسه خوذة، كانت من قبل وعاء يستخدمها الحلاق في إذابة الصابون، يحدق امامه في شرود لعله كان مازال يفكر في الجزر والممالك التي وعدها به سيده ولم يف بهذا الوعد، وقفت امام التمثال مشدوهاً وانا اتمتم لنفسي: يا إلهي، انه يرفض ان ينهزم.
لم يكن (دون كيشوت) يبدو في وقفته الجامدة غائباً عما يدور في عالمنا، ولم يكن بعد مستعداً للاستسلام، خاصة وهو الفارس الوحيد بعد ان رحلت كل صنوف الفرسان الاخرى، فرسان المائدة المستديرة، فرسان الصليب والهيكل والإنكشارية، وحتى فرسان المماليك، هو الذي بقي محافظاً على وجوده في الذاكرة الإنسانية، وعلى مبادئه ايضاً، ربما لأن الدنايا الصغيرة، والأكاذيب الكبيرة، والسحرة والمردة، التي خرج من اجل محاربتها لم تختف بعد.
ولعل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز حين اعلن انه سيوزع مليون نسخة من رواية (دون كيشوت) مجاناً على مواطنيه، كان يعي ذلك، فقد اراد ان يتمعن مواطنوه في مثال هذا البطل الذي حارب طواحين الهواء ملاحقاً مثله العليا. وقال (سنقرأ جميعاً دون كيشوت لنتغذى اكثر من روح مكافحة ارادت إحقاق الحق وتصحيح العالم، اننا جميعاً اتباع لدون كيشوت الى حدٍ ما).
أشهر من المؤلف
(دون كيشوت) مثل هاملت وموبي ديك وفاوست ودون جوان، من الشخصيات القليلة التي فاقت شهرتها شهرة مؤلفيها، وحين قرأت نسخة مبسطة منها وانا صغير كنت اعتقد انها احدى هبات الطبيعة، مثل الاساطير والحكايات الشعبية والملاحم القديمة، حين تتشارك مجموعة بشرية في تأليفها وتضع فيها كل خبرات حياتها، اي انها تصبح تعبيراً عن العقل الجمعي، وليست نتاجاً لعبقرية فرد واحد، ثم قرأت الرواية بعد ذلك في نسختها الكاملة، واكتشفت فيها تلك التوليفة الساحرة من تراث الجماعة البشرية ومأثوراته، ممتزجاً بالعبقرية الفردية، وهذا هو سر الاعمال الادبية الخالدة، ان لها القدرة على احتواء التراث وتمثله، والقدرة على ان تصبح جزءاً من حقائق الكون وليست مناقضة لها.
ولمن لا يعرفون (دون كيشوت) ذلك الفارس الحزين الوجه، فإن افضل تقديم له هو قول شاعرنا المعروف ابي الطيب المتنبي:
واذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسامُ
وهذا هو سر مشاكل (دون كيشوت) فقد كان يمتلك نفساً كبيرة، لا ترضى بالواقع الضيق الذي يحيط بها، ولا بالإمكانات الضئيلة التي لا يملك غيرها، فبالرغم من انه نبيل متوسط الحال هزيل الجسم، في الخمسينيات من عمره، بصره ضعيف من كثرة إدمانه على قراءة كتب الفروسية، فإنه ايقن ان وراءه رسالة كبرى عليه ان يؤديها، تمردت روحه على مكتبته الزاخرة بالأسفار القديمة، وعلى مائدة طعامه الحافلة بالأطباق الدسمة، وعلى الثياب الحريرية التي كان يقتنيها، احس ذات لحظة ان العالم خارج اسوار ذاته يضج بالمظالم والبؤس والفقر والتسلط والبغي، وانه في حاجة الى رجل عادل يعيد الأمور الى نصابها، وكان (دون كيشوت) محقاً في ذلك، ولكنه حين قرر الخروج لتغيير هذا الواقع الأليم اختار ان يكون فارساً من نبلاء القرون الوسطى، راكباً فرسه وحاملاً رمحه وكان مخطئاً في ذلك، لأن زمن الفرسان كان قد مضى الى غير رجعة.
هذا هو التناقض الذي بنيت عليه احداث الرواية، وهو ليس تناقضاً مأساوياً، كما يحدث في التراجيديا، عندما يسقط البطل نتيجة لنقطة ضعفه، فيثير فغينا التفجع الذي يطهر الروح، ولكن (دون كيشوت) يخوض تناقضاً آخر بين المثال والواقع، بين الوهم والحقيقة، فيثير فينا الضحك والسخرية لقد لعب ميجل دي سرفانتيس مؤلف الرواية ببراعة على القطب الثاني من الدراما واعني به الكوميديا، التي تشحذ العقل وتعمل التفكير، لقد وضع إحدى السمات الاساسية لفن الرواية، سوف يحتفي بها ويحافظ عليها كل الروائيين من بعده، من غوغول الى ديكنز، ومن ماركيز الى كونداير، الا وهي الاعتماد على فن السخرية من الطبائع البشرية، بل ان اعمال ديستوفسكي، استاذ عموم التشاؤم، لم تكن تخلو من هذه السخرية السوداء، وعلى حد تعبير الروائي التشيكي الشهير ميلان كونديرا، فإن حسن السخرية والقدرة على اكتشاف التناقض هو الذي ضمن لفن الرواية التميز عن بقية الفنون الاخرى، وهو الذي أمّن بقاءها، وعلينا ان نعترف ان سرفانتيس هو الذي وضع الاساس لهذا الامر.
غادر (دون كيشوت) قصره ليخوض تجربة الفروسية مرتين، في الاولى كان وحيداً، عديم الخبرة بالعالم الخارجي، لذلك كانت هزيمته سريعة، وجروحه بالغة، وعاد الى بيته وهو على وشك الموت، ولكنه لم يمت بل وجد نفسه يستعيد هذه المغامرة الصغيرة الفاشلة، فتمتلئ روحه التي لا تعرف الوهن ولا الشيخوخة بالعزم على العودة مرة اخرى، وهكذا يعاود الخروج مرة اخرى بعد ان اقنع احد الفلاحين الذين يعملون عنده، هو سانشو بنزا- بأن يكون تابعاً له، وهكذا تبدأ واحدة من اكبر المغامرات في التاريخ الروائي، حروب ضد العمالقة التي هي في حقيقتها طواحين هواء، وضد الجيوش المسحورة التي هي اغنام، وتقديم فروض الطاعة لأميرات هن بائعات هوى، وإنقاذ لفرسان هم في الاصل مجرمون، وهكذا تمضي ثنائية الوهم والحقيقة دون توقف، وتتحول كل هزيمة ساحقة -من وجهة نظره- الى انتصار مؤزر- كما يحدث في عالمنا الثالث- ويتلقى (دون كيشوت) من الضربات اكثر مما يوجه من طعنات، ويمتلئ جسده بالجروح البالغة، ولكنه لا يموت، بالرغم من جسمه الواهن، وعظامه الهشة وعمره المتأخر. ان روحه الكبيرة تعوض كل نقاط الضعف هذه، انه اشبه بشخصيات افلام الكارتون التي لا تموت مهما تعرضت لحوادث او انفجارات، ومن المؤكد انها اخذت عن فارسنا هذا التقليد.
التابع الامين
ولا يمكن الحديث عن (دون كيشوت) دون تابعه (سانشو بنزا) فهو الشخصية المكملة، وليست المناقضة له، كما ذهب كثير من النقاد، فهو لا يمثل -في رأيي- الواقع المادي في مقابل المثالية التي يمثلها (دون كيشوت) ولكنه الوجه الآخر للعملة، لقد كان فلاحاً عادياً، محدود الافق، نهماً لا يدرك الا الاشياء التي يحس بها بين اصابعه، لا يعرف القراءة والكتابة، وهذه هي نقطة ضعفه، فمن المؤكد انه لم يصدق (دون كيشوت) حين وعده انه اذا رافقه في رحلته فسيهبه جزيرة ويجعله ملكاً عليها، ولكن الحقيقة انه وهو الجاهل الامي قد اخذ بلاغة (دون كيشوت) وفصاحته وسعة معرفته، فهو يقول له معجباً: (في الحقيقة يا سيدي انك واعظ افضل منك فارساً) وعندما سار خلفه لم يكن متوهماً، كان على الاقل يرى العالم على حقيقته، يعرف ان ما يقف امامهما هي واحين هواء، وليست مردة او شياطين، ويعرف ان ما يعترض طريقهما هي اغنام وليست جيوشاً مسحورة، وان الذين في الاسر هم مساجين وقتلة، وليسوا فرساناً مهزمين، بل ويعرف ايضاً ان ما يلبسه على رأسه هو (طاسة) حلاق وليست خوذة ذهبية، ثم يتحول بالتدريج ليرى العالم كما يراه سيده، ليعيش معه احلامه واوهامه، توحد الوجهان في عملة واحدة، بالرغم من الفارق الكبير بينهما، ونقطة التحول هذه واحدة من اجمل الابداعات في هذه الرواية العظيمة.


جريدة البينة harsh.gif 2005


زهره حبيسه

08.gif 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif


سحر المحبة 08.gif

عن مجلة العربي , العدد (543)فبراير 2004
الكاتب : د. محمد المنسي قنديل

-----------------------------------------
كيف يتسلل الإسلام إلى أغوار النفس البشرية و يسكنها خاصة إذا جاء اعتناقه عبر ثقافة مغايرة؟
بحثت عن إجابة لهذا السؤال عند جارودي و مراد هوفمان و غيرهما, و لكني في رحاب مكة وجدت بعضا مما كنت أبحث عنه.
في موسم الحج عام 1999 تقابلت مع عبد الله الذي كان اسمه فيما مضى" جون", كان امريكيا مختلفا في الشكل و الطباع, ضئيل الجسم إلى حد ما, مهذبا لدرجة الوداعة, لم يكن يجيد العربية, و لكنه كان يحفظ الشعائر و المناسك عن ظهر قلب, و يحمل نسخة مترجمة إلى الانجليزية من القرآن الكريم يقرأ بها قبل و بعد كل صلاة.
سألته كيف اهتدى للإسلام, و كنت أنتظر منه جوابا طويلا و معقدا, حول الشك و التوق الروحي و معاناة البحث عن اليقين, و لكنه قال ببساطة: " إنها زوجتي, لقد أحببت فتاة مصرية من الاسكندرية, قابلتها في نيوجرسي, و عن طريقها عرفت الاسلام".
الحق أقول لكم لقد خاب أملي, فالإجابة كانت صغيرة بالنسبة لتحول كبير بهذا الحجم, و أخذت أتساءل عن سر تلك الاسكندرانية الفاتنة التي كانت من الاصرار بحيث جذبته إلى عالمها بدلا من أن تذوب في عالمه.
كان عبد الله الذي كان "جون" فيما مضى يقوم بكل المناسك في حالة من التبتل, شاهدته عند آبار علي و هو يسبغ الوضوء, و يحكم ثياب الاحرام, و يستغرق في الصلاة غائبا عن كل ما حوله, ثم و هو يسير بين المشاعر ضارعا و باكيا, كأنه يريد أن يعوض كل الأيام التي لم يبك فيها أو يتضرع.
كانت عواطف القلب و تجليات الروح قد امتزجتامعا على صعيد واحد, أحسست أنه بشكل أو بآخر يخوض حالة من التسامي, كان من الصعب علينا _ نحن الأقدم و الأكثر أصالة_ أن نصل إليها, ففي لحظة نادرة استطاع عبد الله أن يخضع العقل لنداء القلب, و أن يفتح آفاق روحه لزاد جديد, تحول فيه الحب إلى عقيدة, و نفذ فيه إلى أغوار العقيدة مزودا بسلاح الحب.
في هذه المرحلة نفسها كان معنا فريق من التلفزيون الياباني, كانوا قادمين بكاميراتهم و معداتهم لتصوير كل المناسك, و كان المصور الأول في الفريق يابانيا اعتنق الإسلام , و عندما انتهينا من يوم عرفة بكل ما فيه من جلال و رهبة, و سار الركب في سكينة إلى المزدلفة لنقضي جانبا من الليل, فوجئنا جميعا بالمصور الياباني و قد خلع ملابس الاحرام و ارتدى ثيابه العادية, سألناه في فزع عما حدث, و لماذا يفسد حجته قبل أن تكتمل؟
قال في إيجاز إن الشيخ الذي اعتنق على يديه الاسلام في اليابان قد قال له:" الحج عرفة" و هو حديث مؤكد و صريح, و ها قد انتهى يوم عرفة لذا فقد انتهى الحج.
عبثا حاول الجميع اقناعه, استخدمنا معه كل اللغات العربية و الانكليزية و حركات الايماء و الاشارات, فالطقوس لم تكتمل بعد, و الاحرام مستمر حتى رمي الجمرات و حلق الشعر, و لكنه أصم أدذنيه دوننا.
حيرني ذلك الياباني المسلم, أربكني تشدده في موقف و في يوم لا تشدد فيه , يوم منذور للاستسلام للذي خلق الروح , كيف يمكنه الايمان المطلق بمصدر أوحد للعلم و المعرفة, و لماذا الاصرار على أن يأخذ بناصية دين ضخم و عريق كالاسلام اعتمادا على شخص واحد .
و بدون أن أدري وجدت نفسي أعقد نوعا من المقارنة بين الاثنين, عبد الله المحب, و الياباني المتصلب , لقد دخل الاسلام قلب عبد الله هينا و محبا حتى تشبعت به روحه, أما الياباني فقد دخل إليه الاسلام في أوامر صارمة لا تحتمل النقاش .
اكتشفت أن فهم الاسلام في حاجة إلى الكثير من المحبة, فهي تصنع طرقها و مسالكها الخاصة من الالقلب إلى العقل, و من العقل إلى الروح في دورة لا تنتهي.







زهره حبيسه
08.gif 08.gif
زهره حبيسه
Bismillahs.gif

رواية الأسئلة والتحولات في الزمن الصعب:
الآخر بعيون عربية type.gif !


عن رواية(قمر علي سمر قند type.gif ).

يقول نذير جعفر biggrin.gif :




تأتي رواية قمر علي سمرقند للكاتب المصري محمد المنسي قنديل بعد روايتيه: بيع نفس بشرية و انكسار الروح ومجموعتيه القصصيتين: من قتل مريم الصافي؟ و احتضار قط عجوز , إلي جانب كتابين يستعيدان التراث برؤية معاصرة هما : شخصيات حيٌة من الأغاني و وقائع عربية . وجدير بالذكر أن للكاتب عددا من قصص الأطفال والسيناريوهات التليفزيونية والسينمائية, ويعدٌ أحد أبرز جيل السبعينيات في مصر.

في هذه التجربة يخوض المنسي مغامرة فنٌية علي مستوي المضمون والشكل، فيقارب في المضمون فضاء جغرافيا وبشريا مغايرا ومشبعا بعبق التاريخ، ينطلق من القاهرة ويتوزع علي أهم حاضرتين إسلاميتين في آسيا الوسطي هما: بخاري وسمرقند، اللتين يستلهم منهما أحداث روايته، فيرحل في ماضيهما البعيد والقريب، ويرصد إيقاع حاضرهما، ويتتبٌع تحولاتهما الاجتماعية والسياسية منذ وقوعهما تحت الهيمنة السوفييتية حتي سقوط منظومة الدول الاشتراكية, من خلال شخصيات روائية نابضة بالحياة، ومكتنزة بالتجارب، ومتفرٌدة بخصوصيتها ومخزونها المعرفي والتراثي. وعبر عين الفنان الآسرة نصغي إلي وقع حوافر جياد تيمورلنك, وصدي الأدعية التي تتردد في مقامات النقشبندي, وشاه زندا, وقبة بيبي خاتون , كما نري الشواهد الحجرية الستالينية التي تمجٌد الاشتراكية وتنتظر شمسا لم تشرق أبدا . وهكذا تتوشٌح الرواية بصراعات لا تنتهي بين ماض ما زال يمارس تأثيره, وحاضر يحاول أن يمحو كل شيء . وعلي مستوي الشكل يختار الكاتب ترسيمة الحكاية التي تقوم علي راو يسرد الأحداث ومتلق يصغي إليها، فيقسم روايته إلي أربعة أقسام تحمل العناوين التالية : حكايات السهوب ، حكايات بخاري ، حكايات سمرقند ، حكايتي أنا . وتنتظم الحكايات الأربع في عقد واحد علي الرغم من أن لكل حكاية فضاءها المكاني والزماني وشبكة علاقاتها المتعدٌدة, ولا يمكن النظر إليها إلاٌ عبر تواشجها وتنامي أحداثها وشخصياتها الرئيسة في كلٌي موحٌد .

وهذا التنوٌع في الزمان والمكان , والانتقال الدائري من الحاضر إلي الماضي , ومن الماضي البعيد إلي القريب, عبر تقنيات الاستباق والاسترجاع حينا , والمونولوج الداخلي والحوار حينا آخر , أضفي علي السرد ديناميكية خاصة نأت به عن الترهل , وجعلته أكثر جاذبية للقارئ وقدرة علي شد انتباهه , وتحفيزا له علي مواصلة القراءة .

***


في حكايات السهوب ينهض السرد بضمير المتكلٌم علي لسان الراوي المشارك في صنع الأحداث ( علي )، الشاب المصري الذي يشكٌل مع شخصية السائق الأوزبكي ( نور الله) عصب المتن الروائي، والبؤرة المركزية للبرنامج السردي الذي ينطلق منهما ويتمحور حولهما في الوقت نفسه من البداية إلي النهاية.
ومنذ السطر الأول يضعنا الراوي (علي) في أجواء مدينة طشقند بعد الرحيل المباشر للقوات السوفييتية واجتياح الدولار واجهة التعامل بين الناس، ونعرف أنه شاب مصري يبحث عن سيارة أجرة تقلٌه إلي سمرقند، وفي موقف السيارات يتعرٌف إلي نور الله الذي يصرٌ علي مرافقته له في سيارته المتواضعة، ولأن الطريق علي حد تعبير باختين هو أفضل مكان للقاءات المصادفة، وينطوي علي قيمة استعارية كبري في لحظات اللقاء والفراق، والفقدان والاسترداد، والبحث والعثور، فقد كان اختيار الروائي للطريق بين طشقند وسمرقند اختيارا مكانيا وفنيٌا مناسبا للانفتاح علي الزمن المغامراتي اللامتناهي الذي تحكمه مصادفة اللقاء بين علي و نور الله .

من لحظة المصادفة هذه التي جمعت بين الراوي والسائق، تبدأ حكايات السهوب التي تحدث في الزمن الراهن، والتي يتم اختراقها بين حين وآخر عبر تقنية الاسترجاع بتذكر الماضي لكل من علي و نور الله وتكشف هذه الحكايات عن الروح الزورباوية التي تسكن في جسد نور الله ، هذا السائق الغامض، الذي يتحدٌث العربية بطلاقه، ويفهم في الدين والسياسة، والتاريخ والجغرافيا، وتتلون شخصيته بين زاهد متعبد عازف عن متع الحياة، وماجن شبق غارق في ملذاته، لا يلوي علي شيء ! . وهذه المتناقضات الحادة في شخصيته تحوله إلي لغز غامض يحاول كل من الراوي ( علي ) والقارئ أيضا فك طلاسمه ومعرفة سره، وهذا ما ولٌد عنصر التشويق والإثارة حتي آخر صفحة من الرواية علي الرغم من الاستطرادات التي كانت تقتضيها بعض المواقف بين مسافة سردية وأخري.

يأسرنا الراوي بتقديم شخصية نور الله فهو لا يكتفي بالحديث عنه من زاويته الخاصة, بل يدعه في كثير من الأحيان يتحدٌث عن نفسه, فينقل حديثه مبتعدا عن الرؤية الأحادية للشخصية , تاركا لها حرية الكلام والتعبير عن ذاتها كما هي لا كما يراها هو فحسب , وهذا التنوٌع في تقديم الشخصية عبر أكثر من منظار يجعلها أكثر غني ورسوخا في ذاكرة المتلقي , حيث تتحول الكلمة الروائية ذاتها علي لسان الشخصية إلي موضوع تصوير لغوي يفصح عن نبرتها الخاصة التي تمنحها نكهتها وفرادتها بالقدر الذي تكشف فيه عن موقعها الاجتماعي والثقافي وميولها ومكوناتها الفطرية والمكتسبة .

في الطريق من طشقند إلي سمرقند نتعرٌف إلي نهر آموداريا الذي يلقب بأبي الأنهار جميعا, كما نتعرٌف إلي نماذج من الكازاخ والتتار والطاجيك والروس. وتبرز شخصية يارا الغجرية مثل نجمة ساطعة في ليل معتم, فتدخلنا معها إلي طقوس الغجر وعاداتهم وأفكارهم ومعتقداتهم , من خلال سرد غنائي موشٌي بالإعجاب المتبادل بين الراوي وما تثيره فيه من مشاعر . ولأن الطريق حافل بالمفاجآت وبلحظات اللقاء والفقد , فإن العلاقة التي بدأت بين الراوي علي والغجرية يارا سرعان ما تنتهي , مخلٌفة الأسي العميق , ومحفٌزة في الوقت نفسه علي المضي مع نور الله في هذه المغامرة المجنونة حتي النهاية .
أما في حكايات بخاري فيتناوب علي السرد كل من الراوي علي والسائق نور الله وفي هذه الحكايات التي يستعيدها نور الله عن ماضيه علي لسانه تارة، ومن خلال أسلبة الراوي لأقواله تارة أخري، تتكشف جوانب جديدة في شخصيته فنعرف انه كان طالب علوم دينية في مدرسة مير عرب التي أسسها أحد الأمراء العرب اليمنيين في تلك البلاد النائية بدافع الحفاظ علي اللغة العربية واستمرار التعليم الديني، كما نتعرف إلي علاقته بزميله في الدراسة لطف الله الذي سيتحول فيما بعد إلي داعية ومعارض يقض مضاجع السلطة السوفييتية!

***


وفي حكايات سمرقند تغيب شخصية نور الله المحورية قليلا عن المشهد، دون أن يغيب ظله، ويستأثر الراوي علي بالأحداث برمٌتها، فنعرف أنه جاء من مصر إلي هنا ليلتقي بالجنرال رشيدوف صديق والده الذي شارك معه في حرب أكتوبر، ثم عاد إلي سمرقند مرغما بعدما وقٌع السادات اتفاقية الصلح مع إسرائيل وطرد الخبراء السوفييت. وتنفتح علاقة الراوي علي فضاءات جديدة، حيث يتعرف في سمرقند علي طيف النادلة في مطعم الفندق الذي ينزل فيه، وإلي أولجا الروسية، كما يتعرف إلي فلاح العربي الذي يشرف علي مشروع خيري. وتنشأ بينه وبين طيف علاقة حب بعدما وقفت إلي جانبه في البحث عن ناديا ابنة الجنرال رشيدوف الهاربة من والديها، وفي هذه المعمعة من البحث والفقدان واللقاءات يستعيد الراوي ذكرياته الشجية في مصر، و تحضر هنا علاقته بفايزة التهامي، وسلمي جوهر وما تركته من وشم في الروح و الذاكرة لا يمحي.

في حكايتي أنا وهي الحكاية الأخيرة في هذا النسيج الروائي يتحدث الراوي علي عن ماضيه ويروي إلي نور الله سر مجيئه إلي سمرقند، فنعرف أنه جاء بغرض العثور علي وثائق من الجنرال رشيدوف تفسر مقتل أبيه الغامض, بعدما احتج علي اتفاقية سيناء, وتحذٌر تلك الوثائق من الوجود الاستخباراتي الإسرائيلي الذي سيظل يشكٌل خطرا علي مصر ما دام موجودا فيها من خلال أشخاص كان يعرفهم والده, لكنه قتل قبل أن يتمكن من كشفهم!.
وبحكاية الراوي تنتهي الرواية المفعمة بالحب والأسي والشجن, والموشاة بغنائية عذبة قلما نجدها في نثرنا المعاصر.


الكتاب : قمر علي سمرقند
المؤلف : محمد المنسي قنديل
الناشر : دار ميريت؛حلب.



عن جريدة اخبار الادب العدد 719


زهره حبيسه

08.gif 08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif


تتمة متواضعة لبعض اعمال سيادته 08.gif



الدبة .. ساعى بريد الغابة،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل
(غلاف عادي، )الهيئة المصرية العامة للكتاب .

بيع نفس بشرية،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل
(غلاف عادي)مكتبة الأسرة .

الدبة .. ساعى بريد الغابة،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل
(غلاف عادي، )الهيئة المصرية العامة للكتاب .

شخصيات حية من الأغانى،
الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل
(غلاف عادي)الهيئة المصرية العامة للكتاب .


إحتضار قط عجوز، ا
لطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل
(غلاف عادي، )الهيئة المصرية العامة للكتاب.


وقائع عربية
، الطبعة رقم 1، محمد المنسى قنديل
(غلاف عادي،)الهيئة المصرية العامة للكتاب




زهره حبيسه 08.gif
محمد فتحي
تحياتي لك يا زهرة على هذا الموضوع الجميل عن شخص أجمل
شخصيات حية من الأغاني ووقائع عربية ليس لهما علاقة بالأطفال وهما كتابان رائعان أنصح أي مهتم بالأدب و التراث بقراءته وقد تعلمت من شخصيات حية من الأغاني الكثير و الكثير ، وهو في رايي - ودون أدنى مبالغة - أروع ما قرأت في حياتي

عندي أيضاً خبر جميل حيث ستعيد دار ميريت نشر مجموعتي (بيع نفس بشرية) و (عشاء برفقة عائشة) خلال عرض القاهرة الدولي القادم بإذن الله ، وقد أضاف إليهما د.محمد المنسي قنديل قصصاً جديدة لم تنشر من قبل
زهره حبيسه
Bismillahs.gif


د.محمد فتحي 11ap.gif

اقتباس
تحياتي لك يا زهرة على هذا الموضوع الجميل عن شخص أجمل



انا اللي سعيدة بتناولي الموضوع دا وبمرور حضرتك الكريم يا دكتور banned.gif
.


اقتباس
شخصيات حية من الأغاني ووقائع عربية ليس لهما علاقة بالأطفال وهما كتابان رائعان أنصح أي مهتم بالأدب و التراث بقراءته وقد تعلمت من شخصيات حية من الأغاني الكثير و الكثير ، وهو في رايي - ودون أدنى مبالغة - أروع ما قرأت في حياتي



اتمني قرائتهم في اقرب وقت لاني مغرمة د.المنسي قنديل music_serenade.gif

اقتباس
عندي أيضاً خبر جميل حيث ستعيد دار ميريت نشر مجموعتي (بيع نفس بشرية) و (عشاء برفقة عائشة) خلال معرض القاهرة الدولي القادم بإذن الله ، وقد أضاف إليهما د.محمد المنسي قنديل قصصاً جديدة لم تنشر من قبل



هيييييي p30.gif ييييييييييي p30.gif ييييييييييييييه
الخبر دا يستاهل المدح من هنا للعشر سنين قدام 11ap.gif 11ap.gif
ميرسي يا دكتور ع الخبر الرائع دا mf_popeanim2.gif



زهره 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif

«قمر على سمرقند» رواية البحث عن اجوبة مستحيلة
عبير سلامة bigstar.gif الحياة harsh.gif 2005/03/





كانت لعنة «روح الأرز» في واحدة من أجمل «قصص» محمد المنسي قنديل «بيع نفس بشرية» تمثيلاً أسطورياً لأزمة شخصيات حائرة بين الطهر والفساد, واستيعاباً جذاباً لخصائص اللقاء العفوي على أرض غريبة بين مدرس مصري وخادمة فيليبينية, وهما تمثيل واستيعاب يستكشفان مناطق نادرة الحضور في الرواية العربية, على رغم ثرائها الروحي/ الحضاري, وعلاقتها المتشابكة مع مجتمعاتنا العربية. يعود المنسي في رواية «قمر على سمرقند», الصادرة أخيراً في القاهرة عن سلسلة «روايات الهلال», إلى فضاء آسيوي آخر مستفيداَ، هذه المرة أيضاً, من جاذبية قدَر اللعنة في تشكيل مسار الأزمة وسلوك الشخصيات.
قال لطف الله معلقاً على حكاية عن النقشبندي: «يا لها من حكاية, ولكن هل حدثت فعلاً؟»، قال قادري: «كان خليقاً بها أن تحدث». ويصدق هذا القول على مواقف كثيرة في «قمر على سمرقند» مثلما يصدق على الرواية نفسها, إذ تمتزج الحقائق والرغبات والأساطير, وتنتشر الحكايات بلا دليل على صدقيتها سوى مهارة الحكي, والحاجة إليها بصفتها زاداً لرحلة كبرى تنطوي على رحلات متفرقة, إلى أماكن وتواريخ وأزمات معلقة.

الرحلة الأطول في الرواية إلى أوزبكستان, يقوم بها مصري يُدعى عليّ, ويعرف نفسه بأنه «طبيب توقف عن ممارسة الطب», لن نعرف عنه أكثر من ذلك حتى الفصول الثلاثة الأخيرة, والرواية ستة عشر فصلاً, مجرد تلميحات غامضة لذكريات بعيدة مع تحديد واضح لغايته من الرحلة, وستفقد هذه الغاية في ما بعد أهميتها, حين يتضح أنها جاءت متأخرة, وأن تجربة الطريق إليها أفادته بأكثر منها. ظن عليّ أنه سيجد في سمرقند إجابات عن أسئلة ظلت تؤرِّقه لأكثر من ربع قرن, منذ توفي والده في حادث مريب بعد إقالته من منصبه العسكري, لمجاهرته برفض معاهدة كامب ديفيد واحتفاظه بوثائق سرية تبرر هذا الرفض. وبدأت الرحلة إلى صديق الأب, الجنرال الروسي رشيدوف, من العاصمة طشقند بصحبة السائق «نور الله», أوزبكي عجيب يعرف الكثير و»يحب أن يكسر كل قواعد اللعبة».

تتراكم على مدى أيام قليلة حوادث ولقاءات تعوق الوصول إلى الغاية المعلنة, لكنها تجعل من رفيق الرحلة موضوعاً للاستكشاف, في مقابل الأب, وبديلاً مطابقاً يحقق هدفاً أعمق للتصالح مع الأب والذات معاً. قال عليّ: «لم أفك غموض موته, كما لم أفك غموض حياته, وسيبقى فقط ذكرى خاصة بي, ما زلت حتى هذه اللحظة أسأل نفسي هل كان يمكن أن أقوم بشيء يمنع موته, وهل هناك شيء يتيح لي أن أعرف قاتله, لقد قصرت معه, كرهته حين كان يجب أن أحبه, واتهمته بالجنون حين كان يجب أن أكون أول مَنْ يصدقه, تركته وحيداً فريسة للقتلة المحترفين, وتركت أدلة حياته وموته تهرب من بين أصابعي كذرات الرمل».

ولو جاءت هذه الكلمات على لسان «نور الله» لما اختلف شيء, إذ تحمّل لسنوات طويلة وطأة مشاعر وأسئلة مشابهة, نتيجة علاقته المعقدة بـ»لطف الله», رفيق رحلته الشاقة من وادي فرغانة إلى بُخارى لطلب العلم, ومحور أزمته الأخلاقية التي نشأت من تورطه مع السلطة. رضي «نور الله» بأن يكون عيناً للسلطة على زملائه, وتقبل مكافآتها/ تكليفاتها حتى أصبح مفتياً للبلاد, ثم بدأ رحلة الدفاع عن سلطة لم يملكها, مثل والد عليّ, ورفض أن يمنح الشرعية للأمر باغتيال رفيقه, فنُفي إلى موسكو, وعاد بعد سنوات متسللاً, ليعيش هارباً مطارداً على هوامش المدن غالباً, في قلبها أحياناً, ويدفع الثمن في كل حين.

لم يختر عليّ «نور الله», كما لم يختر من قبل أباه, ومرت علاقته بالرجلين من نفق الخضوع إلى مصالحة الفهم واختيار القبول, مروراً بالرفض والتمرد. كان في حاجة إلى تلك الرحلة وهذا الرفيق لكي يرى نفسه بوضوح ويعرف قدراتها, وجعله غياب نور الله من المشهد موقتاً يخوض مغامرة أخرى في سمرقند, فيساعد في إعادة ابنة الجنرال المتمردة إلى بيتها, ما يعني عودته هو نفسه إلى أبيه واكتمال المصالحة.

لم يقرأ عليّ أوراق أبيه, التي أعطاها له الجنرال, ليس اتباعاً لنصيحة الرجل بقدر ما هو حدس بأن الرحلة لم تنته بعد, لم تُجب عن كل أسئلتها, وأن التغير الذي يستشعر ضرورته يجب أن يبدأ للتوّ من سمرقند, وقد صدق حدسه سريعاً, حين أنقذ «نور الله» من الشرطة في نهاية الرواية, وانطلق معه وسط ظلام حالك وسهوب مفتوحة بلا أضواء ولا خرائط للطريق.

الشخصيات في «قمر على سمرقند» جريحة تملك قدرات تفوق دورها وسمات تجهل وجودها, تتحرك في مدى دائري مطمئنة ليأسها, تحمل على الطريق لعناتها وأزماتها القديمة, فيصنعها الطريق من جديد, ويقربها من خلاص لا تنشده. والأزمات مجرد اتجاهات, منحنيات في مسار الوقت الطويل, لإبراز فردية ترقص مع مخاوفها بشهوانية, كتلك الغجرية التي تراقص الدب متوقعة في كل لحظة أن يستثار منها فيهاجمها. لقد وصف عليّ «نور الله» بأنه يأكل مثل دب, يغضب مثل دب, ويتفجر بشهوة الحياة, فكأنه كان يصف نفسه الأخرى, رغباته والمثال الذي يتمناه, ولذلك تمسك بهذه الصحبة المرهقة, ليقترب من ذلك الآخر اللغز/ نفسه. تبدو تأثيرات خبرة المنسي بكتابة السيناريو في استخدامه عوامل المصادفة والفرصة والمفاجأة, لتعزيز الحبكة المشوقة وإضافة شخصيات جديدة إلى المشهد, وقد أسهمت حقاً في تقديم الجانب السياحي/ المعلوماتي بعفوية, وفي تمييز الشخصيات الكثيرة وتبرير دورها, لكنها في المقابل صرفت الانتباه قليلاً عن تساؤلات ضرورية حول سبب الرحلة الكبرى في هذا الوقت بالتحديد: كيف مضت حياة عليّ بعد رحيل والده؟ لماذا توقف عن ممارسة الطب؟ ما الذي اختاره بديلاً لهذه المهنة؟ وما الأزمة الحالية التي استفزت ضعفه ودفعته إلى الطريق؟

الرواية بيكاريسكية إلى حد كبير, رحلة ومغامرات وأنواع من الخطر والتهديد تترصد الشخصيات, لكن البناء أبعد ما يكون عن النمطية, إذ يستخدم المنسي موضوع الرحلة على مستويات متعددة: فردية/ جماعية, حالية/ ماضية, إطاراً للسرد/ وتوازنات داخلية, لتكون الرحلة كناية عن تاريخ أعراق مختلفة في المكان, كالغجر والروس والعرب, ومعبراً لتلميحات إلى أسطورية الشخصيات المبهمة, غالباً بإبدال موضع الأسطورة كما في اختفاء لطف الله من غرفة مغلقة في مبنى محاصر, والظهور الطيفي لشخصية بيبي خاتون ثم توحدها مع شخصية طيف.

تؤدي التلميحات الأسطورية دوراً كبيراً في تأكيد المصير الإنساني التكراري, وهذه فكرة محورية في الرواية, كما أنها تؤثر بقوة في بناء الحبكة الروائية, وتجعلها أقرب إلى بناء القصص الشعبي, أما التأثير الأهم لهذه التلميحات فهو أنها تسحب الأساطير من سياقها, فتفقد معناها الأصلي وتصبح عنصراً درامياً في لعبة ثقافية مع القارئ.

لا بد من أن يتذكر قارئ محمد المنسي قنديل روايته الأولى «انكسار الروح», وبطلها عليّ, أيضاً, الذي كانت رغبته الأولى في أوراق التنسيق الجامعي: فاطمة, ثم التحق بكلية الطب, ولا فارق بينه وبين عليّ في «قمر على سمرقند» سوى أن التحولات السياسية التي يرصد الأخير تأثيراتها تقع في فترة زمنية لاحقة, وتتخذ أبعاداً عالمية شديدة التداخل. والروايتان, تؤكدان ما يرفد مشروعه الإبداعي من جدية وخبرة متميزة بمجالات متعددة.





ناقدة مصرية harsh.gif
د.عبير سلامة bigstar.gif












زهره حبيسه 08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif

فاطمة وسلوى *

د.أيمن محمد الجندى
عن رواية انكسار الروح w00t.gif



في حياة كل رجل امرأة يحبها وامرأة تحبه.. امرأة نعذبها وامرأة تعذبنا.. ليس من الضروري أن تكون أجمل أو أفضل أو أرقى، لكن القلب خفق لها دون سائر النساء.

توشك أن تكون هذه المفارقة "تيمة" في أعمال أدبية كثيرة.. اخترت لكم منها تلك المرأتين (فاطمة وسلوى)، في الرواية المدهشة " انكسار الروح" لأديبنا الكبير محمد المنسي قنديل والذي يحمل للأسف نصيبا من اسمه، فهو المنسي وهو القنديل.

تعالوا نطالع معا أحداث القصة وأحوال العاشقين.

سمراء يا حلم الطفولة 11rob.gif

فاطمة والعشق شديد الوطأة.. وسلوى تقلب صفحات مذكراتها وتتعمد أن تجلس أمامه وعليه أن يختار بينهما.. بالنسبة إليه فإن قلبه قد حسم الاختيار منذ اللحظة الأولى.. منذ ذلك اليوم البعيد.. البعيد الممعن في براءة الطفولة حينما كان يهبط درج السلم المتآكل حاملا الحقيبة المدرسية الممزقة، التي برزت منها أطراف الكتب وسقطت الأقلام الرصاص.. وقتها أبصر فاطمة للمرة الأولى غير عالم أن مستقبل قلب تحدد معالمه في تلك اللحظة.

كانت القطط الصغيرة مكومة ومرتعدة وتموء من قلة الطعام وشدة البرد، جلس بجانبها يتحسس شعرها الناعم وعظامها الطرية فتقوست أجسادها وهي تهر بصوت خفيض، وأخرج "الساندويتش" الوحيد الذي معه وبدأ يقطعه ويطعمها، وقتها فقط سمع صوتا يهمس بجوار أذنه.. رفع رأسه فرآها.. صغيرة، دقيقة الملامح، ومثل قطعة سكر نبات رقيقة صافية حلوة المذاق، كانت ترتدي مريلة مدرسة تفوح منها رائحة الصابون، وشعرها ملموم بـ"فيونكة" حمراء تهتز كلما حركت رأسها، ومنذ تلك اللحظة التي اجتمعا فيها على الشفقة بقطط صغيرة جائعة وقع في غرامها كقدر لا يمكنه الفكاك منه.

اسمك؟ فاطمة.. نطقت كل حرف بمفرده فتجمعت الحروف داخل أذنه ولم تغادرها بعد ذلك، تداخلت مع أنسجة روحه وطبعت بصمتها عليه، متى جئت إلى هذا الحي؟ وأين تسكنين؟ كيف لم أرك من قبل؟ كان يسأل وهي تلوذ بالصمت.. كل ما فعلته أنها مدت أصابعها الرقيقة ووضعتها على خده فأسكتت أسئلته، وأنطقت في الوقت نفسه أناشيد لم يكن يعرف أنها موجودة داخله.

ثم ذهبت.. أخذت معها الصباح وذهبت، وكيف كان يمكنه أن يفهم كلمة واحدة من دروس الصباح وملمس الأنامل الرقيقة التصقت بخده إلى الأبد، ومنذ ذلك الحين ينتظر شروق شمسها في أفق حياته؛ لكنها اختفت وكأنها لم تكن، كأنها حلم لم يره أحد سواه، هل كانت بالفعل موجودة ؟.. لمستها ما زالت باقية على خده ولكنها لم تظهر، فتش في وجوه كل الفتيات باحثا عن قطعة سكر نبات صافية وحلوة المذاق لكنه لم يجد؟ ودقق في كل "الفيونكات" الحمراء المتألقة وتشمم رائحة الصابون في كل مريلات المدارس بلا جدوى، وسأل البنات عنها فنظرن في دهشة، يجوب أزقة المدينة الضيقة لا يدري لماذا تظهر فجأة وتختفي فجأة؟!

لقاء متجدد console.gif

في منتصف النهار يدق الباب فيفتحه ضجرا، وفجأة يجدها أمامه، تبتسم وكأنها لم تغب، يلعنها، يدللها، يحبها ويكرهها، ويخاف أن تذهب بلا عودة، ويخاف أكثر أن يتعلق بالأمل.

ظل يهذي وهي تتطلع إليه هادئة، مسلطة عيونها عليه، عيونها واسعة كعيني المها، يهتف في مرارة:

- أين كنت يا فاطمة؟

قالت في هدوء:

- ليس هذا مهما.. المهم أنني عدت إليك..

تمر الساعات بالعاشقين الصغيرين وكأنها لمحة بصر.. يأكلان سويا الجبن والبيض والبرتقال.. يتكلمان بنفس الحميمية وكأنها لم تغب لحظة واحدة.. تعده وهي ترحل أنها لن تغيب عنه أبدا.. سيراها في الصباح التالي بغير شك.. لكن الصباح يتأخر كثيرا.. تختفي فاطمة وكأنها تبددت في هذا الكون القاسي.. تتواصل حركة الحياة وفاطمة وحدها لا تعود.. ويذهب لامتحان الثانوية العامة فيجدها أمامه.. تقول له في هدوء:

- لماذا تأخرت؟ أنا في انتظارك منذ وقت طويل!!

لم ينطق بكلمة.. أخرسه الشقاء وراح يتساءل: كيف تخيل للحظة أنها ستغيب عن حياته إلى الأبد؟ وكيف تمضي الحياة بإيقاعها الرتيب دون أن يراها؟ وكيف يستطيع قلبه الصغير أن يتحمل كل هذه الأحزان؟! بالله عليك يا فاطمة لماذا أضعت كل هذه اللحظات؟! في كل غيبة تموت بعض خلايا قلبي وأخشى أن أقابلك يوما بقلب كامل الموات.

قالت بنفس رقتها:

- هل تحب أن أراجع لك دروسك؟

قال لها وهو يختنق:

- وكيف تراجعين لي كل أيام وحدتي الماضية؟

- لم تفارق قلبي لحظة يا علي، ولكني لم أكن أستطيع أن أراك.. يوما ما سأقول لك كل شيء ولكن ليس في طريقك وأنت ذاهب للامتحان!! هذه ليست لحظة مناسبة للعتاب.

ولعدة أيام مقبلة كانت البهجة.. تقابله في الصباح وهو ذاهب لأداء الامتحان لتشد من أزره.. وتنتظره حتى يخرج ظافرا مسرورا.. عاش على حافة الحلم تتداخل ملامحها في كل الكلمات التي كتبها في كراسات الإجابة، تتشابك ابتسامتها مع حروف الإنشاء.. وحتى كلمات الحبر الأسود كانت تتوهج من فرط ما بها من ألق خاص.. انفتحت أمامه كل أقواس الجبر المعقدة و"انعدلت كل المعادلات" وجاءت السين مع الصاد في نشوة غامرة ورأي أصابعها تمتد بين نقطتين لتكون خطا مستقيما وترتبت كل عناصر الكون وتداخلت الأحماض مع القلويات وتوازنت كل الأرقام الذرية.. ليكتشف ماركوني أن الصوت صوتها ويفهم نيوتن أن الجاذبية بعض سحرها ويحزن بلانك لأن معدل الخطأ العام جاء حينما ضنت بلمستها الأخيرة.

تنتهي أيام الامتحانات مثل حلم سعيد ويمكث الخوف ثقيلا راسخا، نظرت إلى عينيه كأنما تقرأ ما يدور برأسه وتقول:

- أنت خائف ألا تراني بعد ذلك..

ثم تبتسم وتقول:

- هذه المرة لا تخف، لن أغيب أبدا..

لكنه يصمم أن يذهب معها إلى بيتها.. يريد أن يتأكد من وجودها.. لها بيت وأب وأم.. تتساءل في دهشة: ماذا سأقول لهم عنك؟ يجيب في تصميم: قولي أي شيء.. المهم أن أذهب معك.

كان مصمما ولم يترك لها فرصة للتراجع والاعتذار.. تتوسل إليه أن يؤجل هذا الأمر لكنه كان يدافع عن وجوده ذاته.. يخيفه أن تعود أيام الفقد.. لا يمكن أن يربط حياته بحلم إلى الأبد.. تقول متوسلة:

- سوف يغضب أبي.. ربما تتفهم أمي الأمر، ولكن هذا صعب.

- فلنذهب يا فاطمة، قال في تصميم فقالت وهي تقتبس شجاعة من شجاعته:

- فلنذهب يا علي.

الخطيبان الصغار hb.gif

يسيران معا وقلوبهما تدق في توجس.. وبدأ الشحوب يغزو وجهها والارتباك يدب في خطواتها.. كان حزينا من أجلها لأنه وضعها في هذا الموقف لكنها كانت الطريقة الوحيدة الممكنة لكيلا يعود للدائرة الجهنمية المغلقة، وفجأة تهوي على رأسه يد ثقيلة.. تمسك بياقة قميصه حتى يوشك على الاختناق.. تصرخ فاطمة في صوت مختنق.. إنه مصطفى أخوها الكبير الذي أغضبه رؤية أخته تسير مع شاب غريب.. يدفعه إلى أبيه العجوز الصلب.. يسأله في حدة عن اسمه واسم أبيه.. كانت فاطمة تبكي لكنه استمد من عشقه قوة لا تناسب سنه الصغير وقال لأبيها في شجاعة إنه جاء ليخطبها منه.. تحاصره الدهشة وتخونه الكلمات.. يؤكد أنه لم يرتكب خطأ.. لقد أحب فاطمة وأراد أن يتصرف كرجل فذهب ليخاطب الرجال.. لكنه صغير.. لم يدخل الجامعة بعد!! ولكن قلب في حجم قبضة اليد يتسع لحب في رحابة السماء!! ويبدو الأب عاجزا عن التصرف ويطلب منه أن يلتفت لدروسه ويبتعد عن ابنته مؤقتا لكن الفتى يرفض في شجاعة.. لن يعد بما لا ينوي فعله. يقول في صوت واضح:

- أريد أن أقرأ معك الفاتحة.

ينظر الأب في حيرة إليه وإلى فاطمة التي تضرج وجهها من الخجل.. ثم إلى الأم التي تركت ما في يدها ومسحت يدها المبتلة في ثوبها وقالت بصوت واضح:

- اقرأها معه يا أبا مصطفى.

وأسقط في يد الرجل.. تحولت اللعبة إلى جد ودخلت فيها كلمات الله وبدا هذا الالتزام أكبر مما يتصور.. وهتف الأب في ضيق:

- إنهما طفلان يا أم مصطفى، كيف يحدث هذا؟

- اقرأها معه لعل الله يتمم لهما بالخير -تؤكد الأم- الشاب في الثانوية وهو عاقل كما ترى ربنا يحرسه لشبابه.

وبالفعل يأخذ بيد الفتى الصغيرة في يده الخشنة المعروقة.. يتلو آيات الله وتنبعث الآيات في قلبه.. وأطلقت الأم زغرودة صغيرة فراح يرنو إليها في امتنان.. حسمت برغم ضعفها كل شيء في اللحظة المناسبة. يقول الأب مؤكدا:

- لقد قرأت الفاتحة حتى لا أكسر بخاطرك.. التفت لدروسك وحينما تكون مستعدا أرسل أهلك.

الخروج من الجنة sad.gif

أيام في الجنة.. كانا بحاجة إلى مدينة أكبر وسماء أبعد.. لا يريا أحدا ويخيل إليهما أن أحدا لا يراهما.. أخيرا تحولت فاطمة إلى وجود حقيقي في حياته ولأول مرة يستشعر الأمان.. كانت القلوب الغضة تخفق للمرة الأولى في عالم أثيري خيالي من الحب والبراءة.. قالت إنها ستذهب لمدة أسبوعين لزيارة بلدة أمها في العطلة الصيفية كدأبهم كل عام.. يدهمه خوف غامض فتداعبه في رقة.. لقد صارت له فلماذا كل هذا الخوف؟.. أيام قليلة وتعود.

تمر الأيام ثقيلة لا يكف عن التفكير فيها، تزداد أحزانه وكأن قوة خفية تدفعه إليها.. تعويذة غامضة لا تجعل للحياة مذاقا دونها.. لقد قابل أباها وقرأ معه الفاتحة فلماذا يرتجف قلبه بكل هذا الخوف ويشعر بالرعب المميت؟!

والمدهش أن يتبين أن قلب العاشق على حق.. هذه المرة ذهبت بلا عودة.. مات الأب ورحلوا جميعا إلى حيث لا يدري أحد.. تعيش أنت!!

ضاعت فاطمة.. يجوب الريف باحثا عن فينوكة حمراء براقة، وقطعة سكر نبات، ويتشمم كما المجنون رائحة الصابون المبشور والأيام الخالية.. كانت الطرق طويلة يا فاطمة.. من بيت إلى بيت سأل عنك.. أحيانا يقول إنه قريب وأحيانا يضعفه الحنين فيقول إنه عاشق!! طاف الريف حتى انتفخت قدماه وركب الحمير حتى تسلخت فخذاه.. وذهب إلى مضارب الغجر وفرد كفه أمام غجرية ذات عصبة حمراء.. يتوسل إلى السحابات العابرة والنجوم الزاهرة والعصافير الطليقة.. وفي كل مساء يعود خائبا.

وقتها فقط تظهر سلوى في حياته.

سلوى mf_wink.gif

هادئة وديعة، أنيقة جدا.. تأتي إلى الكلية بسيارة بيضاء.. تقتصر علاقتهما على تحية الصباح العابرة.. بالتدريج تأنس إليه.. كان قلبه مثقلا بالحزن والحنين فتحتشد الأشعار على صفحات كتبه الطبية.. ينزف عشقا ويشم عبير كل الأشجار التي سارا تحتها.. يكتب القصيدة لعلها تحرره من الحزن.. هذه القصيدة التي تقرأها سلوى في مجلة الحائط فتشعر برقة مشاعره وتبدأ في الاهتمام به، وتتعمد الجلوس أمامه وتبتسم له كلما تلاقت نظراتهما، وتطلب منه الاستماع لقصائده وتجيد الاستماع.. عذاباته الصغيرة وغرامه الحزين.. مواكب العصافير وعبير الأشجار.. وفي إحدى رحلات الكلية يكتشفان معا الليل السكندري بالغ الرقة.. تتألق الأضواء على الأسفلت الناعم فتصنع سماء أخرى قريبة المنال.. مدينة صالحة للأحلام.. يهطل المطر في رذاذ خفيف، فوقفا على حافة البحر معا يتأملان الزبد الذي يفور على قمة الموج.. لم تسأله عن شيء ولكنها راحت تتغلغل في حياته في بطء وتصميم.. أهداها باقة صغيرة من القرنفل وأهدته قلما ذهبيا بالغ الأناقة.. وعبثا ما حاول أن يتهرب من قبول الهدية باهظة الثمن والتي لا يستطيع بالتأكيد أن يردها لكنها انكسرت أمامه فلم يملك إلا القبول..

لم تكن تعلم، ولم يكن يعلم أنه بعد أسابيع قليلة سيبيع تلك الهدية العاطفية بلا تردد عندما تظهر فاطمة فجأة مرة أخرى وقد بلغ بها الفقر حد التهديد بالطرد من المدينة الجامعية بعد توقفها لشهور عديدة عن دفع الإقامة.


وتاني راجعين للحيرة تاني sad.gif ""

تتشكل أمامه من جديد.. شعرها القصير استطال قليلا وازدادت عيناها عمقا واتساعا.. أين كنت يا فاطمة؟ يا عذابي القديم..

هادئة كدأبها وكأنها لم تفارقه لحظة واحدة، يريد أن يعرف كل شيء ويفعل كل شيء، تهمس له بمعاناة السنين السابقة.. مات الأب فبدأ الشتات.. وانفتحت أمامهم دروب الرحيل بلا نهاية.. وضاقت بهم بيوت الأهل وقلوب الأصدقاء.. عملوا في مواسم الحصاد ومحالج القطن والمصانع الصغيرة.. لكنها رفضت أن تظل هكذا وبإرادة حديدية عادت إلى الدراسة.. ما أطول الطريق يا علي.. ما أطول الطريق!!

وتصنع الهدية الذهبية المعجزة.. أهميتها الوحيدة عندي يا فاطمة أنها ستفعل لك شيئا.. يهتف في حدة: أنت زوجتي، قرأت الفاتحة مع أبيك وأنت مسئولة مني، تتأبط ذراعه في ثقة.. يشعر بكل أمان العالم وفجأة يكتشف أن ذراعه خاوية.. وينظر حوله في دهشة فلا يجدها.. رحلت بغير وداع.

كالعادة رحلت بغير وداع !!

انكسار الروح sad.gif sad.gif

صرخت دون فائدة.. كلهم جاءوا.. ارتدوا أقنعة وخلعوا أقنعة.. يقولون له: أنت توشك أن تقتل نفسك، فيهمس في خجل: أحس بالضياع.. قالت له سلوى:

- تعال معي.. أنا هنا لأساعدك!!

وللمرة الأولى يركب معها سيارتها البيضاء.. تهمس له: لم أكن أعلم أن حالتك بهذه الصعوبة!! تلاحقه صرخات الألم ويدخل قلبه يقين مؤكد أن فاطمة ذهبت هذه المرة إلى الأبد.. يدخل ببطء عالم سلوى الغريب الناعم.. يتحسس مواطن قوة شخصيتها.. يعيش معها لحظات حقيقية.. تنمو علاقاتهما ببطء وبدون تردد.. بلا أدنى نوع من الاستعجال.. كمن يخرج من غيبوبة طويلة.

من المؤكد أن سلوى تحبك.. كلمة صار يسمعها من الزملاء والأصدقاء.. حازمة قوية قادرة على منح الحنان وتبدأ بالمبادرة.. تقوده إلى عالمها، إلى حيها الراقي وبيتها الأبيض.. يمكنك أن تطلبني من أبي.. سيتفهم ذلك.

ولكن يا سلوى ما زال طريقي طويلا.. أنا مجرد طبيب مبتدئ.. تتحدث عن الحب ويتحدث هو عن الزواج.. ما أشد صبرها!! ما أشد ما احتملت خوفه وتردده.. سوف تأتي الليلة لمقابلة أبي!! لقد سأل عنك ويريد أن يراك.

يدخل البيت الأنيق في رهبة.. لكن سلوى تبتسم له في اطمئنان.. من المؤكد أن لكل شيء اسما فما اسم ما يشعر به الآن؟ كانت أيضا تتأمله والأب يشد على قبضته بقوة ويقول:

- سلوى حدثتني عنك كثيرا.. كان يجب أن نتقابل قبل هذا.

كان طعم القهوة مرا.. لم يكن هناك سكر نبات هذه المرة.. وفاحت رائحة العطور لكنها لم تمحو رائحة الصابون المبشور.. والمؤكد أن سلوى لم تكن ترتدي فينوكة حمراء.

آه لو برزت فاطمة فجأة !! الكون مظلم بغير شعاع.. والمؤكد أن الأغاني ضلت طريقها فزاد أسى القلب.. معذرة يا سلوى.. هكذا قال وهو ينصرف من بيتها إلى الأبد دون اعتذار.. أحلم بعبير أشجار ورائحة صابون ولحظة براءة أولى وخفقان قلب يستحيل أن يتكرر.





زهره حبيسه 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif


اليكم قصة من قصص سيادته 08.gif

-------------------------------------------------

عشاء برفقة عائشة
11mmer3.gif
تقافزت سيارة الأجرة بين الحفر. دمدم السائق غاضبا: «ياست. لاأعتقد أنه يمكن أن يكون وسط هذه الحارات مطعم محترم على الإطلاق..» ردت عليه عائشة في صوت حازم: «امض للأمام واستدر يسارا» ثم التفتت إليّ وهي تقول: «لا أحب سائقي الأجرة عندما يتدخلون» هذا هو موعدنا الأول. وكنت قد تركت لها حرية اختيار المكان فاختارت هذا المطعم. لم أسمع به ولاسائق التاكسي. لكنها المرة الأولى التي أجلس معها بتلك الدرجة من القرب. خصلات شعرها تلامس وجهي أحيانا وأشم رائحة عطرها دائما. يرتاح جسدها الدافىء للحظة وجيزة مستندا إلي وهي تتطلع من نافذتي للتأكد من المكان. تتداخل الحارات وتضيق المسالك وتتقارب الجدران وتتعرى من الطلاء وتتصاعد روائح الطعام والعطن، دون أن أجرؤ على سؤالها إن كانت متأكدة من وجود هذا المطعم. كنت مشغولا بما سيحدث فيما بعد. هل نذهب عندي إلى غرفتي الضيقة، أم عندها، في مسكنها الذي لا أعرف عنه شيئا.

دخل السائق إلى حارة أكثر ضيقا. فلم نعد نرى السماء. لم يعد غير أطفال مذعورين يمرقون من أمام السيارة يخرجون من أبواب لانراها ليدخلوا أبوابا أخرى لانراها. هتفت أخيرا.. «توقف هنا.. وصلنا..».

توقف السائق بسرعة قبل أن تغير رأيها. وأسرعت أنا بالنزول وأعطيته ضعف الأجرة حتى يكف عن تذمره ووقفت هي حابسة أنفاسها، مثل طفلة تترقب، أزاحت الورق المفضض عن هدية عيد ميلادها.

إذا كان هناك مطعم بالفعل فمن الصعب التعرف عليه. لا لافتة ولاعلامة تدل على ذلك. مجرد صف من البيوت القديمة. استبدل جدار منها بواجهة زجاجية معتمة. مغبرة ومطموسة. لاتستجيب للضوء ولاينعكس عليها صورة أو ظل أو خيال. ليس فيها إلا ذلك الاستواء المحايد الممتد وسط الثقوب والشروخ المتعرجة التي تملأ جدران البيوت الآيلة للسقوط من حولها. ولكن هناك بابا صغيرا. بجانبه أصيص من نبات داكن الخضرة. حين لمسته اكتشفت أنه غير حقيقي. معدن بارد. الباب نفسه يتسع بالكاد لدخول شخص واحد في المرة الواحدة. فكرت أنها ربما قد حضرت إلى المطعم منذ زمن بعيد قبل أن يصيبه البلى والشحوب. وربما تحاول الآن في لقائنا الأول أن تستعيد ذكرى أولية شاحبة.

تقدمت وفتحت الباب وهي تصيح في جذل: «هيا». أسرعت بالدخول خلفها. رن جرس لعله كان معلقا خلف الباب. فوجئت بنفسي في لحظة وجيزة داخل المطعم. ظللت واقفا حتى أتبين تفاصيله من خلال العتمة التي تحيط بالمكان والأصداء لاتزال تصلصل. كنت أتوقع شيئا مختلفا ومفاجئا. ولكن وجدت بالفعل مطعما. واسعا ومعتما مليئا بالمناضد المتراصة. عليها مفارش بيضاء ناصعة لحد التوهج. بعضها خال. وبعضها يشغله زبائن. اثنان على كل منضدة وبينهما شمعة مضاءة وكل شيء مغلف بضباب رائق شفيف كأننا نقف على حافة حلم ما.

لم أكن أرتدي الثياب المناسبة. كان كل رواد المطعم يرتدون ثيابا رسمية وعائشة أيضا ترتدي ثوبا صيفيا خفيفا موشى بالأزهار يكشف عن عنقها وذراعيها. لايتناسب إلا مع مطعم للوجبات السريعة، ولكنها بدت كزهرة متألقة وسط كل هذه الألوان الباهتة.

لم أفطن للرجل الطويل الأصلع بحلته الرسمية السوداء إلا عندما أصبح بجانبي تماما. تأملنا بوجه جامد الملامح وهو يقول:

مائدة لاثنين ياسيدي..

صوته غريب كأن بداخله فراغا يرتج فيه الصوت فيخرج مصحوبا بصدى خافت. لم أجب، ولم تكن هناك ضرورة للجواب. سار أمامنا بخطوات متصلبة دون أن يصدر صوتا عن وقع قدميه. رفع بعض الزبائن رءوسهم ورمقونا بنظرات خاطفة ثم عادوا للمضغ والتهامس. أشار الرجل إلى منضدة بجانب الحائط. هزت عائشة رأسها وهي مبتسمة وأشارت إلى منضدة أخرى بجانب الواجهة الزجاجية التي تفصل المطعم عن الشارع. بعيدا عن الزبائن. كانت راغبة في حديث طويل لايستمع إلينا فيه أحد. تردد الرجل لبرهة كأنه يقيس كل الاحتمالات ثم سار حتى توقف أمامها. ابتسمت عائشة في انشراح وهي تأخذ مقعدها:

أرأيت...

حتى الآن لم يكن هذا ماتخيلته عن لقائنا الأول. كنت أريد أن أبدو مهذبا وأحصل على رضاها الكامل. ابتسمت ولكن السؤال أفلت بالرغم مني:

هل أتيت إلى هنا كثيرا قبل الآن؟

رفع الجميع رءوسهم من على المناضد مرة أخرى. رمقونا بنظرة عاتبة. هتفت عائشة في همس:

اخفض صوتك. هذا المطعم مثل المكتبة يجب عدم التحدث فيه بصوت عال..

هكذا أكثر حميمية.. هذه هي الفكرة.

لم تفطن لسؤالي. أم لعلها تجاهلته. تأملتها عبر المنضدة. بيننا شمعة مطفأة ووردة حمراء وحيدة. لمستها فسرت في بدني رعدة مفاجئة مثل تيار كهربي. هتفت:

ماهذا.. وردة من المعدن؟!

قالت عائشة: هذه مجرد بداية. كل شيء هنا مثير ومختلف.

راقبت مايحدث في الجانب الآخر من خلال الزجاج. وجوه العابرين تبدو شديدة القرب. امرأة عجوز تحدق في مباشرة. وجهها مليء بالأسى والخوف. ألتفت إلى عائشة أستنجد بها:

لماذا تحدق فيّ هذه المرأة بتلك الصورة؟!

قالت بهدوء: هي بالتأكيد لاتراك. هذا الزجاج لايكشف عما في الداخل.

جاء نادل آخر ووقف بجانبي دون أن أسمع صوت قدميه. لم يبتسم. أخرج قداحة من جيبه وأشعل الشمعة. كان هذا أفضل ماحدث حتى الآن. انعكس ضوء اللهب على وجه عائشة فانبعث من عينيها تألق طافح بالفرح. قلت:

أو تعرفين ياعائشة.. ضوء الشموع يزيد من جمالك.

ابتسمت وهي تقول: أوتعرف.. إنها كلمات جميلة. لكنها عادية. انتظر قليلا ربما قلت شيئا مميزا.

وقف نادل أخر بجواري. لم أدر إن كان قد استمع لكلماتها الساخرة أم لا. وجه جامد. كدأبهم جميعا ليس جمود التأدب والترفع عن التبسط مع الزبائن. ولكنه جمود حقيقي. ملامح يابسة وساكنة على تعبير واحد. وضع قائمتي طعام أمامنا وانصرف دون صوت. فتحت القائمة. حاولت فك طلاسم الحروف والأرقام، عبثا حاولت أن أعرف شيئا عن أصناف الطعام أو أسعارها. همست عائشة:

لاتحاول. لن تستطيع قراءتها. الأفضل أن نترك لهم أمرنا. يقدمون لنا شرابهم وأطباقهم الرئيسية. هذا أسهل لنا ولهم. دع القائمة جانبا.

وضعت القائمة وحاولت أن أنظر إلى عينيها مباشرة لعلي أقتنص نظرة حقيقية. لم تكن تجلس ساكنة. أدارت وجهها. جاء نادل أخر يمسك بالقلم ونوتة الطلبات. ناولته عائشة قائمتي الطعام وهي تقول:

احضر لنا شراب اليوم. وطبق اليوم. اثنين من كل صنف.ثم استدارت نحوي ونظرت هي إلى عيني مباشرة وهمست:

والآن ماذا؟.. هل نويت التخلي عن غموضك وتخبرني من أنت؟

قلت مدهوشا: أنا الغامض أم أنت.. أنا حقا لاأعرف عنك أي شيء.

ردت ببساطة:

جميع من في المؤسسة التي نعمل بها يعرفون عني كل شيء. إنني تزوجت وطلقت مرتين. قصة عادية ومألوفة وسخيفة أيضا. تجدها في زوايا القراء في أي صحيفة. الأسباب تختلف أحيانا. يمكن أن أكون أنا امرأة فاسقة. ويمكن أن يكون هو زوجا شرسا. ولكن لاجديد دائما في أمثال هذه القصص.. ماذا عنك أنت؟

كانت تنظر مباشرة إلى عيني. إلى داخلي. لم أتوقع نظرة بهذه الحدة. أدرت وجهي فرأيت رجلا آخر يحدق فيّ من خلف الزجاج. برغم أن الظلام قد هبط في الخارج فإن ملامحه كانت جلية. حانقة وغاضبة. كأنه يدعوني للانصراف. أدرت وجهي وبدأت رعدة خفية تسري في جسدي. اكتشفت أن أمامي كوبا زجاجيا به مشروب متداخل الألوان وعلى حافته شريحة من البرتقال مركبة بعناية. أمامها كوب آخر. وهي مازالت بنفس جلستها المتحفزة. مقوسة الكتفين قليلا للأمام، مرفقاها على المنضدة وفتحة ثوبها تظهر قمتي ثدييها بوضوح. تولدت داخلي رغبة عابرة سرعان ما انطفأت أمام عينيها المتحفزتين. تناولت من الكوب رشفة سريعة وحاولت القول:

أنا أكثر منك وضوحا. لايوجد في حياتي تفاصيل. لم أتزوج. لم أطلق. ليست لي تجربة مثيرة ولاحكاية..

توقفت. شعرت بطعم الشراب وهو ينزلق إلى معدتي. مزيج من عصير الفاكهة. والتوابل. والكحول. كلا. هناك طعم آخر. أشبه بالزيت. أمسكت نفسي حتى لاأتقيأ. ونظرت إليها. ردت عليّ بصوت خافت. حاد:

هذه هي المشكلة. لاتفاصيل. هل يمكن أن تكون هناك حياة بلا تفاصيل؟ يعني هذا أن لديك سرا تحاول إخفاءه. أو ربما شيء تخجل منه. ما الذي يجعـلك مثلا تجلس في أصغر غرفة في المؤسسة.

أحسست أني متهم. بحثت في ذاكرتي عبثا عن أي تفاصيل ولو كانت تافهة:

أنا مجرد محاسب. عملي لايحتاج إلا إلى حيز ضيق. ليس عندي إلا بضعة دفاتر مليئة بالأرقام والجداول. لاجديد. قبلها كان هناك محاسب آخر يجلس على نفس المكتب ويعمل في نفس الدفاتر. عندما مات أخذت مكانه. ولكن أراه كل صباح عندما أتأخر قليلا. يجلس على المكتب ويقلب الدفاتر ربما ليتأكد من جودة عملي. وما إن يراني حتى يتبدد. يذوب. يترك المكان دون ضجة أو اعتراض كل مافي الأمر أن المقعد حين أجلس عليه يكون باردا قليلا.

لم أعد أستطيع التوقف عن مواصلة تناول المشروب برغم مافيه. أحاول التغلب على طعم الزيت في معدتي بقول أي شيء. والنُدْل حولنا لايكفون عن الحركة. وكبيرهم الأصلع يومىء فقط برأسه ليوجههم. لم ينهض أحد من الزبائن. ولم يدخل أحد. لم أسمع صوت الجرس طوال هذه المدة. بدا واضحا أن كلماتي الأخيرة لم تستأثر باهتمامها لأنها عادت تلح في السؤال:

قبل أن تتوظف.. ألم تكن على قيد الحياة؟

طبعا.. ولكن.. ليس في مكان محدد. أديت الخدمة العسكرية مثلا.. عاصرت حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.

بدا الحماس يدب في صوتها قليلا:

هل شاركت في القتال-

كنت محاسبا.

هتفت في خيبة أمل: في الجيش أيضا؟!

لماذا يبدو هذا غريبا. حتى الجيش في حاجة إلى محاسبين. كنت محاسبا في مخازن العتاد. أحسب عدد القذائف والألغام وطلقات الرصاص والصواريخ والطوربيدات التي تطلق في كل معركة أو مناورة أو تدريب. كنت أعرف باشتداد القتال عندما تزداد الطلبات عندي. كنت أعرف حسابات كل معركة بمنتهى الدقة.

قالت: بما في ذلك عدد القتلى-

كنت قد بدأت في التضايق من طريقتها في توجيه الأسئلة:ـ كيف لي أن أعرف عدد القتلى. كل مرة كان يأتيني جنود مختلفون. في كل مرة أتأمل وجوههم على أمل أن أتعرف أحدا يعود إليّ من جديد ليخبرني عن سير المعارك ولكن أحدا منهم لم يعد مرة أخرى. وفي النهاية كنت أدرك أن الطلقات هي دائما أهم من الجنود.. بالنسبة لي على الأقل.

شعرت بالسخونة تصعد من معدتي إلى رأسي. طفلة صغيرة تحدق في من خلف الزجاج. فاغرة الفم. مدهوشة من شيء ما. التفت إلى عائشة. الشمعة التي بيننا متوهجة ولكنها لم تنقص. طرفها المدبب مازال كما هو. والخيط الناشب فيه النار لم يحترق. وهي تتأملني. مستمتعة بمظاهر الحيرة التي تبدو على وجهي.. ترى لماذا دعتني إلى هذا المكان-

فوجئت بالنُدْل وهم يقفون بجانب منضدتنا. بلاصوت لأقدامهم ولاحس لأنفاسهم. بعضهم يحمل الأطباق وآخر يقوم برصها على المنضدة أمامنا. أطباق ذات أشكال هندسية. مثلثة ومربعة ودائرية ومكعبة. كلها من معدن فضي مائل للزرقة. وضعها النادل بحيث لم تترك فراغا فيما بينها. كون منها جميعا مربعا واحدا متساوي الأضلاع. فعل ذلك بدربة ومهارة. ثم انصرف هو والباقون دون صوت. لم أعد استطيع كتمان دهشتي. هتفت:

هذه الأطباق الغريبة. والشمعة التي لاتحترق. والزهرة المعدنية الباردة والندل الذين لاصوت لأقدامهم أو أنفاسهم.

قالت: بدأت تنتبه أخيرا.. كنت أسأل نفسي متى ستفطن إلى ذلك؟

أحسست بالبلاهة. أشارت إلى الطعام الموجود في الأطباق وهي تضيف:

هل رأيت طعاما مثل هذا.. مقطعا ومعدا بتلك الدقة. طبق السلاطة. استدارة قطع الخيار. كل واحدة تشبه الأخرى تماما. الاستدارة والسمك وطول القطر. حتى عدد حبات البذر الموجودة في كل واحدة منها.. وشرائح الطماطم.. ليس في الحجم والاستدارة فقط ولكنها متشابهة حتى في التعرجات الموجودة في كل شريحة.

قطع الخس والكرافس. لها نفس الشكل. نفس التجعيدات. وحتى عيدان البقدونس والشبت. نفس الشيء في بقية الأصناف. الخبز المحمص والزبد والمخفوقة. كلها نفس الشكل والتواءات الأطراف. تأمل مكعبات البطاطس. وحبات البازلاء. وقطع الجزر المقطعة على هيئة حلزون.. كلها متساوية تماما.. لاتزيد مللي ولاتنقص ذرة. تأمل الخطوط التي تتركها آثار شواء اللحم. متوازية. محددة. قطع الاستيك لها نفس الحجم والمقدار والسمك وحتى قطرات الدهن الموجودة عليها. حتى ذرات الملح والفلفل كلها تترك نفس العلامات. لايوجد هنا شيء تقريبي أو محتمل. كل شيء محسوب بدقة متناهية. ليس في الشكل فقط ولكن الطعم أيضا. الحلو مع المر. الحمضي مع القلوي. الساخن مع البارد. هل لاحظت طعم الشراب؟

كان حماسا غامرا. والسخونة تنتشر من معدتي إلى بقية بدني. كانت تبتعد وصوتها يتناهى إلى وسط صدى الفراغ قلت:

كان مليئا بالزيت.

هتفت: أرأيت.. لم يكن ينقصه عنصر واحد حتى الزيت.

تكاثر الأطفال خلف الزجاج. حدقوا فيّ بعيونهم المستديرة اللامعة. رأيت في اتساع حدقاتهم انعكاسات لهب الشمعة التي لاتحترق. قلت في حدة:

ماهذا المطعم الغريب. لماذ أصررت على المجيء بنا إلى هنا؟

ضحكت بصوت رائق:

من قال إنه غريب. هذا مطعم المستقبل. هؤلاء الندل الذين لايكفون عن الحركة حولنا ليسوا آدميين. إنهم «روبوت». أناس آليون. انظر إلى مدى دقة أشكالهم والحركة التي يسيرون بها. لايصدرون صوتا ولايتصادمون ولايرتكبون أخطاء في حق الزبائن. لاشيء عفويا وكل شيء غاية في الدقة.

ضحكت مدهوشا ومفزوعا:

مطعم يديره آليون.. هنا.. وسط هذا الحي التعس.. أنت تمزحين.

قالت: ولماذا أمزح.. راقب كل شيء بنفسك.

تحركت على مقعدي في قلق. اختفى الأطفال وساد ظلام كامل في الخارج. وظل الندل يواصلون حركتهم الدائبة دون صوت. يحملون أطباقهم الغريبة. موتى وقد نهضوا من قبورهم في نزهة مضنية. لاأحد يتحرك من الزبائن. لا أحد يجرؤ على رفع صوته فوق مستوى الهمس. قلت بصوت مختنق:

هل نستطيع الانصراف؟

قالت ببعض من الحدة:

ماذا بك. إنهم غير مؤذين. أليست هذه تجربة جديدة بالنسبة لك. ثم ماذا يختلف الأمر بالنسبة إليك. طوال عمرك ولم تحتك بشيء حي. أرقام وجداول وقذائف ماالفارق هنا؟

لا أدري. ولكن داخلي كله كان يرتجف رعبا. حاولت النهوض ولكنها رمقتني بنظرة قاسية فظللت جالسا في مكاني. قالت:

هل دخلت السجن قبل الآن.. هل وقعت في الأسر؟

لا أدري كيف عرفت ذلك. لم أكن قد ذكرت ذلك لأحد. قلت بنفس الصوت المختنق:

قبض عليّ مرة بطريق الخطأ. اعتقدوا أنني أقود إحدى المظاهرات ووضعوني في زنزانة صغيرة مملوءة بالماء لمدة ثلاثة أيام. كان خطأ غير مقصود ولم أحسن الدفاع عن نفسي ولكنهم سرعان ما أفرجوا عني

أشارت إلى الطعام وهي تقول:

تناول طعامك إذن وحاول أن تهدأ.

لا أستطيع.. الأفضل أن نذهب.

عادت نبرة السخرية إلى صوتها:

كونك لم تأكل لايعني أنك لن تدفع الحساب.

سأدفع بالطبع

أشارت بيدها نحو أحدهم. موعدنا الأول قد تخرب تماما ولم أعد استطيع إنقاذ شيء. ربما كان سبب ذلك الشراب. أو المباغتة أو كلماتها القاسية التي لم تكف عن السخرية مني. جاء كبير الندل جامد الوجه متعاليا.. وضع أمامنا رقيقة معدنية. تأملت مافيها من ثقوب وأرقام بارزة. عجزت عن قراءتها. تناولتها عائشة وذكرت الرقم في حدة. لم يكن سعرا مبالغا فيه. كان في حدود الإمكانات التي خططت لها. أدخلت يدي في جيب بنطالي الخلفي حيث توجد حافظة نقودي. لم تكن هناك. فتشت بقية الجيوب. ثم انتقلت إلى جيوب المعطف. فعلت ذلك أولا ببطء وهدوء ثم بسرعة وعصبية. أعدت التفتيش مرة وأخرى. جاء بقية الندل ووقفوا خلف النادل الأصلع. توقف كل من في المطعم عن المضغ والهمس. قلت لها:

لقد فقدت نقودي..

قالت بصوت خافت: يبدو ذلك واضحا.. من المؤسف أنني أيضا لا أحمل نقودا.

قال كبير الندل بصوت معدني أجوف:

هلا أتيت معنا ياسيدي-

قلت بصوت مرتعد:

لابد أن هناك حلا. يمكنكم أخذ أي شيء على سبيل الضمان.. أو استدعاء الشرطة للتصرف.

قالت عائشة:

أستطيع الذهاب وإحضار النقود.. أليس هذا حلا مناسبا-

توجهت بتساؤلها إلى كبير الندل الذي أحنى رأسه وهو يقول:

يبدو حلا مناسبا ياسيدتي.

تأملتها وهي تتناول حقيبتها من فوق المنضدة، لم تتكلم ولم تنظر إليّ. خرجت من خلف المنضدة أوسع لها أحد الندل ممرا حتى تخرج من الدائرة التي تحيط بي. سمعت صوت جرس الباب يصلصل للمرة الأولى منذ أن دخلنا. لم أر خلف الزجاج سوى الظلام. جلست إلى المنضدة خائرا. قال كبير الندل «لاتستطيع أن تجلس للمنضدة ياسيدي» أمسكت بأطرافها متوقعا أن يحاولوا انتزاعي.. قلت «سأبقى حتى تعود..» لم يتخل صوته المعدني البارد عن حياده. قال «لايمكنك أن تشغل المنضدة ياسيدي لمجرد الانتظار. هناك زبائن آخرون سوف يجيئون».

لم يكن وجهه غاضبا ولامتعاطفا. أشار بيده إلى مكان ما في نهاية المطعم. حدق في الجميع الندل والزبائن بنظرات معدنية بليدة. نهضت. سرت وساروا حولي. صوت خطواتي هو الوحيد الذي يسمع في المطعم. فتح أحد الندل بابا معدنيا صغيرا في نهاية القاعة. خفض الزبائن رءوسهم في تواطؤ وعبرت أنا الباب.

وجدت نفسي في المطبخ. أمامي صفوف من المواقد والأواني والمناضد والأرفف المعدنية. حركة دائبة لعشرات الأشخاص الذين يقومون بالطهو والتقطيع والتنظيف. بلاصوت ولا روائح ولا أدخنة. طباخون بملابس بيضاء وأغطية رأس طويلة يتحركون في دأب. لم يهتم أحد بوجودنا. أشار كبير الندل إلى أحد الأركان «سوف تنتظر هنا».

لم يكن هناك مقعد أو مكان للاستراحة. مجرد جدار أملس بجواره نافذة صغيرة يجيء منها ضوء مظلم. وقفت بجانبها وظهري للحائط. انصرف الندل وواصل الطهاة عملهم دون مبالاة بوجودي. الباب يفتح أحيانا لينفذ أحد الندل. يحمل الأطباق المعدة ثم ينصرف سريعا. كانت كل تلك الحركة دون صوت باعثة على الوحشة. لم أتحرك من مكاني ولم أعد قادرا على مواصلة النظر إليهم. أدرت رأسي فقط لأنظر من النافذة. فراغ ممتد وعميق ومظلم وشاسع. لاظل لبيوت. لابريق لضوء. لا حد لأفق. لا مجرى للنجوم. لاصوت لهبوب الريح. لاتمتمات لذرات الرمل. ولا براح للسماء. شعرت بحزن دافق. هذا الفراغ الموحش يأخذ مكانا في الروح رغما عنها. استدرت نحوهم. ضوء صاف يغمر المكان. ليس له مصدر محدد. لهب أزرق في المواقد لايتراقص. حركة دائبة لرص الأطباق والأواني دون تصادم أو تداخل. لايتحركون تلك الحركات المتقطعة الحادة التي تصدر عادة عن الآلات. ولكن حركات انسيابية. محسوبة. متوافقة مع الفراغ الذي يحيط بهم. يعملون بلا تداخل وبلاتفاعل أيضا. لا أحد يتبادل الحديث مع أحد، أو يرفع رأسه عن العمل الذي يستغرقه ولو لبرهة. مثيرون للملل وللرهبة أيضا. بلانقاط ضعف. ولا أخطاء. بلا حاجة الى الحب أو خضوع لرغبة أو حافظة نقود يمكن أن تختفي في أي وقت.. هل ستعود عائشة حقا- استدرت للنافذة. تركت المزيد من الفراغ المظلم يجد طريقه إلى روحي. ربما لن تعود. كانت تريد أن تنجو بنفسها فقط. ذرات الظلام تتشكل أمامي. أرقام وجداول وقذائف وقضبان. ألم شديد يتصاعد من قدمي إلى بقية جسدي. لكن لا أرفعهما. لا أستند إلى الجدار. أغمض عيني. أشم رائحة البارود والغبار والعفونة. كم مر من الوقت- لا وقت.. لاشيء يتغير. اختفى الألم من ساقي. خدر ناعم يتسلل من خلية الى أخرى. لا أحركهما. أتركهما لتتحولا إلى قائمتين تحملان جسدي. ذهني يواصل انتقاله. يقظة. نوم. زمن مضى. زمن لايأتي. أحس بالجوع. نادل يقف أمامي. لا يتحدث إليّ. يضع في يدي كوبا من الشراب. لم أسأله عن عائشة. تركني ومضي فأخذت أشرب. فواكه وزيت. الزيت أكثر كثافة ولكن معدتي تتشربه في ارتياح. لعل هذا هو بالضبط ماكنت أريده. نادل آخر يأتي ويأخذ الكوب الفارغ في يدي. الظلام القادم من النافذة يتماوج كالزيت. ذراته تتداخل في الصورالتي أذكرها. تزيح ألوانها. تحولها إلى صور بيضاء سوداء. ثم ينزاح البياض. تصبح سوداء مريحة. ذكريات كانت من الضآلة بحيث لم تقاوم كثيرا. الظلمة الصافية تملؤني بلا ألم ولاندم. أرخي عضلاتي وأفتح فمي. أترك ذراتها تسكن مسامي وتنفذ من خلال بلعومي. كوب آخر من الزيت.. ثم كوب آخر.. جسدي يزداد ثقلا.. يصبح أكثر ثباتا فوق الأرض.يسحبونني من يدي. أسير معهم طائعا. ثيابي تنزع. ملابس أخرى بيضاء. صفوف الأطباق عالية. كل صف له شكل هندسي مختلف. ملوثة. أطعمة. سجائر. بصاق. أغسل وأغسل. بطيئا. تقع الأطباق. أصدر أصواتا. الوحيد الذي يصدر أصواتا. لا أحد يلتفت إليّ. لكني أصبح أسرع. الأطباق لاتقع. لاأصدر صوتا. أقطع الخضراوات. سكين لامعة تحول كل تلك الأشكال المهوشة إلى أشكال هندسية. مكعبات. مثلثات. مسدسات. تناسق. البطاطس والجزر والخيار تتناسق أخيرا. لاعفوية رديئة.

تنزع ثيابي. ثياب أخرى سوداء. رابطة عنق مثلثة. أترك المطبخ وأعبر الباب الصغير إلى قاعة الطعام. أدور وسط المناضد. زبائن. كائنات ملوثة. تمضغ وتهمس وتتجشأ. أصوات مزعجة. أنا أدور بلاصوت. لاصوت للنجوم في المجرات. ولا للكواكب. لاصوت للضوء. كل الأشياء النقية لاصوت لها.

ذات لحظة. ذات زمن ما. أراها أمامي. لاأذكر اسمها. تجلس في نفس المنضدة. نفس الثوب. رجل آخر يجلس في مقابلها. ينصت لحديثها باهتمام. يفكر فيما سيحدث بعد انتهاء العشاء. أمد يدي بالقداحة وأشعل الشمعة التي لاتحترق. أراقبهما قليلا. أضع الأطباق المثلثة والمربعة والمستطيلة. أكون أمامهما بدربة. تتحدث في حماس تشير إلى أشكال الخضراوات المقطعة. لاتنظر إليّ. أنسحب إلى الركن. أقف بحيث أستطيع أن أرى عينيها وهما تتألقان في ضوء الشمعة.




د. محمد المنسي قنديل bigstar.gif

عن مجلة العربي biggrin.gif

زهره حبيسه 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif



لحظة تاريخ: 11ap.gif

النبوءة 11mmer3.gif

د.محمد المنسي قنديل 11rob.gif

كانوا ثلاثة، قادمين من بلدة الحميمة بالشام، ومتجهين جنوبا إلى مكة للالتحاق بموسم الحج، ثلاثة من أشراف العرب، يبدو ذلك واضحا في هيئتهم وتصرفاتهم و وبالخدم الذين يسعون خلفهم وهم يسوقون الأبل التي تحمل متاعهم، كانت الصحراء تمتد مثل متاهة بلاحد، الرمل تحت الشمس الغاربة رمادي شاحب، تقدم أولهم، أبو جعفر ، كان في بداية الأربعين من العمر، عريض الصدر، كث اللحية، عينيه نافذتين كحدقتي صقر ، أشار إلى قرية صغيرة ، كل بيوتها بلون الطباشير الباهت، نفس لون الحبل الذي يحتضنها ، ، وقال إلى أقرب الرجلين إليه:

ـ سنقضي ليلتنا في هذا المكان ياعماه

قال الأخر الذي لم يكن يكبره في السن إلا بسنوات قليلة:

ـ الرأي لك يابن أخي

وتقدم الثالث بجواده وهو يقول : سأنتظر علي هذا التل حتى تغرب الشمس فأصلي وألحق بكما.

قال جعفر : من عجب أن تحافظ على وضوءك كل هذا الوقت يابن عبد الله

لم يتبين الثالث نبرة السخرية في صوته ، واكتفي بتمتمة الحمد الله، وتركه الرجلان وانحدارا من على قمة التل، وبقي هو مشرئبا يرقب قرص الشمس بحمرته الذائبة ، قال جعفر لعمه لعم:

ـ محمد بن عبد الله هذا سيشف جسده من كثرة التعبد وسيتحول إلى روح هائمة في هذه الصحراء

قال عبد الله بن علي:

ـ يا ابا جعفر يابن أخي ، هؤلاء الطالبيون لا يطلبون شيئا في دنيانا ، لو كان زمن الشهادة قائما لقدموا رقابهم راضيين إلى بني أمية

وفكر جعفر في نفسه، ولكن زمن بني أمية قد انقضى ، والناس الآن يلبسون السواد، ويرفعون أعلاما عليها خرقا سوداء، جاء بنو العباس بوعد غامض من الرسول وسيوف مجلوة لا يخطئها أحد ، صعدوا إلى دست الحكم تؤازرهم قوة الموالي والعجم، ودانت لهم دنيا واسعة ، تمتد من حدود الهند أقصى بلاد المغرب ، لم تستعص عليهم غلا بقعة وراء البحر هي الأندلس، أمتلكوا الأرض بعد ان كانوا مطاردين فيها ، لا يجدون جحرا يختبئون فيه من سيوف بني أمية.

كان هذا زمن الفتنة ، أئمة المخلوعين وخلفاء هاربين ، وقادة تركوا الفتوح وانهمكوا في احصاء الغنائم ، ودولة ابني أمية التي أتسعت أطرافها أخذ قلبها ينبض في وهن، كل ثائر فتح جرحا، وكل حاكم أبدى تخاذلا، وعندما أنطلقت سيوف أبي مسلم من خراسان تحمل دعوة بني العباس وبيارقهم السوداء لاحت نذر النهاية ، شاخت دولة بني أمية وأنقضت ، وسبحان من له الدوام.

العرافة

نصبوا خيامهم في ساحة القرية وأوقدوا نارهم ، وبدأ الخدم في إعداد الطعام، ولكن أحد لم يقترب من حتى هبط محمد بن عبد الله من فوق التل بعد أن إنتهى من كل الصلوات، أكلوا وتسامروا وأخذت نسائم الليل تهب عليهم باردة، ولكن أنقطع حديثهم عندما أقبلت عليهم إمراة ، غجرية من الشام ، مكشوفة الوجه ، مهوشة الشعر ثيابها صاخبة الألوان ، تقدمت حتى وقفت أمامهم، وانعكس ووهج النار على وجهها المليء بالغضون، سلط عليها جعفر عينية النافذتين ولكن لم يبدو عليها أنها تأثرت او خافت، قالت:

ـ يالكم من ثلاثة قلما تجتمعون في مكان واحد، ولا جامع بعد الآن.

غاصت احاديثم ولم يقطع الصمت إلا صوت الحطب الذي يطقطق والشرر الذي ينطلق منه ، وتطلهوا إلى وجهها الجامد في قلق، وكان ابو جعفر هو اول من تمالك نفسه وقال لها : من أنت

قالت في صوت خافت ولكنه واضح ومؤكد:

ـ إمراة بصارة ، تقرأ الغيب وتعرف المخبوء في بطن القدر

ضحك محمد بن عبدالله في عصبية : اشياء لا يعلمها إلا الله

قالت المراة بصوت يحف به صدى الصحراء:

ـ ولكن سماته في خلقه لا تخطئ ، هاأنا أراكم أمامي ، خليفة، وخارج عليه ، وعاص له .

قال أبو جعفر: امرأة مجنونة ، نحن فقط ثلاثة من الاصدقاء خرجنا معا للحج

نهضت المرأة وهي تقول : لست مجنونة ، وإنما اصاب الزمن الجنون

واختغت في الظلام كأن لم توجد ، دون أن تطلب أجرا أو صدقة، وظلت النيران ترتعد تحت برد الليل ، كانوا يرتجفون ، ولكنهم تجاهلوا ماسمعوه من كلمات، وناموا متجاورين تحت ضوء النجوم البعيدة.

الخليفة

تعاقبت الأيام ، كانت في انتظارهم أحداث جسام أنستهم كلمات المراة المجنونة، ورغم انقضاء موسم الحج إلا أن جعفر فضل البقاء في في مكة حيث قبيلته من قريش وبيوت اهلة من بني العباس ، كان يأنس لهذه البقعة الذي أصبح صغيرة وسط دولة بهذا الاتساع، ولكن رسولا عاجلا جاء من الشمال ، يحمل حزنا على وجهه ورسالة في يده، كانت الرسالة من عيسى بن موسى العم الثاني، الساعد الأيمن لأخيه الخليفة ابو العباس السفاح ، كان يخبره بموت اول خلفاء بني العباس ، وأنه قبل أن يموت قد أختار اخاه ابو جعفر المنصور ليكون خليفة الثاني على المسلمين، كانوا جميعا ينتظرون قدومه ليستوي على عرشه، هكذا تداخلت الأحزان مع الافراح ، وكلمات التعازي مع قسم المبايعة ، ولكن جعفر لم يكن يهتم بن أمامه ، كان يبحث عن شخصين لم يكونا حاضرين، صاح:

ـ اطلبوا بيعتي من اقرب الناس إلي ، عمي عبد الله بن على ، وصديقي محمد بن عبد الله ..

ولكنهما كانا قد أختفيا عن الأنظار .

العاصي

في مدينة حران بالشام ، كان عبدالله بن علي غاضبا يصرخ فيمن حوله:

ـ جعفر هذا لا يستحقها، أنا احق بالخلافة منه ، أنا أكبر بني العباس، أبي وعدني بها عندما بدأنا الدعوة، ولكن السفاح أخذها مني، وهاهو يهديها لاخيه الأصغر.

ردد كل من حوله : والله لن نسكت أبدا ، سنسبقه للعراق ونقطع عليه خط الرجعة

ولكنهم كانوا متأخرين ، كان العم الآخر عيسى بن موسى قد قطع نصف الطريق إلى الأنبار ، وقابل الخليفة الجديدة ، واخذ منه وعدا غامضا بان يكون هو ولي عهده ، كل شيء كان ملتبسا ، والفرق بين المولاة والعصيان لايكاد يرى ، وعندما استوى ابو جعفر المنصور على عرشه هبت عليه ريح الخطر القادم من الشام، كان يدرك أن حرب البيت الواحد تكون هي الأشد ضراوة ، واحضر الرسل وأمرهم ان يسروا إلى عمه حاملين رسائل المسالمة ، والتذكير بقرابة الدم وصداقة الروح، الوعد ببذل كل التراضي ، ولكن ترضيه العم الوحيدة كانت العرش، وفشلت كل المراسلات، ولم يبق بديل إلا المواجهة والتقاتل ، قال ابو جعفر :

ـ لن ارسل إليه أحدا من بني العباس ، فليذهب أبو مسلم الخراساني

ولكن القائد الفارسي، القاسي القلب، رجل المهمات الصعبة، كان خائفا هذه المرة ، كان قد ذبح ما يكفي من العرب الذين والو بني أمية، ولكنه كان مدعوا هذه المرة لذبح بني العباس، وهو ذنب مهما بدا مبررا فلن يغتفر، ، ولكن أبو جعفر أكد له مضاء قلبه:

ـ أذهب وآتني برأسه هذا العم العاصي.

كانت السلطة كعهدها سيف أعمى، يقطع الوشائج ويبتر الأواصر ، سار ابو مسلم إلى حران ، وهناك رأي جيوش عبد الله بن علي حاشدة ومتحفزة، كان لابد من استخدام الحيلة ، أمر عيونه فداروا حولهم حتى عرف أين توجد مصادر مياههم ، أمرعه فذبحوا بعض الخيول المريضة ، وأنتظروا حتى دب فيها العفن ثم القوها في هذه المياة، كان يدرك أن العطش في وهج الصحراء اشد وطأة من السيوف الباترة ، وعندا هاجم جنود ابن علي كان في انتظارهم ، كان متأكدا من أنهم لن يصمدوا طويلا ، سوف ينهكهم العطش قبل والكر والفر ، وكان له ما أراد ، انهزم عبد الله بن علي وتشتت جيشه ، وهام في الأرض يبحث عن مخبأ ، ولكن كل الذين لجأ إليهم وشوا به ، عندما أرتمى على قدم أبي حعفر متوسلا إليه :

ـ ارحم عمك ، لحمك ودمك.

كان اوان الرحمة قد فات، ولم يخيب الخليفة ظنون أبو مسلم فكافأه هو أيضا بالقتل بعد فترة وجيزة من مقتل عمه.

الثائر

بقي العدو الآخر ، الصديق المختفي ، كان قد تحول إلى حلم ينتظره الجميع، وأكتسب أسمه صفة النفس الزكية، كان من نسل الحسن بن علي ابن أبي طالب ، الأمل للباقيين العلويين في استعادة الخلافة ، الأمام الذي سيعد للزمان ميزانه المفقود، طلب ابو جعفر من كل عماله وولاته وقادته أن أن يبحثوا عنه ، أعلن أنه يعفو عنه ، وانه يريده فقط أن يحضر ليلقى البيعة ويعلن الولاء، ولكن النفس الزكية كان متأكد أن ابي جعفر ليس بعاف، ولو كان كذلك لعفى عن عمه، ظل مختبئا ، لا تبوح الصحراء بسره ولاتشي بمكانه، وقال الخليفة في حنق:

ـ لو عرفت مكانه لأرسلت له من يدس له السم

ولكن عيسي بن موسى رد في حنكة:

ـ فلنحتال له يامولاي ، إن لم يكن يريد الظهور فلنرغمه عليه

وهكذا بدأت حملة شعواء، هجم جنود الخليفة على بيوت العلويين ، قبضوا على الأب العجوز للأمام المختفي ، وعلى أمه واخواته وأولاد عمه ، وضعهم الخليفة داخل السجون واقام عليهم عشرات العيون والحرس ، كان أبوا جعفر يعرف أن النفس الزكية لن تتحمل هذا الأمر ، وأن أحساسه الكبير بالعدل سيتحول إلى احساس قاتل بالذنب..

كان الخليفة مصيبا في حدسه ، لم يتحمل النفس الزكية ما حدث لأهله ، جمع أنصاره على عجل وقرر أن يخوض المعركة ، لم يكن الوقت مناسبا له ، ولا كان هو نفسه محاربا ، كان ناسكا أرغمته الظروف على أن يلجا للسيف، خاض معركته بلا تراجع، وواجه جيوش دولة العباس في عز صعودها ، فمن الذي يجرؤ على هزيمتها؟

دارت الدائرة وانهزمت النفس الزكية ، وحملوا رأسه إلى ابو جعفر العباس ، فقلب في راسه بقضيب كان في يده ، وتذكر ذات ليلة بعيدة ، عندما ظهرت المرأة العجوز لثلاثتهم في جوف الصحراءن وقال: وقال:

ـ لقد تحققت النبؤة .



--------------------------------------------------

عن اعداد متفرقة من مجلة العربي harsh.gif

[color="#009900"][/color]

زهره 08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif


لحظة تاريخ 11ap.gif



السلطان .. عاشق الذهب 11mmer3.gif

لم يكن بيبرس الثاني يشبه بالتأكيد سميه الأول، كان كليهما مملوكا يباع ويشترى، وأصبح كلاهما سلطانا على مصر يبيع ويشتري في خلق الله، ولكن فيما عدا ذلك كانت الشقة بعيدة بينهما.

بينما كانت تتلى مراسم تولى السلطان المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير بوصفه السلطان الثاني عشر من سلاطين المماليك كان هو جالسا على العرش غارق في التفكير، كان يتأمل الأمراء والقادة والشيوخ وهو يلقون عليه قسم الطاعة الولاء وشيوخ المذاهب الأربعة وهم منهمكين في تدوين وثيقة توليه السلطنة، إنتهت الحروب الكبرى، ولم يبق من صراع إلا مع هؤلاء الرفاق القدامي، عاجلا أو اجلا سوف يشعرون أنه قد ابتلع لقمة أكبر من طاقته، كان هو الحلقة الاضعف بين المماليك المتصارعين، كانوا من القوة بحيث لم يستطع أحد أن يفرض إرادته على الأخر ، لذلك أختاروه هو على أمل أن يركبوه جميها، ولكن حتى يأتي هذا اليوم عليه أن يؤمن نفسه ويحمي ظهره، كان الملك الظاهر بيبرس الذي سبقه على عرش هذه البلاد قد أنفق كل الذهب على محاربة الصلبييين والتتار، ولكنه لن يكرر هذا الخطأ.

في اليوم الاول من سلطنته استولى عل كل ما وجده في الخزائن من ذهب وفضة، ولكن مافيها لم يكن كافيا ، استدعي الامير سلار نائب السلطنة ، قال له متوترا :

ـ الخزائن فارغة ، افرغتها الخلع والبيع وشراء الولاءات، لابد من جمع ضرائب جديدة.

كان الامير سلار عجوزا محنكا، بقي طويلا في منصب نائب السلطنة لانه لم يكن يوما طامعا في العرش ، كما كان حريصا على جمح جماح السلاطين دون ان يغضبهم، قال له:

ـ يامولاي هذه بلاد روحها النيل ، إذا وفا إمتلأت البلاد بالغلال ، وامتلأت الخزائن بالاموال، وإذ لم يف فقل علينا السلام

سار السلطان ملهوفا إلى شاطئ النهر

النيل

كانت بوادر وفاء النيل قد بدت ظاهرة للعيان، تغيرت المياة واكتسبت اللون الإفريقي الداكن ، وتدافعت الموجات وهي مثقلة بالغرين ونثار البراكين، وعلى طول الضفاف كان الفلاحون قد استعدوا للولادة الجديدة للنهر مثل كل عام، شقوا الارض وقلبوا تريتها وقسموها إلى أحواض ووضعوا البذور في ارحامها وانتظروا حتى تغمرها المياة .

ولكن النيل لم يف بوعده ، توقف ارتفاع المياه قبل ان يصل إلي قياسه المحدد، خمسة عشر ذراع وسبعة اصابع، لو زادت عن ذلك كان الفيضان ، ولو قلت كان الشح والغلاء، ولكن النيل لم يرتفع بمقدار الأصابع المرجوة ، وكان من المفروض ان يهبط السلطان من القلعة ليفتح السد ويضمخ مقياس النيل بالطيب والزعفران، ولكنه لم يفعل، ظلت الأرض عطشى والبذور جافة والنيل عاصي .

كان رد الفعل سريعا في كل المدن، شحت الغلال وارتفعت الاسعار وخبأ التجار الاقوات ، بدت ملامح المجاعة، وتشاءم الناس من وجه السلطان الجديد، ولكنه وجد في تلك المصيبة فرصة سانحة ، كانت مخازن القلعة مليئة بالغلال، وبدلا من أن يوزعها على الجوعي والمحتاجين كما جرت العادة ، أخذ ببيعها بأعلى الاسعار، وضجت الناس من الغلاء ، ولم يكن أمامهم إلا السخرية يقاومون به حنقهم وجوعهم، سارو في الشوارع وهم يغنون:

ـ ياسلطان ياركين .. من وشك غاض النيل

وانتشرت الاغنية، عبرت الشوارع والازقة وصعدت إلى القلعة ، إلى مسامع السلطان، كانوا يسخرون من اسمه ويحورونه من ركن الدين إلى ركين، صاح في جنده:

ـ هؤلاء الحرافيش قد اساؤا الادب، ويجب ان يعاقبوا

هجم الحرس على الاسواق والمقاهي واماكن السمر ، ضربوا من فيها بالمقارع وجروا قسما كبيرا منهم إلى سجن العرقانه، ساد الرعب المدينة ، وتوقف الغناء، هرع أهالي السجناء باكيين إلى ساحة القلعة ، يتوسلون للسلطان حتى يفرج عن ابنائهم ، ولكنه غضبه كان شديدا، لم يخف إلا بعد ان فرض على كل واحد من السجناء عشرين قطعة ذهبية ليفرج عنه ، ودفع الاهالي صاغرين ، ومن لم يقدر أهله على الدفع، ظل ملقيا في غياهب السجن لا يعرف مصيره سوى الله ، وظفر السلطان بمبلغ جيد من الذهب .

العرش

ثم جاءت مشاكل أخرى ولكن من الخارج هذه المرة ، من الشام، حيث كان يوجد السلطان السابق الناصر قلاوون، كان هذا السلطان قد عزل نفسه بنفسه حين رأي تحكم كبار الماليك فيه، حتى انه لم يكن قادرا على إقامة وليمة او شراء جارية إلا بعد أخذ الإذن من نائب السلطنة، لذلك فضل ان يخلع نفسه عن العرش ويلجا إلى قلعة الكرك في الشام ليقيم فيها، ولكن عندما ضاق ضيق الحال بقادة المماليك في مصر ، وعانوا من جشع السلطان، بدءوا يراسلون السلطان قلاوون، لعله ياتي ويأتي الخير على يديه، كتبوا يقولون له:

ـ " تعال وإمتلك هذا البلد المكنوب ، وخلصنا من هذا السلطان الشحيح "

ووقعت واحدة من الرسائل في يد السلطان الظافر بيبرس، جن من الغضب ، اخذوا يعدوا في اروقة القلعة وهو يصرخ متوعدا الخونة، وامر بالقبض على كل من راسل، وكل من عرف وتواطأ، وكل من يفكر في المراسلة، كانت فتنة هائلة لم يشهد المماليك مثلها منذ ان قامت دولتهم، قبض على أكثر من ثلاثمائة من القادة ومقدمي الجند، قتلوا وضربوا وحلقت لحاهم وشواربهم وسيقوا إلى سجن الاسكندرية، ولم يكن هذا السجن إلا قبو هائل قل ان يخرج منه أحد وهو حي .

وبينما كان السلطان ينعم بالذهب الذي صادره من بيوت الامراء المغضوب عليهم ، كانت المدينة تعيش جوا من الرعب من بطش السلطان، لم يعد احد يجرؤ على الغناء، ولم يعد احد يجأر بالشكوى، ولم يعد هناك امل في الخلاص.

ولابد ان الاخبار السيئة قد وصلت إلى الشام ، فقد تقوى عزم السلطان قلاوون الابن، استيقظت شهيته للعرش مرة اخرى، ايقن أن السلطة مرض لابراء منه، بدأ يقوك بزيارات لكل الولاة الذين يحكمون المدن الشامية، كانوا جميعا من تلاميذة ابيه قلاوون الاكبر ، هو الذي اشتراهم واعتقهم وحولهم إلى حكام وقادة، طلب منهم ان يناصروه و وان يسيروا معه إلى مصر، حيث الذهب والنساء والسلطة المطلقة، كان اغراء لا يستطيع احد مقاومته، إنضم إليه والي دمشق ثم والي حلب وحمص وصفد، جمعوا جيوشهم في جيش واحد وبدؤا في المسير

وصلت الانباء إلى السلطان المظفر، ادرك ن الخطر هذه المرة اكبر من ان يعالجه بالسجن وأو القيام بضربة مباغتة، اجتمع مع نائب السلطنة الأمير سلار ليتدبران فيما يعملان ، قال سلار:

ـ لا مفر من ان نعد جيشا نسيره إليهم قبل أن يباغتونا في ديارنا، لابد من ان نجهز الاموال والنفقات والمؤن، لا شيء يصنع النصر مثل الذهب

صاح السلطان مفزوعا: ماذا ؟.. اضحي بالاموال التي جمعتها بشق الانفس، آلا يوجد حل آخر غير مكلف؟

ولم يدر سلار ماذا يجيبه ، تركه ليتدبر امره.

قضي السلطان ليلة معذبة، كان الذهب الذي حلم به ، والذي فعل المستحيل من اجل جمعه يوشك ان يتبدد من يده، نظر إلى المدينة الهاجعة تحت اعتاب القلعة، خائفة ومظلمة، كان واثقا من أن سكانها يكرهونه ويتمنون هزيمته، وكان الرد الوحيد عليهم هو أن ينتصر ، يؤكد لهم مدى قوته وسطوته ، ثم يجعلهم بعد ذلك يدفعون الثمن، كل درهم سينفقه على الجيش سيسترده منهم مرة اخرى.

في الصباح المبكر جاء سلار وهو مربداالوجه، قال له السلطان:

ـ سنعد الجيش ، وقد جهزت ما يلزم من ذهب، ولكننا سنزيد من ضرائب العام القادم

ولكن سلار رد في اقتضاب : لافائدة من ذلك ، تسلل معظم الامراء والقادة، وهربوا إلى الشام

اصيب السلطان بالذهول، لم يتصور ان يتخلى عنه الجميع وأن يغدو فجاة بلا جيش ، لم يحدث هذا لسلطان من قبله ان تخلى عنه الجميع ، تطلع حوله، إلى اسوار القلعة الهشة التي لا تستطيع حمايته ، والمدينة الضيقه التي لا يمكن أن تأويه ، هتف في حيرة : وما العمل؟

قال سلار: ليس هناك من حل إلا ان تتنازل عن العرش وأن ترسل للناصر قلاوون تطلب منه العفو حتى يحفظ عليك حياتك ويتركك تذهب إلى حيث تريد

حضر شيوخ المذاهب الاربعة، انهمكوا على الفور في إعداد وثيقة التنازل، دون أن يابه أحد بالنظر إلى السلطان المذهول، وما أن فرغوا حتى انصرفوا سريعا ليستعدوا لاستقبال السلطان الجديد ، لم يكن هناك وقت للرثاء او لتطيب الخواطر، حتى سلار نفسه حرص على أن يحمل وثيقة التنازل ويسير بها في اعتزاز ، كانت هي التي ستضمن له ان يحتفظ بمنصبه مع السلطان الجديد.

الذهب

كانت الليل ثقيلا، ووجد الناصر بيبرس انه غير قادر على انتظار رد السلطان القادم ، كان يجب ان ينجو مبكرا قبل ان تتحول القلعة إلى فخ يقتنصه، هبط إلى الحظائر وأخذ اجود مافيها من خيول، ووضع عليها كل ما جمعه من ذهب، الصديق الباقي بعد ان تخلى عنه كل الاصدقاء، حمل كل شيء ثم اتجه إلى الباب الخلفي للقلعة المطل على قرافة المقطم

كان الفجر يبزغ، والسماء يشقها ضوء رمادي خافت، الحرس نائمون ، والمشاعل مطفأة بعد أن نفد منها الزيت، وسار السلطان المخلوع يجر جواديه، اغلقت خلفه بوابة القلعة للمرة الأخيرة، سوف يواصل السير إلى اقصى بلاد الصعيد حيث لا يستطيع احد أن يلحق به.

ولكنهم كانوا في انتظاره ، العوام والحرافيش الذين ضربهم بالمقارع وسجن ابناؤهم وسلب امواهم وباعهم القوت بثمن فاحشة، الذين اهانهم وألقى الرعب في قلوبهم، كانوا يسدون طريقه بوجوههم الجائعة المغبرة، تطلع إلى الخلف حيث القلعة الصامتة المغلقة الأبواب، لا يوجد ما يحميه من هذا الغضب المستعر في كل العيون ، كانوا يصيحون من بين اسنانهم :

ـ لن تفلت منا يانحيس

تردد صدى أصواتهم فوق تلال المقطم المتجهمة، أدرك انها النهاية، كانوا قريبين منه لدرجة ان شم رائحة عرقهم ، ورأي الرذاذ المتناثر من افواههم ، مد يده إلى الخرج الموجود على ظهر الجواد، لم يخرج غدارة او سيفا، امسك قبضة من قطع الذهب التي كانت تملأ الخرج ونثرها فوق رؤوسهم ، في أول الأمر لم يفطنوا لما حدث، ظللوا يواصلون الاقتراب والتهديد، القى عليهم بالقبضة الثانية والثالثة حتى بدأ بريق الذهب يخطف بريق الصباح، تخلخلت حلقة الحصار من حوله، تركوه واخذوا يدرون حول أنفسهم باحيثين عن مكان الذهب المتساقط، وظل هو يواصل نثر الذهب وقد إنتابته حمى الحفاظ على حياته، أنشغلوا عنه جميعا ، تدافعوا ونثروا في عيون بعضهم البهض الحصى والتراب، تصاعد غضبهم وبدؤا في العراك، واستطاع بيبرس ان يلوي عنان جوادة وان يعدو مبتعدا ، كان قد اصبح مفلسا ولكنه كان مازال حيا ، وهكذا اختفى عن أبصارهم ولم يسمع احد عنه منذ ذلك الحين .





د.محمد المنسي قنديل bigstar.gif
عن مجلة العربي؛ harsh.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif





لحظة تاريخ 11ap.gif :

جنيه أدريس 11mmer3.gif


عندما صدر الجنيه المصري عام 1924 استقبل الجميع الصورة المطبوعة عليه بدهشة بالغة، ولم يستطع أحد التعرف عليها . w00t.gif

لم تكن علي الجنيه صورة للسلطان العثماني الذي كانت مصر ولاية تابعة له على مدى مايقارب نصف قرن من الزمن ، فقد كانت الدولة السنية في ذلك الوقت تلفظ انفاسها الاخيرة ، وكان سلطانها محمد السادس يبدو رجلا طاعنا في السن كدولته ، شاربه الابيض الكثيف متراخ ، وفي عينيه نظرة ساهمة وحزينة ، كان قد جاء إلى العرش بالمصادفة ، بعد ان انتحر واصيب بالجنون كل الذين كانوا اقرب منه للعرش ، وكانت امبراطوريتة قد تلقت هزيمة مروعة في الحرب العالمية الاولى، وبعد ان كانت تحتل رقعة هائلة من العالم اصبح قلبها محتلا ، تعبث فيه الجيوش الانجليزية والفرنسية وحتى اليونانية، وكان احتلال هذه الاخيرة اقسى على قلب السلطان من أي شيء آخر، فالاتباع السابقين تحولوا فوق أرضه إلى سادة امرين ، وكان أمله معلق بقائد وحيد كالذئب الاغبر ، هو مصطفى كمال ، حتى ينقذ مملكته وعرشه ، ولكنه كان يدرك أيضا ـ بحكم خبرته الطويلة ـ أنه ما ان يستاثر هذا القائد بالسلطة حتى يعزله من على عرشه ، كان مثل كل سلاطين نهايات الدول ، خانعا وطيبا ، مستسلما لقدر السقوط الذي يلاحقه، لذلك لم يكن غريبا ان يركب السفينة ذاهبا إلى المنفى طائعا بعد سنوات قلائل من عهده لتنقضي من بعده دولة آل عثمان إلى الابد .

ولم يكن الجنيه ايضا يحمل صورة مصطفي كامل ، الرجل الذي بذل سنوات عمرة القصيره، ليعلم المصريين أن يكونوا جديرين بمصريتهم ، أن يستيقظوا من سباتهم العميق ، ومن رضوخهم لاهانات الاحتلال الانجليزي ، ومن تقبلهم لصنوف الحكام الجائرين الذين يقهرونهم بدلا من الدفاع عنهم ، كان هو الوحيد الذي ناصب اللورد كرومر العداء وقت أن كان حاكما مطلقا يتذلل له الكبراء والوزراء والسلاطين، كان مصطفى كامل أفندي نحيل القامة ، اخذ شهادة القانون من باريس ، وراى كيف تعيش الأمم الحرة ، فوقف يدافع عن ارواح الفلاحين في قرية دنشواي ، كان الزعيم الوحيد ـ وربما حتى الآن ـ الذي أصر على ان لاتذهب ارواح المصريين بلا ثمن ، وانهم مثلهم مثل بقية الخلق، نفوس فطرها الله، لها حياتها الخاصة وتواريخها الخاصة ولا يجب ان تهدر، بحجة ان اعدادها كثيرة ، وانها كحبات الليمون، تعصر دون أن تحصى، ولكن عزيمته كانت اقوى من جسده ، وكانت روحه الوثابة اكبر من ان تسكن في هذا الهيكل النحيل ، لذا غادرته وهو في سن السادسة والثلاثين ، وتركت في قلوب المصريين حزنا آسيا حتى الآن .

ولم يكن الجنيه ايضا يحمل صورة الملك الجديد "فؤاد الاول" ، بشاريه المبروم وصدره المنفوخ وتلك النياشين التي تغطيه والتي لا يعرف أحد من اين جاءت ، كان ملكا غريبا على الجميع ، واحدا من أمراء أسرة "محمد على" التي كان يسري الدم المجنون في عروقها منذ الجد الاول، ولكنه كان اقلهم ذكرا، كان ابوه اسماعيل حاكما مليء بالاحلام العظيمة ، وساذجا ومسرفا من الناحية المالية ، وقوع في فخ الديون الاوربية ، ومازال الفخ منصوبا حتى الآن ، وكان اخوه الخديوي توفيق اشهر الخونة الذي قضى على ضباط جيشه الوطنيين، وقدمهم لقمة سائغة للمحتل البريطاني، فأي مجد ، أو أي جدوي أن تظهر صورته على جنيه الدولة المستقلة حتى ولو كان هذا الاستقلال اسميا ,

كان على الجنية صورة شخص غريب لا يعرفه أحد ، فلاح مصري ، لونه يحمل سمرة الجنوب ، ولحيته يخالطها الشيب ، ونظرته فيها نوع من القناعة والرضا بالمقسوم ، على رأسه عمامة ، وفوق كتفه عباءة بسيطة ، دون أبهة او نياشين ، واعتقد الجميع انها صورة للفلاح المصري الذي طالما وهب الحياة لهذا الوادي، وان هذا اعتراف متأخر بالجميل، جاء من ارومة البانية تركية طالما أمتصت دمه ، ولكن الامر كان أبعد مايكون عن ذلك .

الرافض للعرش

قال الامير كمال الدين وهو ينتفض:

ـ لا أريد هذا العرش.

نظر إليه السلطان "حسين كامل" مذهولا ، كان راقدا فوق فراش مرضه الأخير ، وقد جف ماء الحياة من بدنه ، ولم يعد في أنتظاره سوى القبر، ولكن كلمات أبنه ملآته بالغضب، قال في مرارة:

ـ لقد فعلت كل شيء ، وقبلت بكل شيء حتى تجلس حضراتكم على هذا العرش .

كان قد قبل الإهانات وقام بالتنازلات ، وتحمل سخرية الجرائدالمعارضة، وقصائد الزجل المسمومة، ونظرات الاحتقار من زوجته وزوجة ابنه ، والتذلل امام صغار الموظفين الانجليز ، ومقاطعة طلبة المدارس له، كل هذا قبله السلطان حسين كامل ، مقابل شيء وحيد ، ان ينتقل العرش من بعده إلى ولده الوحيد، ،ولكنه يقف الآن عنيدا ورافضا، كانت ملامح الشاب الصغير اقرب إلى شاعر حالم منها إلى أمير تركي عتيد، كان يميل دوما إلى العزلة والأنطواء ، مع نوع من الرهافة الانثوية طالما كرهها السلطان ، ولابد أن تربيته وسط خمسة من الأخوات البنات قد تركت أثرها شخصيته، قال الأمير:

ـ لا يهمني ما فعلتم ، لن أجلس على هذا العرش الملعون مادمت حيا

صاح السلطان بكل مافيه من قوة الاحتضار :

ـ لن تبقى حيا بعد اليوم ، لانني سأنهض واخنق حضرتكم بيدي هاتين

وفوجئ السلطان بأبنه يخرج من جيبة مسدسا ويوجهه إلى رأسه، ويهتف في صوت صارم:

ـ لا تتعبوا فخامتكم نفسكم، ساقوم بذلك الأن ، امامكم

شهق السلطان ، احس بقلبه على وشك التوقف ، صاح به :

ـ اخفضوا المسدس واذهبوا إلى حيث تشاءون، لعنة الله عليكم وعلى العرش

أغمض السلطان عينيه وتذكر لحظة عرض عليه هذا العرش الضائع، كان أتون الحرب العالمية الأولى مشتعلا ، والانجليزالذين سلخوا مصر عن الدولة العثمانية، وفرضوا حمايتهم عليها يبحثون عن حاكم يطيع اوامرهم ، وكان الخديوي عباس، الحاكم السابق ، قد غادر مصر دون أن يستطيع العودة، كان قد راهن على فوز ألمانيا وحليفتها تركيا في الحرب، وكانت النتيجة أنه ظل باقيا رغما عن أنفه بجانب السلطان العثماني وهو يتلقى الهزائم ، وإنتهي أمره حين عزله الأنجليز نهائيا.

في تلك اللحظة لم يكن الأمير حسين كامل يرفض العرش حقا، حتى ولو حاول الايحاء بذلك، كل مافي الامر ان زوجته"ملك هانم " كانت تدين بالولاء لأم الخديوي السابق عباس ، ولم تنس أنها كانت واحدة من جواريها، ، وظلت تذكره في الفراش كل ليلة أن قبوله للعرش هو نوع من الخيانة، يضاف إلى ذلك أن ابنه الوحيد الامير كمال الدين حسين ، كان متزوجا بابنه الخديوي السابق ، وكانت هي أيضا ترى أن حماها سيكون الخائن الاكبر إذا قبل هذا العرش ، ولم ينصفه الانجليز أيضا، لم يشاؤا أن يعطوه لقب الملك بدلا من لقب الخديوي الذي ألغي مع انفصال مصر عن تركيا ، لم يكن الانجليز يرون في الكون كله إلا ملكا واحدا هو الجالس على العرش البريطاني ، اعطوه لقب السلطان، ولا شيء غير ذلك، لا حرية اختياره لعلم سلطنته ، ولاعضاء وزارته، ولا استقلاله الذاتي ، لم يكن من حقه أن يطلب ، كان واجبه فقط أن يطيع.

وظل الأمير حسين كامل يتحجج، ولكنه اصيب بالذعر عندما أكتشف أن اغاخان يزور القاهرة بدعوة من السلطات الانجليزية ، لقد حسب أن زعيم الطائفةالاسماعلية قادم لكي يجلس على العرش ، وربما كان الأمر كذلك بالفعل، فالانجليز كانوا قد ضاقوا ذرعا بتردده ، لذا فقد تخلى فجأة عن تعنته الشكلي ووافق على القبول بشرط وحيد هو ان يرث ابنه العرش من بعده ، وحتى هذ الامر لم يأخذ به إلا وعدا غامضا ، ولم يوافقوا عليه إلا بعد سنوات من التوسلات.

ولكن هاهو كل ماعمله يتردى، والامير العاصي ينصرف من أمامه ، فرحا بحريته ، ولم يبق أمام السلطان إلا ان ينتظر الموت وهو يردد لنفسه:

ـ غدا سوف تتنازع كلاب اسرة "محمد علي" على هذا العرش الخالي .

....والقابل بالعرش

كانت سفينة الركاب الإيطالية تستعد لدخول ميناء الاسكندرية ، عندما سمع الأمير فؤاد بهذا الحلم لأول مرة .

كان مايشغله وقتها ، وهو يراقب البيوت البيضاء وصفوف النخيل التي تقترب، هو كيف يتسلل من السفينة إلى المدينة دون ان يعرف أحد انه كان مسافرا في أدنى درجة بها ، دون قمرة او جناح يليق به كأمير وكأخ لسلطان مصر ، كان قد افلت من روما ، من ديون القمار ، ومن الراقصات اللواتي كتب لهن شيكات بلارصيد ، ومن قروض محلات الرهونات ، كانت العشرين عاما التي قضاها متسكعا قد قادته إلى الافلاس ، لم يبق أمامه إلا ان يعود إلى القاهرة ليختفي في صمت ، حتى لا يعلم أصحاب الديون فيها بوصوله ، وتبدأ المطاردة من جديد.

في تلك اللحظة اقترب منه تابعه "أدريس الأقصري" ، الوحيد الذي بقي معه أن هجره الجميع، كانت ابتسامته تنير وجهه الأسمر، وكان مازال محتفظا بجلبابة وعمامته الجنوبية ، لم يتخلى عنها رغم الأيام الكثيرة التي قضاها في أوربا متسكعا في اثر سيده ، قال له :

ـ يا افندينا ، لقد رأيت رؤيا اريد ان اقصها عليكم .

لم يلتفت فؤاد إليه ، كان مافي داخله من هموم أكبر من مجرد حلم تافه لفلاح، وكانت صافرة السفينة تزعق طالبة الأذن بدخول الميناء ، ولكن "أدريس" العنيد أصر على مواصلة الكلام:

ـ لقد حلمت أنك اصبحت ملكا لمصر .

وانتبه فؤاد فجاة إلى تلك الكلمات المستحيلة من فرط غرابتها ، كان يعرف ان السلطان مريضا ، ولكن له وريث ، وفوق ذلك ، فهناك من الاسرة من هم أكبر منه سنا وأكثر نفوذا ،كما انه كان يشعر دائما بالغربة في ذلك البلد الذي لا يجيد لغة أهله، ولو كان الامر بيده لقضى كل حياته في الخارج ، ولولا هذه الديون الثقيلة التي تطارده ما فكر في العودة ، ولكن " ادريس " عاد يلح بالقول :

ـ رأيتكم يا أفندينا وأنتم تجلسون على عرش قصر عابدين، ورأيت رشدي باشا الوزير الاكبر وهو يقبل أياديكم، ورايت كل الامراء وعلى رأسهم الامير عبد المنعم وهم ينحنون أمامكم.

صاح فيه فؤاد اخيرا : اصمت

كانت السفينة قد دخلت الميناء بالفعل، وفؤاد يرتجف خوفا من يتعرف عليه أحد، ولكن كلمات الاقصري كانت تطن في أذنيه ، توقظ داخله أمنية مستحيلة ، رغم أنها الانقاذ الوحيد من ورطته ومهانته التي طالت أكثرمما ينبغي، قال وهو يضحك في جفاف:

ـ لقد كبرت وخرفت يا أدريس.

وبدءا يستعدان للنزول من السفينة، ولكن ما ان خرجا من بوابة الميناء حتى كانت المفاجأة الاولى في انتظارهما ، كان هناك بائع صغير يحمل جريدة المقطم الداكنة الأوراق وهو يصيح بأعلى صوته

ـ أقرأ آخر خبر، الامير كمال الدين حسين يتنازل عن العرش ، اقرأ المقطم ..

وتوقف الأمير فؤاد وتابعه، نظر كل منهما إلى الأخر مذهولين، اشترى واحدة من الغلام، ولأن الامير لم يكن يجيد العربية فقد اعطاها لتابعة الذي اخذ يقرأها بلهجته الصعيدية المتكسرة ، كان الخبر صحيحا ، وكان الامير كمال الدين حسين قد أرسل خطابا رسميا بذلك ، ولكن كان هناك خبر آخر في نفس الصحيفة ، الأمير عبد المنعم اكبر افراد الأسره وأبن الخديوي عباس يستعد للذهاب إلى انجلترا ، وهتف فؤاد في خيبة أمل :

ـ لقد ذهب ليطالب بعرش أبيه ، وسوف يظفر به .

وبقي الأمر، مجرد حلم لفلاح عجوز، لم يأبه احد بالأمير الغريب العائد، حتى ولا الدائنين، كأنهم قد يئسوا من استرجاع ديونهم ، وحتى عندما طلب فؤاد الاذن لمقابلة أخيه السلطان المريض، لم يأذن له ، لم يكن يريد ان يمنحه مالا ، والاهم من ذلك أن يدخله إلى منطقة الضوء، ويلفت انظار الانجليز إليه ، كان في داخله أمل واهن ان يتراجع ابنه الوحيد، وكان بالفعل قد أرسل خلفه رئيس وزرائه رشدي باشا ليرجوه ويتوسل إليه حتى يعدل عن قراره .

وظل فؤاد حبيس كآبته ، لايقدر على التجول او الذهاب إلى أي مكان ، وبدأ يرمق أدريس الاقصري في عداء ، وأحس أدريس بالذنب فأخذ يخفض رأسه خجلا، ولكن فؤاد لم يكن يعلم ما يدور في الخفاء ، لم يعلم ان طلب الامير عبد المنعم قد رفض، وأن الانجليز قالوا له بوضوح ان حقه في العرش قد سقط مع خلع أبيه ، ولم يعلم ان كمال الدين حسين غادر مصر بصحبة زوجته الثانية ، الفرنسية الأصل، بعد أن صرح بأنه مسلم حقا ولكن لا وطن له ، لذا كان غريبا أن يسيقظ في الصباح على دعوة لمقابلة المستر "وينجت "، كان طلبا غريبا ومفاجئا من المندوب السامي الذي ياتمر بأمره الجميع ، حضرة جناب اللورد الحاكم الحقيقي لمصر.

توقف فؤاد امامه مذهولا، كان قد ارتدى أفضل ما لديه من ملابس ، وحاول ان يبدو معتدا بنفسه دون ان يكون مفرطا في الغرور ، ولكن "وينجت" نظر إليه من اخمص قدميه إلى قمة راسه ، كأنه يريد أن يقدر حجمه قبل أن يقدم له أي عرض، لم يطلب منه الجلوس، ولكنه قال في لهجة عسكرية صارمة :

ـ سنقوم بدفع كل ديونك

ولهج الأمير بالشكر بالتركية والإيطالية ، ولكنه كان يحس في داخله بالاهانة، فقد بدا في سلوك الحاكم والذي كان عسكريا سابقا أنه الذي يكره هذا النوع من المقامرين من أمثاله ، ثم قال له أخيرا :

ـ لقد أختارتك حكومة صاحب الجلالة لتكون ملكا على مصر أعتقد أن هذا مناسب لك، لا تعلن هذا الأمر حتى يموت السلطان ، وعليك أن تلتزم بالأوامر التي سوف نوجهها إليك .

انصرف الامير الذي أصبح ملكا وهو مذهول، مصفر الوجه ، لدرجة أن المنتظرين في قاعه المندوب السامي حسبوا أنه تلقى توبيخا مميتا، كما هي عادة وينجت مع الأمراء المفلسين، لم يتفوه فؤاد بكلمة واحدة إلا بعد عاد إلى بيته ، وجد ادريس يصلي صلاة الظهر، ظل واقفا حتى فرغ من الصلاة، تطلع كل واحد منهم إلى الآخر ، وابتسم فؤاد أخيرا بعد سنوات من العبوس، وهتف به:

ـ انهض يا أدريس بك.

ولم يستطع ادريس بك النهوض، ظل جالسا مذهولا على سجادة الصلاة ، وعاد فؤاد يقول :

ـ لقد تحقق حلمك الغريب ، وسوف تكون صورتك على أول جنيه تصدره حكومتي

وفي يوم 4 يوليو 1924 صدر أول جنيه مصري عن الدولة المصرية التي ظفرت باستقلالها الشكلي وهو يحمل صورة أدريس بك الاقصري ، وأصبح واحدا من أندر العملات في مصر والعالم


د.محمد المنسي قنديل bigstar.gif

عن مجلة العربي ؛ harsh.gif




زهره 08.gif
.

زهره حبيسه
Bismillahs.gif

لحظة تاريخ 11ap.gif :

غواية السلطان 11umbup.gif

محمد المنسي قنديل bigstar.gif


عندما تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة، كان شابا متقشفا، خجولا ، وعلى وجهه مسحة من الحزن، وتساءل المحيطون به من بني أمية ، هل هذا الشاب النحيل قادر على مواجهة غوايات الحكم؟

الغواية الأولى 11mmer3.gif :

في اليوم الأول دخل إلى قاعة الحكم و توقف مدهوشا ، تأمل العرش الذهبي اللون الذي يتصدر القاعة ، كان براقا ومغريا كأنه امراة مستكينة، تنظره إليه صمت، قال:

ـ أنا لست كسرى ولا قيصر، أحضروا لي مقعد ابن عمي عمر بن عبد العزيز

قال اخوه هشام بن عبد الملك:

ـ ولكنك لن تؤثر في قلوب العامة والاعراب إلا بهذا العرش.

ولكن الخليفة هز رأسه نافيا ومصرا على رفضه، تبادل رجال الحكم من بني أمية نظرات قلقة ، هاهو خليفة متقشف آخر يقبض على زمام الحكم ويوشك ان يقبض على رقابهم، كأن لم كافيا مافعل الخليفة الأسبق حين حاسبهم حسابا عسيرا وجرأ العامة عليهم وصادر أملاكهم بحجة أنه مال المسلمين، وجعلهم يسيرون على الحق كأنه سيف جارح، كانوا يحسبون أن هذا الخليفة الجديد سيتيح لأهله ـ من بني امية على الاقل ـ أن ينعموا بالغنائم التي تنهال عليهم من فتوحات البلاد التي لا تتوقف.

لم تكن بداية مشجعة ، خاصة بعد ماحدث في المسجد الكبير، حيث كان الشيخ "ابن مكحول" يلقي أحد دروس العلم ، وفوجئ الجميع بيزيد وهو يقبل عليهم، فردا وحيدا في ملابسه العادية دون شيء من ابهة الامارة ، ولكن الجميع كانوا يعرفون أنه اخو الخليفة الحالي سليمان بن عبد الملك، وانه الخليفة القادم ، أسرعوا يوسعون له مكانا في صدر المجلس ، ولكن "ابن مكحول" اشار للجميع أن يبقى كل في مكانه ، واشار للامير ان يجلس حيث هو في نهاية الصف ، وربع يزيد ساقيه وجلس دون أن ينطق بكلمة ، واستمع للدرس حتى نهايته ثم تناول نعليه وانصرف.

كانوا يعرفون ذلك ولكنهم كانوا موقنين أنه سوف يتغير، فللحكم طباع أخرى، وكان لابد من توالي الغوايات.

الغواية الثانية 11mmer3.gif :

جاء والي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك يجر خلفه جمعا من العصاة والخارجين عن السلطان، كان قد سجنهم وعذبهم ، وجعلهم يقرون بكل الذي فعلوه ومالم يفعلوه ، وهاهو يسوقهم هدية للخليفة بمناسبة عهده الجديد، ولكن يزيد تأمل وجوههم ، استطاع أن يتعرف على عدد منهم رغم التعذيب والانهاك والتشويه كانوا من أشراف مكة والمدينة، قال:

ـ من هؤلاء؟

قال ابن الضحاك متفاخر: أنهم اعدؤك العلويين والمتمردين المطالبين بالخلافة، وقد نصرنا الله عليهم .

كان بنو أمية قد قتلوا الكثيرين منهم ، ولكن كلما قتل أمام ولد من بطن الغيب امام خفي ، وكلما قمعوا فتنة اشتعلت أخرى، وحتى عندماحاصرهم الحجاج بن يوسف الثقفي داخل الكعبة ورماها بالمنجنيق، لم تنه هذه الفعلة البشعة الصراع، قال الخليفة:

ـ فكوا قيدهم وأجلسوهم أمامنا لنراهم ويرونا ، ونكلمهم ويكلموننا

قال أبن الضحاك مدهوشا ومستنكرا:

ـ ولكن هذا سيجرأ أعدائنا علينا

وأشار له الخليفة أن ينصرف من مجلسه على الفور ، وسرعان ماعزله ، كان حلم يزيد أن يعم السلام هذه البقعة من الأرض التي لم تهدأ منذ أن اغتيل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، كان يريد ولاته أن يكفوا عن مطاردة العلويين والاحياء ، ونبش قبور الموتى، وأدرك الجميع لحظتها أن هذا الخليفة لن يتغير، سيظل ذلك الرمح الصلب الذي لا ينحني، يصحو مع الفجر ، يصلي بالناس، ثم يغشى الاسواق ، ويتفقد السجون ، ويرسل الرسائل لولاة الأمصار ، ثم يفتح بابه للمظاليم وطلاب الحوائج ، وكان لابد من البحث عن نقطة ضعف له ، تنفذ منها كل الاهواء والرغبات لعله يلين.

الغواية الثالثة 11mmer3.gif

كان الخليفة جالسا مع زوجته "سعدة" ، الأثيرة إلى نفسه ، كانت هي خائفة من تزمته ، تحمل في داخلها كل مخاوف أهلها من بني أمية، قالت له:

ـ يا أمير المؤمنيين ـ يازوجي وابن عمي ـ هل بقي لك شيء من الدنيا تتمناه

تأملها في شرود، في تلك اللحظة لم يكن يريد شيئا ، ولكنه قبل أن يجلس على هذا العرش الصعب ، كانت له أمنيات ورغبات ، أراد ذات مرة ان يمتلك ذلك الصدى الهائم في الصحراء "حبابة" ، كان ذاهبا إلى الحج ، و استضافه احد تجار مكة الموسرين ، وفي بيته سمع صوتها الذي مازال يرن في أذنه حتى هذه اللحظة ، قوي ورائق ورنان ، لا يصاحبه إلا ايقاعات من وتر شاحب، وعندما رآها أكتشف أنها لا تقل جمالا عن صوتها ، كانها ريح الصحراء قد شظفتها من كل وجه فتحولت إلى كائن رهيف، عيون واسعة مليئة، متألقة وحزينة، وشعر أسود منسدل، ورقبة رفيعة، حين تشدو تبدو العروق الزرقاء الشاحبة من خلف جلدها الرقيق ، أوتار من السماء، كان اسمها "حبابة" ، ولكن الجميع كانوا يطلقون عليها لقب العالية ، لأنها كانت الأعلى قيمة بين كل المغنيات والمحظيات، وأصر مالكها على أن لا يبيعها إلا باربعة ألاف دينار كاملة، ولم يشفع له أن الشاري هو شقيق الخليفة.

ومن فرط الشغف دفع يزيد كل معه من مال ، واستدان من بعض أصدقائه ، وارسل مكتوبا عاجلا إلى أخيه سليمان بن عبد الملك يطلب منه مددا من المال، ولكن الخليفة فزع عندما عرف المبلغ المهول الذي دفع في جارية واحدة، فارسل إليه مهددا:

ـ ايها الارعن ، تخلص منها فورا وإلا قمت بالحجر عليك ونحيتك عن ولاية العهد.

لم تكن للخليفة العين الذي يرى بها حبابة ، ولا الأذن التي يستمع بها إلى شدوها، كان فقط يملك قوة الأمر والحسم، وهكذا بروح منكسرة طرح يزيد حبابة للبيع مرة اخرى ، وعرف الجميع ذلك فساوموه عليها وبخسوا سعرها، لم ينس نظرة اللوم والعتاب التي القتها عليه حبابة وهي تمضي إلي مصر مع مالكها الجديد ، كانت حلما جميلا لم يستطع الحفاظ عليه وبيع بنصف ثمنه، تركت حياته خالية بلا شدو ولا جمال ، وظل هذا الامر يحز في نفس يزيد حتى بعد ان امتلك ذلك العالم الواسع ، ظلت حبابة هي الأمنية التي عجز عن تحقيقها، لذا رفع رأسة وتأمل زوجته بنظرة شاردة، وقال بصوت حالم :

ـ حبابة

كان الأمر أكثر من مجرد غيرة زوجة تريد أن تستأثر بزوجها ، كان يخص كل بني امية ومصالحها المهددة، وكانت "حبابة" هي مفتاح الغز الذي يبحث له الجميع عن حل، أنطلقت الرسل بسرعة إلى كل مكان في مصر تبحث عن التاجر الذي اشتراها ، خصصت سيدة الخلافة المال اللازم لشرائها ، وتفرغ الوالي الاموي في مصر للبحث عن حبابة واستخلاصها، وتمت الصفقة في أسرع وقت ، وحملت الفتاة على الخيل السريعة إلى الشام ، لم يكن هناك وقت لأن تحمل داخل هودج مريح فوق ظهر جمل ، كان يجب ان تصل إلى دمشق قبل أن يندم الخليفة على نقطة ضعفه التي كشفها.

وقفت حبابة ، مجهدة ومرعوبة ومغطاة بالرمل امام زوجة الخليفة ، تأملتها سعدة، كانت اصغر وأجمل ، ولكنها كانت رهيفة بحيث لا تثير العداء، أمرت جواريها بأن يحمموها ويعطروها وان يلبسوها افخر الثياب ، وانتظر الجميع.

في المساء ، عندما جلست سعدة إلى الخليفة الذي كانت يبدو حزينا وشاردا أعادت عليه نفس السؤال مرة اخرى:

ـ يا أمير المؤمنيين ـ يازوجي وابن عمي ـ هل بقي لك شيء من الدنيا تتمناه

قال : لقد أخبرتك من قبل.

وصفقت سعدة بيدها، فانزاح الستر وبدت حبابة من خلفة ، منهكة وبهية ومندهشة ، لؤلؤة أخرجت لتوها من البحر ، وتأملها يزيد وهو غير قادر على الكلام، وتركتهما "سعدة" ولكنها لم تبتعد كثيرا ، وقفت تتصنت خارج الباب وقد بدأت الغيرة تدب في قلبها ، لم تكن قد رأت في وجه زوجها مثل هذه العلامات من اللهفة والفرح من قبل، لا لها ولا لغيرها، لم تسمع شيئا ، لا اصوات حديث، ولا أنغام غناء، ولا تأوهات الحب ، ماذا يحدث بالضبط؟ ،

لم تطق سعدة صبرا ، دفعها فضولها للدخول مرة أخرى رغم أنها كانت تجازف باغضاب الخليفة، ، كان مايزال جالسا في مكانه ، وحبابة في مكانها، وولكن هناك ستر منسدل بينهما، كل منهما يشعر بوجود الأخر، ولكنهما منفصلان، وقفت سعدة مذهولة وهي تقول :

ـ مابالك يامولاي ، هذه "حبابة " التي أبتغيتها طويلا.

نظرإليها يزيد بعيون غائبة وهو يقول :

ـ بلى ، ولكني أخاف الله.

الغواية الرابعة 11mmer3.gif

في الصباح فوجئ الخليفة ، بمشايخ دمشق وعلماؤها وهم يطلبون الدخول إليه، كان من الواضح ان هناك أمر جلل لا يحتمل الانتظار، كانوا اربعين شيخا، أشكالهم مهيبة، ولحاهم بيضاء ومسترسلة، يلبسون العباءات الواسعة ، ويضعون على رؤوسهم العمائم الضخمة وفي ايديهم كتب ومسابح ومصاحف، جلس مبهوتا وهويقلب نظره فيهم، تقدم أمام المسجد الكبير وهو يقول :

ـ جئنا يامولاي من اجل خيرك وخير الناس، فأنت تأخذ نفسك بالشدة ، وتبالغ في التقشف ، وتحرم نفسك من كل متع الدنيا وملذاتها.

قال الخليفة وهو مازال مدهوشا : وانما اخاف الله ، وابغي مرضاته

كان جسده قد غدا نحيفا، ومازال يستيقظ مبكرا ، فيصلي بالناس ، ويطوف بالأسواق والسجون، وأحس بني أمية بالخطر الحقيقي عندما أخذ يفرج عما فيها من سجناء، خاصة أعداء الدولة من العلويين، كان من المهم أن ينام الخليفة متأخرا، حتى لا يستيقظ مبكرا إلى هذا الحد ويحدث كل هذا القدر من المتاعب.

وبادر الشيخ الإمام ففرد امامه رقعة كبيرة من الجلد مكتوب عليها آيات كثيرة وأحاديث أكثر وهو يقول :

ـ هاقد جمعنا كل ماقيل في احكام السلطان من فتاوي واحاديث، وكلها تجمع على شيء واحد ومؤكد، ليس على الخلفاء والسلاطين حساب ولا عقاب في الآخرة.

هتف الخليفة مدهوشا : أتقول الحق ؟

تفدم اكثر من شيخ وإمام ، اقسموا على لك ، أمسكوا لحاهم البيضاء في تأكيد ، وهزوا عمائهم الضخمة في ثقة، وفتحوا كتبهم وهم يتصايحون ، وعاد الشيخ يقول :

ـ كلنا متفقين في هذا الراي ، فالسلطان القوام لا يحاسب ، والخليفة القادر لا يعاقب، وما يتحمله في الدنيا من اعباء الحكم يكفيه ويجعلة بريئا وطاهرا امام رب العالمين ,

ونهض الخليفة واقفا وهو يصرخ : يا صاحب الشرطة

ودب الرعب في قلب كل المشايخ، ادركوا انها النهاية، ظلوا يترقبون مقدم صاحب الشرطة بقلوب واجفة ، ولكن عندما دخل بادره الخليفة قائلا :

ـ من الآن فصاعدا سوف تصلي أنت بالناس

واحنى صاحب الشرطة رأسه وهو يخفي ابتسامته ، وتنفس شيوخ دمشق الصعداء.

أخيرا أنطلق صوت حبابة بالغناء:

كفا حزنا بالهائم الصب أن يرى

منازل من يهوى معطلة قفرا .

حانت لحظنها أخيرا، تفرغ لها الخليفة، استقظت في داخله كل الرغبات القديمة، وسمعت الزوجة في الليل صوت ضحكاتهما وتأوهاتهما، أخذ القصر كله يتجسس عليهما ويحرص على سماع اصواتهما، كانوا جميعا يريدون الاطمئنان ان الخليفة لن يفلت بعد الآن من من فخ الغواية المغري.

اصبح يزيد بن عبد الملك منشيا على الدوام ، سكران معظم الوقت ، وبعد ان كانوا يخشون خروجه إلى الناس حتى لا يكشف كل شيء، اصبحوا لايريدون خروجه حتى لا يكشف الناس عن حالته، واحست حبابة أيضا انها مراقبة من الجميع، وأن زوجة الخليفة قد بدأت بالتحرش بها، واتفقت هي ويزيد أن عليهما أن يغادرا هذا المكان.

وجاءت اللحظة التي أنتظرها بني أمية ، حين جمعهم وقال لهم:

ـ لقد قررت ان أعتزلكم ساذهب انا وحبابة وحدنا إلى قصر الغوطة

وهكذا خرج الخليفة من مركز الحكم إلى أطراف عاصمته، كانت المسافة قليلة، ولكنه خرج من مركز العالم كله دون أن يدري، ترك عرشه خاليا يتنازعه الجميع، كانت الغوظة باردة الهواء كثيفة الأشجار، نضرة الفواكه ، ولكنها لم تكن العالم الحقيقي، فرش القصر بالبسط والنعم، وملاؤه بالجواري وعازفي الموسيقى ومقطري الخمر، ولم يقبل أن يدخل عليه قاض او رسول ، تفرغ لحبابة بكل طاقته وكامل وقته.

ولكن المتعة حلم عابر كما يقولون، كانا جالسين معا وبينهما طبق من اعناب الغوطة، كانت تقذف له حبة فيلتقطها بفمه ، ويقذف لها اخرى فتلتقطها بفمها ويقبلان بعضهما ثم يعاودان الكرة، ولكنه فوجئ بها وهي تشرق وتسعل بشدة ، ضحك منها ومن عنقها النحيل ، وحسب انها سوف تلفظ حبة العنب أو تبتلعها ، ولكنها لم تستطع، تغير وجهها وازرق فجأة ، وأصبحت عاجزة عن التنفس ، كانت الحبة اللعينة قد توقفت في مجرى قصبتها الهوائية، صرخ الخليفة ينادي من ينقذها ، كانت دمشق بعيدة ، والاطباء أبعد ، وانتفض جسد المختنقة وهي تجاهد عبثا لتظفر ببعض من الهواء ، ثم همد كل شيء.

صرخ يزيد يطلب منها أن تستيقظ وأن تغني وان تمارس الحب معه ، وعندما جاؤا سريعا من دمشق ، حاولوا ان يبعدوه عن جثتها ، أن يأخذوها منه ليدفنوها ولكنه صرخ فيهم وظل يحتضنها ويقبلها.

مر اليوم الاول وهو يحاول ان يبعث الحياه في جثتها ، كان يعتقد أن حبه لها قادر على ذلك، ظل يحتضنها ويقبلها لعله ينقل إليها بعضا من روحه ولكن مع توالي الأيام بدأ السيد الموت يفرض رائحته الثقيلة وحضوره الدائم على المكان ، ضاع العطر وتبدد الجمال وذرت الروح ولم تبق إلا رائحة العفن، بعد أيام لم يكن أحد قادرا على الاحتمال، انتزعوا بقايا جسدها منه وهو يبكي، وبعد أن تم دفنها ظل مقيما على قبرها رافضا أن يذهب إلى أي مكان آخر، ، كان يدرك أن النهاية قادمة ، وعندما تحين اللحظة لم يكن يريد أن يكون بعيدا عنها ، فقد جسده ارادة الحياة، وأخذته الغواية إلى أبعد مداها، وأختصرت دولته الواسعة ـ التي كانت تمتد من حدود الصين إلى هضاب الأندلس ـ إلى تلك البقعة الصغيرة من الأرض ، وكان آخر الملوك الذين ماتوا عشقا..




د.محمد المنسي قنديل؛
عن مجلة العربي؛ harsh.gif


زهره حبيسه 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif





لحظة تاريخ: 11ap.gif


الخليفة جائعا.. 11mmer3.gif


كان قد لبث في الحكم طويلا ، ستون عاما كاملة ، تواصل عهده وامتد ظله حتى عبر حدود مصر إلى سهوب الشام شمالا ، وجبال اليمن جنوبا ، ورفعت الخطب بأسمه على منابر بغداد ومكة، وشهد أياما من العز لم يشهدها ملك من الملوك ، تلتها أيام من الشدة، جفت فيها الضروع وفني الخلق، ثم شاخ عقله ، ووهنت عزيمته ، وانسحب ظله فلم يعد يحيط إلا ببقعة صغيرة حول القصر الذي يعيش فيه، وسبحان الذي يغير ولا يتغير.

العشر الأولى: bb.gif سنوات الصبا

كان المستنصر بالله في السادسة من عمره عندما نودي به سلطانا على مصر، أحاط به الوزراء والقادة الضخام الحجم، وكان العرش أعلى من أن يستطيع الوصول إليه، والحرس يهزون رماحهم ويدقون صدورهم في أصوات مخيفه، ألبسوه عمامة ضخمة ، وعباءة واسعة أخذ يتعثر فيه حتى أنكفأ على وجهه ، ووضعوا له درجا خشبيا حتى يصل للعرش ، وبينما كان القاضي يتلوا كلاما غامضا، كان "معد" الصغير يدور بعينيه بحثا عنها ، عن وجهها الأسمر وطولها الفارع وشعرها المهوش كرأس نخلة ، يتمنى أن تنتهي كل هذه المراسيم المتعبة لتأتي وتأخذه في احضانها بعيدا عن الضجة والزحام، وعندما صاح القاضي يعلن انه اصبح سلطلنا على مصر ، وأن لقبه من هذه اللحظة أصبح المستنصر بالله الفاطمي ، لم يدر لماذا يغيرون اسمه ، ولا لماذا ينحنون أمامه ثم ينسحبون دون أن يديروا ظهورهم له، بل يواصلون التحديق فيه بنفس النظرات الغاضبة ، وعندما اصبحت القاعة خالية أخيرا خرجت هي من وراء الستر، وجهها الأسمر مشرق بإبتسامة رائعة ، فقز من فوق العرش وارتمى في أحضانها وهو يهتف:

ـ أمي ، أنا خائف منهم جميعا .

احتضنته وقبلت جبينه ، كان هو كل املها ورهانها الاخير، قالت:

ـ لا تخف ، سوف نستعين بمن هو اقوى منهم جميها ، أبو سعد التستري

كان جسدها يرتعد وهي تردد الأسم ، تتذكر اللمسات الأولى التي وضعها على جسدها البكر، رعشات الرغبة والخضوع ، كانت جارية صغيرة حين جاءوا بها من السودان ، جسد ابنوسي ولكنه غض وساذج، وعندما عرضت في سوق الجواري اشترها اليهودي ابو سعد بثمن بخث، رأي فورة الرغبة المختبئة في جسد طفلة وهي تنتظر من يكتشفها ، ويجعلها تتفجر، نضجت في فراشه، تحولت إلى أنثى مكتملة تحت اصابعة، أصبحت محظيته والجارية الأولى في بيته، وفي ذات ليله اقبل الخليفة الظاهر لدين الله الفاطمي حتى يسهر في مجلسه ، ورآها الخليفة وهي تغني وترقص وتقدم أقداح الشراب، فلم يستطع ان يرفع عينيه من عليها ، ظل يشرب من يدها ولا يرى إلا ابتسامتها، هلال منير وسط سمرة وجهها، و أبو سعد يراقبه بأعين ماكرة ، وعندما طلب منه الخليفة أن يبيعها له ، قال :

ـ انما هي هديتي لك يامولاي ، على أن تهديني أرضا مقطـوعة بجانب بركة "الرطلي"

وتمت الصفقة في نفس الليلة، ظفر الخليفة بالجارية السمراء، واقتنص اليهودي قطعة كبيرة من الأرض، بني عليها بيوت لاهله وعشيرته سميت فيما بعد "حارة اليهود" .

اليوم يعاود نجم ابي سعد في الصعود من جديد ، يدخل قصر الخليفة المستنصر مدجج بجيش من الحرس والكتبة وكلهم من اليهود، تستقبله أم الخليفة بجسد مرتعد وتطلب منه ان يشرف على إدارة أملاكها، ولكنه وأتباعه ينتهزون الفرصة ويمدون اصابعه إلى كل مكان تتدفق منه الأموال، الضرائب والمكوس والجبايات، يبحثون خلف أموال الخليفة ، وأنصبة العسكر ، وريع كل القرى والدساكر، وبدأ الحنق يتصاعد لدى وزير الدولة "العلاجي" ولدى القادة القدامى من الترك والمغاربة ، أدركت أم الخليفة ذلك فأنشأت حرسها الخاص، كان حرسا أسود كلهم السودانيين ، يدينون لها بالولاء المطلق، وأطلقت عليهم الحرس الملوكي ، واضافت سببا آخر لغيظ القادة وحدوث النزاعات المستمرة ، وكان الخليفة الغلام أخر من يعلم بالجمر المضطرم تحت الرماد، أثناء الاحتفالات بسفر الحجيج إلى مكة ، سكر الجنود من كل الألوان ، وشهروا السيوف وبدأ القتال بين الترك والعرب واليهود والمصريين والسودانيين ، ولم تهدا الفتنة إلا بعد قتل جمع هائل بما فيهم ابو سعد التستري نفسه، وأحست السيدة السوداء بالحنق والغضب ، وبدأت من جديد في الإعداد للانتقام.

العشر الثانية : bb.gif سنوات النضج

كانت سنوات هادئة، ولكن جسد الخليفة كان مضطرما، بلغت الدولة أقصى حدها من القوة والمنعة والثراء، ولكن قوته ظلت ناقصة ، ظلت أمه تحرك الجميع من خلف الستر، تملي أوامرها ، وتختار عشاقها دون أن يجرؤ أحد على معارضتها، وكان المستنصر يلقي على وزيره الأكبر أوامر متضاربة ومتناقضة ولكنها في الأغلب لم تكن تنفذ، كان كل شيء متاحا أمامه ولكنه لم يدر ماذا يريد، إلى أن رأى "شاهي" امامه، إمرأة فارهة، لم ير أحد في جمالها، كانت زوجة"معز الدولة" والي حلب، لم يذهب المستنصر إلى مدينتها، ولكنها هي التي جاءت إليه بمفردها بعد أن تركت زوجها يحاول أنقاذ مايمكن انقاذه من مدينته المحاصرة.

حين دخلت إلى قاعة العرش ادهشها بياض المرمر الذي يكسو الأرض ، وحسبت أنها سوف تخوض في بركة من المياه ، رفعت ثوبها وكشفت عن ساقيها ، بلقيس جديد، شامية وناصعة البياض ، ليست بسواد أمه القاتم، وقفت أمام عينيها فرأى صفاء عينيها وسبائك شعرها ، قالت وهي تحنى رأسها:

ـ مولاي..أرسلني زوجي لأعرض عليك السلام

ولكنها زادت من اضطرابه، كان زوجها قد حاول أن يستقل بولايته عن سلطة الخليفة، واشتعلت بينهما حروب لا تنقطع ، ورغم أن " معز الدولة" قد استعان بالعباسين وبملوك الروم ، إلا أن جيوش المنتصر كانت له بالمرصاد ، حاصرت مدينته وأخذتفي دك أسوارها وأخذت تطلب رأسه ، ولم تجد الزوجة الشهية والوفية من سبيل إلا أن تقطع الصحراء وتقتحم اسوار قصرالخليفة لتنقذ حياة زوجها.

كيف يمكن رفض طلبها أو رد وساطتها، طلب منها المستنصر بصوت منبهر أن تنزل على قصره ضيفة عزيزة ، ووعدها أن يبعث برسالة عاجلة لقائد جيشه حتى يتراجع عند أسوار حلب ، وافرد لها مكانا خاصا في الحريم، ظل مذهولا في مكانه على العرش ، وعندما جاءت امه لتستجلي الخبر لم يطق النظر لإي وجهها الأسمر المليئ بالتجاعيد.

في منتصف الليل ذهب إلى غرفتها، وجد"شاهي" نائمة تحت ضوء القمر ، أكثر بهاء من ضوء النهار، نهضت فزعة وهي قالت :

ـ مولاي ، ماذا سيقول زوجي؟

قال وهو يجذب ردائها: هو الذي أرسلك إلي.

كانت هذه تجربته الحقيقية التي لم ينسها أبدا ، ونقطة تحوله أيضا ، لم يكتشف فقط الرجولة الكامنة في جسده الغض، ولكنه مدى السلطة المطلقة التي يتمتع بها أيضا،كان أول مافعله في الصباح أن أمر أمه أن تتوارى داخل الحريم ، وأن تكف عن ألقاء أوامرها للوزراء والقادة، وأن ينزع منها لقب السيدة صاحبة المقام ، وأمر قائده ناصر الدولة الطفيلي أن يطارد كل السودانيين المسلحين من بقايا جيش أمه ، وأن يدخل كل اليهود إلى حارتهم مرة أخرى ، أرتفع صوته عاليا ونافذا وآمرا للجميع ، كانوا يعلمون بزياراته الليلية لزوجة الوالي ، ولم يتصوروا أن يدخل غرفتها غلاما مراهقا ويخرج رجلا ناضجا شديد الثقة بالنفس .

كانت مهمة "شاهي" كرسوله قد طالت أكثر مما ينبغي، وأدت من المهمة أكثر مما هو متطلب، لذا فقد اعلنت للمستنصر عن عزمها للعودة لزوجها ، ولكنه هتف بها:

ـ ولكن زوجك هنا ؟

وعندما نظرت إليه في دهشة ، سحبها من يدها ، سار بها عبر ممرات طويلة ، وهبط بها فوق سلالم زلقة، وادخلها إلى نفق رطب ومظلم ، وهناك شهقت من رعب ، كان زوجها فعلا في أنتظارها ، ولكن لم يكن باقيا منه إلا رأس معلقة فوق على أسنة الرماح.

العشر الثالثة: bb.gif سنوات القوة

من فوق كل المنابر ، من نهر سلا بالمغرب إلى شط العرب بالعراق، ارتفعت الدعوات بنصرة الخليفة المستنصر، كان في عنفوان شبابه، والدولة في اوج قوتها، لا ببأس جيوشه فقط، ولكن بواسطة أتباعهالذين كانوا يواصلون الانتشار، أستطاعوا أن يصلوا إلى بغداد، وأن يستولوا على عاصمة العباسيين للمرة الأولى، واضطر الخليفة المقتدي بالله للهرب باحثا عن انصار له وسط الأتراك السلاجقة ، أرتفع اسم المسنتصر أيضا مفوق منابر الحرمين في مكة والمدينة، ووصلت أصداءه إلى جبال اليمن ، لم تكن في الارض كلها ـ في ذلك الزمن ـ دولة بنفس قوته ، ولاملك في جاهه وسلطانه ، ولا رخاء كالذي حدث في عهده ، ولم ينس الناس تاريخهم الطويل مع الجوع والشظف إلا في تلك الأيام ، ولكن هذا لم يدم طويلا ، لان النيل كان قد بدأ يغضب.

العشر الرابعة: bb.gif سنوات الشدة

غاض النيل، حان وقت الفيضان ولكنه ظل ساكنا أسفل الضفاف، كانت مياهه فاترة رخوة ، لا تحمل تلك الحمرة المتوهجة التي يكتسبها النيل من تفتيت صخور الحبشة البركانية ، ولا تتدق بالغزارة التي تستمدها من بحيرات الزنج، كان أعجز من يصل إلى الارض التي امتلأت البذور واستعدت لاستقباله.

لم ترحل السفن للصعيد، ولم تأت الغلال، وسحب التجار كل ماكان معروضا منها، وتضاعفت الأسعار بين ليلة وضحاها، ولكن كانت هناك بقية من رخاء فائت، احس الناس انهم يستطيعون المقاومة حتى تنتهي تلك الغضبة المؤقتة للنهر، وحتى السلطان نفسه، لم ينتبه لم أصاب النيل ، كان مشغولا في الصراع مع وزيره ناصر الدولة، النجم الجديد الصاعد الذي قمع السودانيين وقتل والي حلب، واعاد اليهود إلى حارتهم ، كانت أم الخليفة هي أيضا التي أكتشفت مواهبة ، أعجبها لون جلده الشاحب، وعينيه الملونتين، فقربته أكثر مما ينبغي، فتحت أمامه كل خزائن الدولة الممتلئة فأخذ يغرف منها، ولكن المستنصر كان قد سئم منها، من تقلب أحوالها وكثرة عاشقها ، ولكن كان يعرف أن معركته معها خاسرة ، وانها كلما تقدم بها العمر تزداد تلهفا على الجنس ، لذلك قرر ان يشق جيش ناصر الدولة من حوله، فالجند يتبعون دائما قائد أوحد هو الذهب، لذا فقد بذل منه الكثير، أنشق جزء كبير من الجيش وتخلى عن الوزير ، وخاض المستنصر أول معاركه في مواجهة عشيق امه وانتصر فيها، ولكنها لم تكن هزيمة نهائية ، فقد هرب ناصر الدولة للأسكندرية وأخذ يستعد للمعركة القادمة .

وفي العام التالي النيل غاض أكثر، ظهرت القيعان الطينية للترع والرياحين ، وانكشفت بقايا عظام الغرقى من حيوانات وبشر حادة وعارية، كأنها تحذرهم من الكارثة القادمة، أشتدت أيام الجوع ، توقفت الأفران عن العمل، وارتفع ثمن الرغيف الواحد في حارة القناديل إلى 15 دينارا كاملا، وخلت مخازن الخليفة من الغلال فهبط جنوده يضربون الناس في الطرقات ويخطفون مافي أيديهم من اقوات ، اصبح هناك سعر للقطط والكلاب ، من ظفر بها فقد ظفر بوجبة شهية وتم القضاء على جميع الخيل والبغال والحمير.

ظل النيل يغيض ، نامت الطحالب على حصى القاع صفراء واهية ، وبدأ المصريون يأكلون بعضهم البعض، بلا تردد ولا اشمئزاز ودون ضغينة، كانت هذه هي المرة الأولى وربما لن تكون الاخيرة، في البداية كانوا يستدرجون الاطفال والنساء إلى أماكن خالية ثم يقومون بذبحهم وبيع لحومهم ، ثم اصبحوا أكثر جرأة ، فأخذوا يقفون على اسطح المنازال وهم يمسكون بحبال مربوطة في نهايتها كلابات من المعدن، يلقونها على المارة ويجذبون أجسادهم العالقة ، حتى الخليفة نفسه أصابه الفقر والمجاعة ، حاصره الجنود وأخذوا مايقدرون عليه من نفائس قصره وهو عاجز عن ردهم ، ثم هبط بنفسه جالس أمام القصر وقد كوم خلفه الأشياء الثمينة التى تركها له أجداده من سيوف ودروع مرصعة بالجوهر وأطباق من الذهب والفضة ، ثياب وعباءات مطرزة بالذهب وخيوط الفضة، وهو يقول باكيا:

ـ من يأخذ هذا مقابل رغيف من الخبز ، من يتصدق على خليفة المسلمين.

ونهبت مكتبة القصر التي كانت تحتوي على ألاف المجلدات ، مزق الجنود الترك اوراقها ونثروها ، وأخذوا اغلفتها الثمينة وجعلوا منها نعالا لهم ، خرجت نساء الخليفة هائمات على وجوههن، مكشوفات الرأس حافيات الأقدام ، يستجدين الجميع ولو كسرة من الخبز ، وعندما سقطن على الأرض من فرط الإعياء كان الجوعى في أنتظارهن، وكانت هناك حارة في الفسطاطاط فيها عشرين بيتا من اجمل بيوت القاهرة ، بيعت كلها في مقابل طبق من الخبز، وسميت حارة الطبق حتى الآن، وهبط سيدة من الأشراف من بيتها وحلت عقدا من الجوهر كان حول عنقها وهي تناشد الجميع من أجل رغيف من الخبز في مقابل كل هذا الجوهر ، ولكنه لم تجد من هو على استعداد لمبادلتها ، فألقت العقد وهي تقول : إذا لم تسد رمقي فما هي فائدة أي جوهر ، وسارت ذاهلة ، وظل العقد في مكانه على الأرض لايام عديده دون ان يأبه به احد.

وجف النيل أكثر حتى أنشقت القيعان، فانتشر الوباء، امتلات البيوت والقصور والمساجد والطرقات والأزقة بالموتى ، في كل يوم كان يموت أكثر من عشرة ألاف نفس جوعا ومرضا ، لم يكن هناك من يقدر على دفن احد، وركضت الفئران ننشر الطاعون في كل مكان، وافرغت قرى ومدن باكملها من كل مافيها من بشروحيوان ، تحولت إلى مقبرة مفتوحة لا يسمع فيها إلا دبيب الفئران ولا يشم غير رائحة العفن.

وعنما جاء ناصر الدولة أخيرا من الاسكندرية لم يجد من يقاومه أو يواجهه ، سار هو وجنوده وسط طرقات مليئة بالموتى، ودخل قصر الخليفة فوجده خاويا ومعتما ، لايوجد به حارس واحد ، دخل إلى الطرقات الممتدة ، رأى الغرف كلها خالية ، بلا اثات ولا رياش ، قاعة العرش كانت بلا عرش، وكان الخليفة يجلس على قطعة متهرئة من سجادة رومية، وليس أمامه إلا رغيف واحد من الخبز تصدقت به واحدة من اقربائه، وكانت عظامه بارزة ونظراته ذاهلة ، ولم يدر من الذي الذي يقف أمامه.



العشر الخامسة: bb.gif سنوات البعث

استيقظ النهر أخيرا ، جاء بمياهه الحمراء المتوهجة ، أرتفع حتى فاض على الضفاف، ولكن لم يكن هناك من يغرس او يزرع ، القرى خالية والسواقي صامتة، والارض السوداء التى تهيأت وتغطت بالطمي تنظر من يشقها ويخرج ثمارها، كانالسيد الصامت الموت مازال بفرض سطوته على الوادي الممتد، لأكثر من عام ، والنيل يفيض ثم يغيض دون أن تدور ساقية ، او يشق باطن الأرض محراث.

ثم حدثت المعجزة المصرية التقليدية ، ظهر الفلاحون ، بذرة الخلق، سر البقاء في هذا الوادي ، الذين لا يملكون ولا يحكمون ، و يمارسون إعمار الارض بفطرة وتلقائية، ظهر قلائل منهم ، الذين نجوا من الجوع والوباء ، خطوا على الارض كأنها الخطوات الاولى في بدء الخليقة ، دفنوا موتهم ورمموا ترعهم وأصلحوا سواقيهم وأخذو بغرسون بذور القمح والذرة والشعير، تلك اللمسة السحرية التي كانت دوما تنقذ سكان الوادي من الانقراض ، وتمكنهم من مقاومة الغزاة والأوبئة والفياضانات وعسف الحكام، وعلى مدى آلاف السنين، في كل يوم مثل دأبهم ، كانت أجسادهم تتشرب ندى الفجر ولا يجف عرقهم إلا مع غياب آخر ضوء ، بدأ الوادي يبعث من جديد.

أما في القاهرة فقد كانت الصراعات مازالت محتدمة حول قصر الخليفة ، لم تهدأ إلا بعد ان قتل ناصر الدولة ـ كالعادة ـ على يد واحد من اقرب الناس إليه ، ثم اقبل حاكم عكا القوي بدر الدين الجمالي كي يهزم كل فلول المتمردين ويعيد بناء القاهرة المخربة من جديد .

أخيرا .. bb.gif العشر الأخيرة.

كان السلطان جائعا، وسيظل جائعا ، أنتهت الشدة ولم تغادر جسده وخز آلام الجوع، تكاثرت الغلال ، وامتلأت الاسواق بالدواجن الزبد والجبن وسلال البيض ، وعادت الحيوانات الضالة للتجول في الحواري ، وتبادل الجيران الذين أكلوا لحم اهلهم نظرات خجلى دون لوم او عتاب، ولكن الخليفة ظل يستيقظ في منتصف الليل وهو يصيح:

ـ أنا جائع ، أنا ميت من الجوع

وفي البداية كان الطباخون يسرعون بإيقاد النار ، وتدب الحركة في المطابخ السلطانية، يعدون سماط ضخم ، ولا ينسون اطباق الفاكهة والحلوى، ولكن ما ان يأكل الخليفة لقمة أو اثنيين حتى تتقلص بطنه ، ويحتقن وجهه ويتقيأ كل شيء، ثم لم يعودوا يأبهون بصراخه، كانوا يعرفون أنه سيظل يتلوى من ألم الجوع حتى يأتيه رغيف الصدقة ، كانت قريبته مازالت تواصل إرساله، وكان هو اللقيمات الوحيد الذي تتقبله معدته وتستقر في بطنه ، كان يهدأ قـليلا ، ولكن ما أن يشاهد الأسمطة التي يحتشد بها القصر ، ويشم رائحة الطعام القادمة من المطابخ حتى تتلوى امعائه ويعود للصياح من جديد .. أنا جائع ..و تتواصل دورة الصراخ والبكاء.

وأخيرا يموت المستنصر جائعا بعد ان اطال البقاء ، وتثاقل ظله فوق أرض الله وعباد الله.



د.محمد المنسي قنديل bigstar.gif

عن مجلة العربي؛ type.gif


زهره حبيسه 08.gif



زهره حبيسه
Bismillahs.gif


لحظة تاريخ 11ap.gif :

هذه ليلتنا الأخيرة معا 11mmer3.gif


كان حراسه من البربر قد تركوا مواقعهم، وساروا خلف جارية تتثني واختفوا معها في أحراش حديقة القصر.

وكان حراسها من الصقالبة قد شربوا خمرا معتقة من كروم بلنسية وناموا في اماكنهم وهم يصدرون أصوات شخير عالية.

وكان البناؤون قد أحضروا معداتهم، وسلال الملاط والأحجار والصبغات ووضعوها في مكان خفي داخل القصر وكمنوا في أنتظار الأشارة المتفق عليها.

لم يكن هناك قمر، وبدت سماء قرطبة مظلمة بأكثر من العادة، وغادرت السيدة الجليلة "صبح" غرفتها حافية القدمين ، سارت كطيف شاحب على الرخام البارد في الممرات الطويلة، كان كل شيء صامتا حتى أنه كانت تسمع صوت حفيف صوتها، ووجيب قلبها، كانت غرفة "إبن عامر" في نهاية واحد من هذه الممرات الغامضة التي كانت تثير في داخلها الرهبة والرغبة، عندما وقفت بالفرب من بابه كان كل جسها يرتجف،لم تعد الرغبة هي السبب هذه المرة، توجس وخوف وترقب، كانت هي وكان هو يعرفان أنها ليلة الوداع الاخيرة، وكان لا بد أن يلتقيان، ولم تكن في حاجة لأن تطرق باب غرفته، ، كان في انتظارها ، حتى دون موعد مضروب بينهما.

كان ابن عامر جالسا متكئا على فراشه ، ولكنه لم يتحرك وهو يراها تقترب، لم يأخذ جسدها المرتجف في أحضانه، هل ماتت رغبته؟ أم انه خائف من الاقتراب منها، رأت عينيه النافذتين المتألقتين وهما تحطان عليها، التقطت انفاسها وهي تقول له:

ـ ها أنا ذا اسعى إلى غرفتك

قالت في صوت هادئ: لطالما سعيت إليك يامولاتي ، وسوف اظل اسعى

كان يكذب ، تغير الفتي النحيف الذي وقف أمام بابها للمرة الأولى وهو يرتجف ، لم يقدر على النظر إلى وجهها الوضاح فانحنى على الأرض وقبل أطراف ثوبها ، كانت هذه هي ايماءة الضعف الوحيدة التي قام بها، بعد ذلك أنتصب واقفا كعود غاب لاتثنيه الريح، كان مايزال مجرد كاتب صغير على باب القصر ، جاء من قرية صغيرة أسمها "تركش" ، وافتتح دكانا صغير بالقرب من درج القصر لا يتسع إلا لمنضدة ومحبرة وعدة اقلام من البوص ، لم يكن هناك ما يميزه إلا اسلوبه المنمق وخطه الجميل، وبدأ طلاب الحاجات يلجأون إليه من أجل كتابة الرقع والعرائض التي يريدون رفعها للخليفة أو للوزير أو حتى لها ، كاتب مغمر يقف أمام سيدة القصر الأولي ، منذ أن ألزم المرض الخليفة "الحكم" الفراش ، وقد أمتلكت هي ناصية الأمور، في يوم ذات يوم عندما تكاثرت الرقع قالت لحراسها من الصقالبة:

ـ آتوني بذلك الرجل الذي يكتب هذه الأنامل الجميلة.

كان حركة الحروف العربية التي لا تكف عن الاستدارة والتداخل تمثل لها لغزا محيرا، كانت تقرأ العربية بصعوبة رغم طلاقة لسانها ، وقفت جذورها الأسبانية أعائقا أمام تعلمها لهذه اللغة، عندما تم أسرها في أحد الغزوات، وعندما أقتادوها إلى مجلس الخليفة بهر بجمالها الصامت، بجلدها الأبيض الشاحب كضوء القمر، وجدائل شعرها الذهبي، وعينيها الزرقاتين القلقتين ، ضمها إلى حريمه المزدحم بنساء من مختلف الجنسيات، عرب وحبش وغجر وترك، ولكنها صعدت من بينهن لتصبح السيدة الوحيدة، سيطرت على فراشه، ثم سيطرت على عقله، وعندما مرض الخليفة خرجت من وراء الأستار ، بدأت تخاطب الوزراء والقادة دون حجاب، وبدأت تعاقب من يجرؤ على التقليل من شأنها دون رحمة، ولكن هذا الشاب العربي بسمرته الداكنة وقف أمامها دون ان يتخاذل او يخفض رأسه، ولكن عينيه هو ايضا تموضان كأن في دخله ضوء برق لا ينقضي ، لم تحس بالضعف تجاه، ولكنه لم ترده أن يبعد عنها، قالت له في صوت مكتوم :

ـ اغلق حانوتك ، فإن لنا حاجة اليك في هذا القصر.

فكيف تبدل الزمن منذ هذه اللحظة الفريدة؟.

قالت: هذه الليلة هي موعدنا الدائم منذ سنوات ، أنتظرتك أن تأتي ، لكنك لم تفعل، هل شعرت بالملل ، أم بالخوف ؟

كانت تحدق فيه ، قال :

ـ حاشا أن أمل منك ، ولكني أحسست أن عيون الخليفة تلاحقني، ورجال المصحفي يراقبون خطواتي

كان يكذب، وكان كلاهما يعرف أنه يكذب، منذ ان دخل القصر وقد تعلم ابن عامر أن عليه أن يجيد لعبة الكذب ، كان الجميع يتصارعون حول فراش الخليفة المريض، ولكنه توجه مباشرة إلى فراشها، كان جسدها يستجيب بمعزل عن شخصيتها، ولكن كان عليها ان تحميه من سيوف الحراس القييمين على الخليفة، ومن مكائد "المصحفي" حاجب الخليفة ووزيره الاول، وقد فاجأتهم جميعا حين لم تبق غبن عامر في الظل، أخذته للخليفة وقدمته له بشكل عادي وطبيعي:

ـ هاهو شاب من نجباء العرب يمكن ان يساهم في تولي تسيير امور دولتنا.

لابد أن الخليفة قد احس بتلك الرعدة الخفية في صوتها وهي تحدثه عن هذا الشب الاسمر، زلكنه لم يكن قادرا على رفض يرفض طلبها ،كل ما فعله أنه حول أن يبعده عنها، كلفه أن يتولى أمور الزكاة والمواريث في أشبيلية، قذف به بعيدا، لم تجرؤ "صبح" على مخالفة امر زوجها ، ولكن العلاقات التي بدأت، لم يكن لها أن تنقطع ، ظل أبن عامر يرسل لها الكتب والهدايا ، ويدبج القصائد بخطه الجميل، وكلما تدهورت صحة الخليفة زاد شوقها بالحاجة إليه، كان ابنها المؤيد في مازال في الثانية عشر من عمره، و الطامعون في عرش أبيه أكثر من عدد الاعمدة في مسجد قرطبة، وكان أمانها الوحيد أن يكون ابن عامر بجانبها.

جلست على حافة الفراش، لم تجرؤ على أن تمد يدها وتلمس صدره، ولا أن تحس بخشونة لحيته، قالت:

ـ لا اعتقد ان العيون تلاحقنا حتى ونحن وحدنا في هذه الغرفة

أحس أن عليه هو أن يقوم ببعض الخطوات، أقترب منها أخيرا ، وضع يده على خدها، كانت باردة، مغطاة بالعرق، وترتعد، لم يحاول أن يقبلها ، حدقت في عينيه، وهي تقول:

ـ صدق حدسي، أنت خائف ، ليس مني ، ولا من الخليفة، أنت خائف من ابن غالب

أنزل يده مرعوبا، ، بدا انها قد باغتته، لم يكن يتصور ان الخبر الذي جاهد طويلا في إخفاءه يمكن أن يخرج من شفتيها بهذه السهولة، حاول أن يتمالك هدوءه وهو يقول:

ـ عرفت بالأمر إذن؟

ـ وهل كنت تعتقد أن يحدث شيء في الأندلس دون أن أعلم به، كان يجب أن تخبرني حتى أكون أول من يبارك لك

ـ لا تسخري مني يا ذات المقام العالي، انه ليس الزواج الذي تعتقدين ، أنا لم أر هذه الفتاة ، ولم أرغب فيها،إنها صفقة، اريد فقط أن أحمي ظهري بنفوذ أبيها .

بدأ الغضب يرتفع في داخلها ، كان مصرا على مواصلة خداعها ، هتفت غاضبة :

ـ أنا الذي طلما حميتك وساعدتك.

وارتفع صوته هو أيضا:

ـ وأنا الذي جعلت أبنك خليفه وأجلسته على العرش

وابتعدا، توقف كلاهما في مواجهة الآخر وهما يلهثان، لم يعد هناك مكان للمسة من العشق القديم، تذكرا معا لحظات الخوف وعدم اليقين التي عصفت بالجمبع، عندما مات الخليفة فجأة ، واصبح العرش خاليا، كشف الحراس الصقالبة فجأة عن وجههم الحقيقي شرعوا سيوفهم ، لم يقتنع أحد منهم أن من الممكن أن يكون الخليفة القادم مجرد ولد في الثانية عشر من عمره، ذهبوا إلى اخي الخليفة "المغيرة بن المستنصر" وعرضوا عليه العرش فقبله على الفور، وبدا المصحفي ، الوزير القوي، عاجزا ومترددا وخائفا ، وانكمشت صبح في غرفتها ومعها أبنها الصغير، فقد فجأة سلطتها وهيبتها ، كانت تريد فقط أن تبحث عن منفذ لخارج القصر بعيدا عن سيوف الصقالبة، وفي هذه اللحظة برز ابن عامر ، دون خوف او تردد ، جمع كل مايقدر من رجال وهاجم منزل المغيرة وهو يستعد للانتقال إلى القصر وقتله على الفور ، سلب الصقالبة الورقة التي كانوا يلعبون بها، اصبح العرش خاليا مرة اخرى، وقبل أن يقيق الصفالبة من دهشتهم كان ابن عامر قد اخرج المصحفي من حيرته وتردده وضم رجاله وبدأ حربا مع الصقالبة من أجل اخراجهم من مكامنهم ، حركة جريئة لا يقدر عليها إلا هو ، كان هو الوحيد الذي حافظ على صفاء عقله ومضاء عزيمته في تلك اللحظات المعتمة حتى وضع الصبي الصغير هشام المؤيد على عرشه، لحظتها كانت عينا صبح مليئة بدموع الفرح والعرفان ، ليلتها أعطته روحها وجسدها بلا تحفظ، ولكن في هذه الليلة يقف الجسدان متباعدان، كل منها متحفز في مواجهة الأخر.

هدأ ابن عامر قليلا ، كان لديه مايكفي من الاعداء، ولا حاجة لعدو جديد:

ـ لا علاقة لك بهذا الزواج، أنه مجرد فراش بارد، ولن تستطيعي حمايتي الآن بعد أن عزم المصحفي على استئصالي ، يجب أن أحتاط له قبل ان بقضي علي

قالت من بين أسنانها:

ـ استعنت بالمصحفي لتقضي على الصقالبة ، والآن تستعين بابن غالب لتقضي على المصحفي ، وفي غد ستجد من تستعين به لتقضي علي وابني الخليفة

التفت إليها مذعورا، لم يتوقع أن يكشف كل منهما أوراقه أمام الأخر بهذه القسوة ، هتف بها :

ـ لن افعل ..

كان يكذب، وكان كلاهما يعرف أنه يكذب، للمرة الاولى في تلك الليلة احتضنها، وكان كلاهما يرتجف، أرادت أن تبتعد و لم تستطع ، كان أفضل مافي العناق أنه لم ير الدموع التي تهبط على وجنتيها ، وأنها لم تر النظرة الباردة التي تطل من عينية ، أكان هذا هو العناق الاخير ؟ قالت بصوت متحشرج :

ـ دعنا ننسى الأحزان قليلا ، روحي متعبة وحلقي جاف

أشار إلى منضدة في أحد الأركان، كانت مليئة بالقناني:

ـ ماذا تريدين ان تشربي

قالت بنعومة وهي تنسل من احضانه: دعني أعد الشراب لنا

سارت إلى المنضدة ، كان عليها قوارير خمور مختلفة الألوان ، بجانبها قطع الحلوى والفستق والجبن والزيتون ، عندما كانا يقضيان طوال الليل معا ، دون مرارة، كانا يأكلان ويتضاحكان ويتلامسان، الليلة سيبتلعان بصعوبة فقط هذين الكأسين،نظرت إ ليه من طرف عينيها ، كان قد عاد للجلوس على الفراش ساهما بوجه جامد ، لم تتردد كثيرا، فتحت الخاتم الذي في اصبعها ، في اسفل قطعة الماس النقي كان يوجد تجويف مليء بمسحوق ابيض ، اعده عطار عجوز في ساحة البيازين في غرناطه وحمله لها فارس مخصوص ، صبته كله في كاسه ورجت الكأس حتى يذوب ، ثم حملت الكأسين وعادت إليه ، حدق فيها وحدقت فيه ، قال لها :

ـ اتمنى أحيانا لو أنني لم أجيء من قريتي البعيدة ، لولم آت إلى قرطبة وأجد لزاما على أن أقتل أولا قبل أن يتم قتلي

ورفع الكأس إلى فمه ، ارتجف قلبها ، ولكنهالم تحاول أن تمنعه، تناول منه رشفة صغيرة، فلم يبد عليه أنه تأثر أو أحس بتغير طهم الخمر، قالت له:

ـ إذا كان ما تقوله حقا فهل أخذت حذرك

ـ أجل.. عرفت أنه لا توجد في القصر كلمة تقال دون ان يكون خلفها دسيسة ، ولا طعام يقم إلا في داخله سم ناقع، لذلك اصممت اذني عن كل كلام يقال اتقاء لأي وقيعة.

أرتجفت قالت في خفوت: وماذا فعلت لاتقاء خطر السم؟

قال: السم إذا كثر يقتل ، وإذا قل فهو ترياق، لذا كنت آخذ كل يوم كمية صغيرة منه حتى تقي جسمي من أي غدر

حدق بعينيه النافذتين، لم يبال حتى باالنظر إلى خاتمها الذي لم يكن مغلقا، ولم يعلق على شحوبها، واصل شرب كاسه في هدوء،ودون تأثر، كان يقرأ كل مافي اعماقها، ويغرف نوايها منذ أن اقبلت عليه، سقط الكاس من يدها، تحطم محدثا دويا دون ان يهتز، قالت :

ـ حان الوقت لانصرافي

قال دون أن يتحرك من مكانه : اجل، تأخر الوقت بنا ، ولم يعد هناك وقت .

سارت وهي ترتجف ، لم تنظرإلى الوراء حتى لا تلتقي عيونهما فتنهار، وما ان أنصرفت حتى نهض ابن عامر مسرعا، سار إلى ركن الغرفة حيث يوجد وعاء من النحاس، وضع أصبعه في فمه حتى وصلت لحلقومه، أحس بمعدته وهي تتقلص ، ثم بدأ يفرغ كل ما في أمعائه ، كان الالم الذي يصعد من أعماقه قاتلا ، ولابد أنه وضعت كمية كبيرة من السم كفيلة بصرع فيل ، ظل يتقلص ، ويتلوي ، حتى أفرغ كل شيء ، الخمر التي شربها من يديها ، وكميات الزبد الدسم التي أكلها قبل أن تأتي إليه ، ظل يترنح محاولا ان يصل إلى الفراش ، ولكنه سقط على الأرض عاجزا ، دخل أبن الرماح مسرعا ، كان هو حارسه وأمين سره ، ، نظر إليه في أشفاق وهو يقول له :

ـ هل أنت بخير ياسيدي

قال ابن عامر : مازلت على قيد الحياة ، لو لم أمت الليلة ، فسوف أعيش طويلا

قال الخادم: هل أستدعي طبيبا ، هل أحملك للفراش

قال بن عامر: اتركني كما أنا، ضع علي فقط كل الاغطية ، واعط الامر للبنائين حتى يقوموا بعملهم

وهكذا ظل أبن عامر يرتجف تحت الاغطية ،ولكن ما أن دخلت السيدة الجليلة صبح غرفتها ، واطفأت شموعها ووضعت جسدها المرتجف هي أيضا تحت الأغطية، حتى سمعت ضجة غريبة في الخارج، صوت اقدام تروح وتغدو أمام غرفتها ، وكلمات هامسة، وحفيف أشياء تنقل، لم تحاول ان تنهض لترى ما يحدث ن، كانت واهنة القوى، ولم تكن تريد لأحد ان يراها في هذه الحالة ، كان الفراش باردا، وادركت ان الدفء لن يعود إليه مرة أخرى ، لن تجرؤ على أن ترفع استارها المسدلة لرجل غيره ، تسللت إلى أنفها رائحة الملاط وانصهار الجير الحي ، وهي تفكر في الترياق الذي أحتاط به لنفسه، هل كان يخادعها، أم كان يتوقع غدرها، وإذا جاء الصباح ، هل ستتلقى عزاؤه أم تنتظر عقابه ، كانت الرائحة تتزايد، ولكن الضجة تخف تدريجيا ، وكان الظلام يصبح دامسا ، والغرفة تخلو من أي نفس من الهواء ، احست فجأة أنها توشك على الاختناق ، نهضت من الفراش تحسست طريقها في الظلام حتى عثرت على مكان الشموع واوقدتها ، حملت الشمعدان وسارت إلى باب الغرفة ، وعندما فتحته ، لم تجد القصر ولا طرقاته الممتدة ، وجدت أمامها حائطا ، صلبا من الأحجار الضخمة المتراصة ، ارتدت في فزع ، سارت للنافذه ، فتحتها على مصرعيها ، لم تكن هناك حديقة ولا سماء ولا ضوء للنجوم ، جدار آخر أكثر صلابة، يحجب كل شيء، ازاحت الاستار ودقت الجدران ، لم يكن هناك منفذ آخر.

في الصباح ، قامت الجوارى ليأخذنها إلى حمامها المعطر فلم يجدن غرفتها، وجاء الخليفة ليلقي عليها تحية الصباح فواجهته الجدران الصماء ، مطلية ومنقوشة ومحفور عليها ابيات من الشعر ، كانها موجودة في هذا المكان منذ أن انشئ القصر ، وجاء الوزير المصحفي ليتلقى منها التعليمات فوجد الخليفة جالسا بجانب الحائط وهو يبكي في حرقه ، اخذه من يده ، وسارا في حيرة ، في قاعة العرش، كف الخليفة عن البكاءوقال:

ـ أين ذهبت أمي؟

قال المصحفي:لا اعرف كيف أختفت السيدة الجليلة ، ولا أين ذهبت غرفتها، ولكني اشعر ان ابن عامر خلف ذلك كله.

ثم إمتلأت القاعة بالجند، جند غريبة لميتعرف عليها أحد منهما ، كانوا جند ابن غالب جاؤا من مدينة سالم ، كانت سيوفهم مشرعة ، وأوامرهم محددة، لم يقتربوا من الخليفة الصغير الجالس على العرش، غرسوا جميعا جميعا سيوفهم في صدر المصحفي، قبل ان يتفوه بكلمة او ينطق باعتراض ، سقط مضرجا بالدم عند أقدام الخليفة الذي ظل جامدا على عرشه، منتظرا هجومهم الثاني، ولكن الجنود لم يفعلوا ، وقفوا في أركان القاعة في صمت قد شفي غليلهم، ثم فتح الباب ودخل إبن عامر ، مصفر الوجه وشاحب، ولكنه كان واقفا متماسكا ، اوشك الخليفة ان يصرخ أو ان يسال ، ولكن ابن عامر أشار له وهو يقول :

ـ إذا اردت ان تبقي على عرشك وحياتك ، فلا تكثر من الأسئلة ، والتزم الصمت .

سوف يبقى الخليفة على عرشه صامتا ومجمدا حنى يعزل، وسوف يخضع إبن عامر الأندلس كلها لأمرته، سيخوض في بلاد الفرنجة كالإعصار، سيغادرهم صرعى البقاع ويتركهم أذل من وتد بقاع، .سيفتح ليون وبطريوس ولشبونة وكل من بقي من شمال الأندلس ، ستنبسط له الأرض التي لم تكن ذلولا، فتنتظم له الممالك وتتضح به المسالك ويتوافد على عرشه ملوك الشمال محملين بالهديا، طالبين عهود الأمان ، سوف تغدو أيامه أحمد الأيام وسهام بأسه أشد سهام، وسوف يتذكر دائما تلك اللية الغريبة، وتتقلص معدته كثيرا ولكنه سوف يواصل تعاطي الترياق، فلا أحد يدري من أين تأتي الضربة القادمة، من صديق طامع، ام من جارية غيرى ، ام من ابن طامح، سيكون آخر الملوك العظام، وبعد موته ستتفتت الأندلس ويقتسمها ملوك الطوائف كرغيف خبز، ثم يضيع كل شيء وكأنه كان حلما في منام، وسبحان من له الدوام.




د .المنسي قنديل؛ smile.gif
عن مجلة العربي harsh.gif


زهره حبيسه 08.gif


mohamed_a_d
اعجبتني جدا غواية السلطان
كيف ان المال والنساء والفتن هزمت
لكن كلمة العالم الفاسد كانت اشد بطشا من كل الغوايات
زهره حبيسه
Bismillahs.gif


محمد biggrin.gif

اقتباس
اعجبتني جدا غواية السلطان
كيف ان المال والنساء والفتن هزمت
لكن كلمة العالم الفاسد كانت اشد بطشا من كل الغوايات


فعلا يا محمد الواشايات الفاسدة هى اللى قامت بالمهمة علي اكمل وجه.. harsh.gif



من رأيي ان السلطان يزيد كان ضعيف امام حبابه laugh.gif
دأب كل البشر sad.gif


زهره 08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif



ثقافة الطفل العربي




ثقافة الطفل العربي:
الجمعة 2004/07/02 م
بقلم د. احمد المهندس


يعد الاهتمام بثقافة الطفل من أهم المعايير التي يقاس بها تقدم الأمم والشعوب. وليس غريباً أن تولي الأمم المتقدمة أهمية قصوى لصقل ثقافة أطفالها، لأنهم يمثلون ثروة هذه الأمم لتحقيق طموحاتها المستقبلية.وفي إطار الاهتمام بالطفل واستشراف ثقافته صدر الكتاب رقم (50) بعنوان (ثقافة الطفل العربي) في سلسلة كتاب العربي التي تصدر عن مجلة العربي الكويتية.وتشير المقالات في هذا الكتاب إلى جوانب مهمة وأساسية تهم القائمين على أمر ثقافة الطفل في الوطن العربي. وتأتي أهمية الكتاب في أنه يمثل آراء كتاب متخصصين من دول عربية هي الكويت، ومصر، والإمارات، ولبنان والمغرب.وينتقد الدكتور سليمان العسكري رئيس تحرير مجلة العربي أنظمة التعليم العربي التي تعتمد على التلقين والحشو للمناهج مما يقتل الإبداع في داخل الطفل، ويزرع فيه الخوف من الحياة والمجتمع.وفي مقال بعنوان (محاكمة مجلات الأطفال العربية) يرى عبدالتواب يوسف أن نصيب الطفل العربي من المجلة يقتصر على كلمة وجانب من صورة، وأن ما لا يقل عن 50مليون طفل عربي غير قادرين على قراءة المجلات الموجهة لهم.ويرى د. محمد المنسي قنديل في مقاله (مشكلات الكتابة للطفل العربي) أن هناك أدوات ينبغي أن يتقنها الكاتب للأطفال مثل: رسم الشخصية بشكل مقنع، واستخدام اللغة بشكل جيد، وعدم تحديد المكان.ويرى نوري الجراح أن أدب الأطفال وقع في فخ الأعمال التجارية. أما ليلى كرم الدين فترى في مقالها (الأسس النفسية لمجلات الأطفال) أن مجلة الطفل أداة مهمة من أدوات التثقيف والترفيه. ويؤكد سامح كريم في مقاله (مجلات الأطفال وتنمية الميول القرائية) أن متوسط القراءة في العالم العربي لا يتجاوز ست دقائق في السنة للفرد الواحد بينما تتضاعف هذه النسبة عشرات المرات بالنسبة للفرد في الدول الغربية، حسب احصائية نشرتها منظمة اليونسكو عام 2000م.ويتساءل: كم كتاباً يقرأه الطفل في الوطن العربي؟ ويرى أن الطفل العربي يحتاج إلى مجلة تحميه من المؤثرات الوافدة عليه.ويتحدث الكاتب حسن عبدالله عن بعض المجلات التي تصدر في بلاد الشام، أما العربي بنجلون فيقدم بانوراما شاملة لثقافة الطفل المغربي. ويعرض الكاتب صلاح بيصار لريادة الفنان الراحل بيكار لرسوم الأطفال، وخاصة من خلال مجلة سندباد التي أصدرتها دار المعارف بالقاهرة في عام 1952م. ويرى هذا الفنان المبدع أن: (الرسم للأطفال يجب أن تتوافر فيه خفة الظل والطرافة، وفوق كل ذلك ألا تتحول الصورة في أي لحظة من اللحظات إلى كابوس، ويجب أن يتوافر لفنان الأطفال درجة من اللباقة التي تمكنه من أن يصل إلى الغرض التربوي المقصود بذكاء ووعي دون ازعاج).ويتحدث الكاتب أبو المعاطي أبو النجا عن تجربته في مجلة (العربي الصغير)، كما يتحدث أحمد عمر عن تجربته مع مجلة (ماجد)، وتتحدث نبيهة محيدلي عن تجربتها مع مجلتي (أحمد، وتوتة توتة).أما الدكتور نبيل علي فيتحدث عن الطفل العربي وتكنولوجيا المعلومات في حوالي 37صفحة وخاصة عن الفروق الأساسية بين المجلة المطبوعة والمجلة الالكترونية، وعن الانترنت وتأثيره على أساليب الكتابة واختيار المحتوى.. إلخ.أما يعقوب الشاروني فيناقش مستقبل كتاب الطفل ومجلاته في ظل منافسة الانترنت والحاسوب للكتاب. ويتحدث الدكتور عبدالرحمن الأحمد عن تجربة موسوعة الكويت العلمية للأطفال التي أصدرتها مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وهي تخاطب الأطفال ما بين عمر السادسة والثانية عشرة.إن كتاب (ثقافة الطفل العربي) من الكتب المهمة والجادة التي تبرز أهمية الثقافة للطفل العربي، وأن تكون هذه الثقافة ثقافة جادة وعصرية، ثقافة تبدأ من المنزل وتستمر في المدرسة. ثقافة لا تستند على التلقين والحشو بل تنمو مع مزيد من القراءة والإبداع..إن تعليم الطفل كيف يقرأ، وماذا يقرأ، وكيف ينمي ثقافته هو السبيل إلى أمة تصبو إلى مستقبل حضاري أفضل بإذن الله تعالى.والله ولي التوفيق




عن موقع ادب الاطفال العربى.. جمعية اصدقاء الطفولة
6-6-07





---------------
زهره 08.gif


زهره حبيسه
Bismillahs.gif

الرسائل المتبادلة بين الشيخ محمد عبده وتولستوي banned.gif

غلاف

كتب / محمد عبدالله الهويمل 11mmer3.gif

صدر عن وزارة الإعلام الكويتية العدد 559 من مجلة (العربي) التي استفتحت كما هي العادة رئيس التحرير د. سليمان العسكري في موضوع (الإصلاح.. من أين بدأ غيرنا؟ أكد فيه على أن ما يعنينا في التجربة الغريبة هو الحرية السياسية واحترام القانون والتفوق العلمي والصناعي). وفي (قضايا عامة) كتب د. حمدي السكوت عن (برنارد لويس.. هل كانت دوافعه موضوعية؟) وشارك د. سعد بوفلاتة في (الغرب الإسلامي وحوار الثقافات) كما كتب د. رمضان بسطاويسي في (بزوغ علم المستقبل) تحدث فيه عن مفهوم الزمان في كل ثقافة والمستقبل بين الفلسفة والعلم. وجاء استطلاع العدد عن (موسم الهجرة إلى السودان) بقلم أشرف أبو اليزيد.

وفي (وجهاً لوجه) حاور د. محمد المنسي قنديل الأستاذ عبدالله عقيل عن موسوعة أم كثلوم تحت عنوان (ما انفقته على إصدار هذه الموسوعة عاد عليَّ بما هو أفضل روحياً). وقدم العدد في ملفه مجموعة من الدراسات حول (الإمام المصلح محمد عبده.. مائة عام على وفاته) وشارك فيه د. محمد جابر الأنصاري في (محمد عبده والصحوة الإسلامية المجهضة) ود. علي جمعة مفتي مصر في (إمام التجديد في الرأي والفتوى) ود. محمد إسماعيل في (مفهوم التنوير في فكر الإمام) و(محمد عبده وتولستوي.. رسائل متبادلة) لسامح كريم.
أما شوقي بزيع فكتب عن «نار العودة» للشاعر عبده وزان في (الشاعرية التأمل ورثاء الحياة) وعرض العدد ل (كتاب في جريدة) وكان عن (مختارات من الشعر السوداني) أما في (تراث) فكتب د. خالد عزب في (إعادة اكتشاف مطبعة بولاق) ناقش فيه المطبعة (الخط العربي وكذلك طرائف المطبعة، تطوير المطبعة، نشر المعرفة، قصة المعرض). وفي (معرض الأدب) كتب الناقد عبود عطية عن (إنجز وسرجنت.. سيدتان بالأسود) ذكر فيه أن مقاييس الجمال تختلف من مكان لآخر ومن عصر إلى آخر أيضاً.

في (أدب) كتب د. محمد الربيعي عن (الرواية والمدينة) عن زقاق المدق وعبق التاريخ ورواية المدن ومنهج الشاعرية والرواية. وشارك د. وجيه فانوس في (سلام الراسي.. أديب تفتحت موهبته بعد الستين) قال فيه: في الرابعة والستين من العمر بدأ سلام الراسي رحلته الأدبية. أليس غريباً أن يبدأ هذا العاشق الفذ للكلمة رحلته متأخراً ويصبح بحق شيخ الأدب الشعبي في لبنان؟

وناقش د. نبيل علي في (أهمية اللغة العربية: رؤية ملعوماتية) عرض معه للدافع الاقتصادي والسياسي والعلمي والتكنولوجي والاجتماعي والثقافي والتربوي والإعلامي. وفي (تراث) كتب فاضل السباعي (كيف استعادت الذاكرة العربية الأندلس؟) وفي (جمال العربية) كتب فاروق شوشة عن (أقباس نورانية من «ترجمان العشاق» صوت بن عربي) وفي (البيت العربي) كتبت د. مريم سليم عن (الكذب عند الأطفال).

في (المكتبة العربية والأجنبية) عرض د. عبدالرضا أسيدي كتاب (عبدالله بشارة.. بين المملوك والشيوخ والسلاطين.. يوميات الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية 1981 - 1993) وعرض: جهاد فاضل كتاب (حركة المقاومة العربية الإسلامية بعد سقوط غرناطة) للدكتور عبدالواحد ذنون طه وفي (المكتبة الأجنبية) عرضت ليلاس حناحت كتاب (شبفره دانفنسي.. افتحوا عيونكم أيها البشر) من تأليف دان برادن وترجمة سمّه محمد عبدربه.



المقال قديم منذ harsh.gif 2005


زهره 08.gif


أماندا
السلام عليكم
زهرة القمر hb.gif

موضوع رائع كامل و شامل و ممتع
رغم أنى لم أنهيه ...اخر ما قرأت كان السلطان عاشق الذهب crying.gif crying.gif
أعمال د.محمد تحتاج إلى حاله نفسيه و عقليه من نوع خاص لذا أنا لا اقرأ فى هذا الموضوع الا عندما أكون فى هذه الحاله .
أكثر ما راقنى من كل الأعمال الممتعه الموجوده فى الموضوع : المغرور و السبع نسور ، تقول ابنتى رضوى ، عشاء برفقة عائشة .

كيف أستطعت الحصول على كل هذه المواضيع و القصص و المقالات
لقد نقبت فى أعداد مجلة العربى - التى يهوى أبى متابعتها - القديم منها و الحديث علنى أجد شىء أهديه لكِ و للموضوع لم أجد
أنت رائعه حقا biggrin.gif

إن كان ينقص الموضوع شىء فهو أن د.محمد المنسى قنديل قاص مذهل للأطفال ، لم أجد مثال واحد على هذا
مذ قرأت له زرقاء اليمامه و سميراميس و أنا لا أنساهما و لا أنسى مذاق العوالم الخياليه الذى أدخلنى فيها بشفافية أسلوبه
و حتى الآن اتسأل حقاً هل من الممكن أن تذهب سميراميس مع الحمام مغادره فراش مرضها و موتها
و هل يوجد كحل كالذى أعطته الساحرة زيجان لزرقاء اليمامه - فأنا أريد قنينه إن كان يوجد لها قرين فى زمننا هذا -
وجدت القصتين فى أحد اعداد مجلة العربي الصغير و تاريخ صدور الأعداد كان قبل ولادتى من الأصل لا أدرى ما المعجزة التى جعلت هذين العددين مع بعض الأعداد القليله الأخرى تصمد فى مواهة ا لزمن و مواحهة أخوتى الكبار
فكرت فى وضع النص فقط لكن أن تضع فقط النص للقصة المصورة فهذا يفسدها ، و للأسف لا أملك سكانر حتى أقوم برفعها لكِ حتى تنبهرى و تسمتعى مثلما فعلت .
كل ما سأفعله أنى سأذكر رقم العددين علك تجدينهما من مصادرك الأخطوبتيه المذهله .
سميراميس ...نشرت فى العدد 30 يوليو 1988
زرقاء اليمامه ..نشرت فى العدد 33 اكتوبر 1988

سأكمل الموضوع ...هذا أكيد

و أعتذر للإطاله

تحياتى

wavey.gif wavey.gif wavey.gif
زهره حبيسه
Bismillahs.gif


اماندا الغالية ؛ 03.gif


اقتباس
زهرة القمر hb.gif

موضوع رائع كامل و شامل و ممتع
رغم أنى لم أنهيه ...اخر ما قرأت كان السلطان عاشق الذهب crying.gif crying.gif



ربنا يخليكى
هو بس كان الحماس طاغى عليا وانا بعمله harsh.gif
يارب يدوم الحماس دا على طول 11istling.gif


السلطان عاشق الذهب وما بعدها روائع mf_wink.gif

اقتباس
أعمال د.محمد تحتاج إلى حاله نفسيه و عقليه من نوع خاص لذا أنا لا اقرأ فى هذا الموضوع الا عندما أكون فى هذه الحاله .
أكثر ما راقنى من كل الأعمال الممتعه الموجوده فى الموضوع : المغرور و السبع نسور ، تقول ابنتى رضوى ، عشاء برفقة عائشة .



فعلا اعمال د.محمد عايزة دماغ راسية ورايقة ع الاخر؛ ربنا يروق بالك عشان تكملى hb.gif


اقتباس
كيف أستطعت الحصول على كل هذه المواضيع و القصص و المقالات
لقد نقبت فى أعداد مجلة العربى - التى يهوى أبى متابعتها - القديم منها و الحديث علنى أجد شىء أهديه لكِ و للموضوع لم أجد
أنت رائعه حقا biggrin.gif


لا دا سر المهنة 11istling.gif ..


اقتباس
إن كان ينقص الموضوع شىء فهو أن د.محمد المنسى قنديل قاص مذهل للأطفال ، لم أجد مثال واحد على هذا
مذ قرأت له زرقاء اليمامه و سميراميس و أنا لا أنساهما و لا أنسى مذاق العوالم الخياليه الذى أدخلنى فيها بشفافية أسلوبه
و حتى الآن اتسأل حقاً هل من الممكن أن تذهب سميراميس مع الحمام مغادره فراش مرضها و موتها
و هل يوجد كحل كالذى أعطته الساحرة زيجان لزرقاء اليمامه - فأنا أريد قنينه إن كان يوجد لها قرين فى زمننا هذا -



فعلا يا بنتى د.محمد قاص من الدرجة الاولى
انا على كدة ابصم بكل صوابعى طبعا loveletter.gif


اقتباس
وجدت القصتين فى أحد اعداد مجلة العربي الصغير و تاريخ صدور الأعداد كان قبل ولادتى من الأصل لا أدرى ما المعجزة التى جعلت هذين العددين مع بعض الأعداد القليله الأخرى تصمد فى مواهة ا لزمن و مواحهة أخوتى الكبار
فكرت فى وضع النص فقط لكن أن تضع فقط النص للقصة المصورة فهذا يفسدها ، و للأسف لا أملك سكانر حتى أقوم برفعها لكِ حتى تنبهرى و تسمتعى مثلما فعلت .
كل ما سأفعله أنى سأذكر رقم العددين علك تجدينهما من مصادرك الأخطوبتيه المذهله .
سميراميس ...نشرت فى العدد 30 يوليو 1988
زرقاء اليمامه ..نشرت فى العدد 33 اكتوبر 1988



يبختك لانى مقرتهمش sad.gif
بس هحاول ؛ ونشوف مصادرى هتوصلنى لايه g.gif


اقتباس
سأكمل الموضوع ...هذا أكيد

و أعتذر للإطاله



تنورى في كل وقت يا قمر 03.gif

منورانى ديما hb.gif



زهره 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif



المتروبوليتان.. أعظم متاحف العالم





ليس متحفا بقدر ما هو "موسوعة حية" لكل تاريخ الفن في العالم. فمن النادر أن تلتقي كل الشواهد الحضارية تحت سقف واحد، ومن المدهش أن يضم المتحف كل هذه الأشياء البالغة القدم في مدينة بالغة الحداثة.



تدير السيدة حاملة الشعلة ظهرها لمدينة "نيويورك" ناظرة للمحيط العميق والجزر الصغيرة المتناثرة. وتحت قدميها أبيات من الشعر محفورة على لوحة من النحاس ترحب بالغرباء والمعذبين في الأرض. ربما لأنهم سيجدون في شوارعها عذابا من نوع آخر. الكثيرون غير السيدة "حرية" أداروا ظهورهم لمدينة "نيويورك " ليبحثوا عن الحلم الأمريكي في مدن أخرى. ولكنها تبقى وبرغم كل شيء رمزا لهذا الحلم. تلك المدينة العملاقة التي تربض فوق جزيرة نهرية اشتراها البيض من الهنود ببضعة عقود من الخرز. لم يكن الهنود بهذه السذاجة ولكنهم كانوا مرغمين على إتمام هذه الصفقة. وحتى الآن مازالت مثل هذه الصفقات المريبة تسري في عروق المدينة السرية حيث يوجد دائهـا مغبون وغابن. إنها ليست أقوى المدن فقط، وليست أكثرها عنفا وارتفاعا في معدلات الجريمة، ولكنها الشاهد الوحيد على حضارة العصر الحديث، فهي مدينة بلا سماء تقريبا، والرقعة الضيقة التي تظهر بين رءوس ناطحات السحب تبدو باهتة وبعيدة وغير حقيقية، كأنها قد صنعت وجودها المادي الخاص دون حاجة لمؤثرات الطبيعة، إن حوالي 500 عام من عمر المدينة هي فترة قاحلة من تاريخ البشرية لم تشهد فيها دينا جديدا، ولم تشيد معابد مختلفة، ولم تضخ في عروق الإنسان روح متدفقة تحمل بعثا جديدا لخلاياه القديمة على حد تعبير الكاتب الفرنسي أندريه مالرو. ونيويورك تمثل هذا التاريخ الحديث، حيث لا توجد أضرحة للملوك القدامى، ولا معابد للآلهة المقدسين ولا أكاليل غار للفرسان المنتصرين. ملوكها المحدثون من نوع مختلف، ملوك للصلب، وملوك للصابون، وملوك لألبسة النساء الداخلية، للسيارات ولمواد التجميل ولمزيلات روائح العرق، عروشهم في الأدوار العلوية لناطحات السحاب، أما فرسانها الحقيقيون فإن البورصة هي ساحة المعارك التي يخوضونها والسندات المالية هي السيوف التي يشهرونها، معارك شرسة تومض في أرقام دقيقة على شاشات أجهزة "الكمبيوتر" حيث لا عزاء للخاسر. وكما تصلح ناطحات السحاب عروشا فهي تصلح أيضا مهاوي للمنتحرين، ويبقى مكان ضئيل للآلهة في ذلك المبنى الذي يضم متحف "المتروبوليتان " على أطراف حديقة " السنترال بارك".



آلهة للجمال والفن



إن آلهة الفن والجمال تسكن هادئة وسط جلال تلك الأروقة، قطعا من روح الحضارات القديمة، كتب الزمن عليها حروفا كالتجاعيد فأكسبها ذلك نوعا من البهاء والحكمة. آلهة تحت طائلة البصر بلا صوت ولا حركة ولكنها قادرة على إفعام النفس بالتسامي والبهجة الغامضة. ثلاثة ملايين قطعة تختلف في الحجم ولكنها لا تختلف في المكونات الجمالية، بداية من المعبدالفرعوني الضخم الذي كتب غريق ممري اسمه على جدرانه قبل أن تبتلعه مياه النيل، إلى خاتم صغير قادم من عصر النهضة كانت "لوكريشيا بورجيا" تخفي فيه السم لعشاقها. تاريخ طويل من الجلال والنزق الإنساني، من رماح الصيد والأقنعة الإفريقية إلى سيوف سلاطين آل عثمان المقوسة والمطعمة بالدر والزبرجد تجمعت أطرافه في هذا المكان، ربما لأنه لا توجد مدينة في العالم كانت في حاجة لمثل هذه الذاكرة الممتدة مثل "نيويورك ". وهي لم تكتف بعرض ملامح هذا التاريخ بل حاولت أن تنقله من مكانه لعلها تجعله ينتمي إليها، تماما مثلما فعلت بأفواج المهاجرين إلى أرصفتها. فبالإضافة إلى المعبدالفرعوني الضخم الذي أنشأ المتحف قاعة جديدة خصيصا من أجله وهو يعتبر قطعة واحدة من بين 400 قطعة مصرية قديمة يمتلكها المتحف، تنتصب أسود بابل المجنحة، تبتعد عنها قليلا كنيسة قوطية جاءت من إسبانيا العصور الوسطى، ومحراب مطعم بالفسيفساء من إيران، وقاعة إسلامية الطراز مليئة بالطنافس كان يملكها تاجر دمشقي يدعى "نور الدين"، وحديقة يابانية تبدو كأنها انتقلت في التو بكل ما على أغصانها من طيور، وجناح كامل من أحد القصور الفرنسية قبل أن يغدر رعاع باريس بملوكهم الشموس بما فيه من أثاث فاخر وستائر سميكة وجدران مزينة بلوحات "الجوبلان" أيقونات للعذراء ومخطوطات نادرة للقرآن الكريم، دروع محاربي الملك "آرثر" وسيوف الفرسان الثلاثة، وأولى ماكينات الطباعة والآلات الموسيقية، وعدد هائل من اللوحات تحمل كل جنوح الفنانين وعذاباتهم حتى الصور الفوتوغرافية كان لها نصيب وافر في حيز هذا المتحف، إنه أشبه بموسوعة لكل أشكال الفنون في مختلف الحضارات، موسوعة مادية ومجسدة. إن كل ثقافة ممثلة من كل مكان في العالم، من طيبة إلى فلورانسا إلى بابوا في غينيا الجديدة. كل هذا على مساحة قدرها 1,4 مليون قدم مربع ومتحف "المتروبوليتان" بهذا الاتساع يعتبر مجمعا للمجموعات لأن كل جزء من أجزائه يمكن أن يعتبر متحفا قائما بذاته.



المولد.. في حفلة عشاء



بدأت حكاية هذا المتحف الضخم في حفل عشاء عندما اجتمعت مجموعة من الأمريكيين في أحد مطاعم "باريس" للاحتفال بذكرى عيد الاستقلال في الرابع من يوليو. ونهض "جون جاي" ليلقي كلمة ما بعد العشاء. كان واحدا من الشخصيات العامة وحفيد أسرة عريقة من رجال الدين والقضاء، وكان في خياله وهو يتحدث نوع من الغيرة القومية من متحف اللوفر الذي تملكه فرنسا ولا تملك أمريكا بكل ثرائها واحدا مثله، وطرح الدعوة لإنشاء "متحف وطني ومعرض فني " يضم كل التراث الأمريكي قبل وصول الرجل ا لأبيض، وكذلك الفن المعاصر. وقد قوبلت هذه الدعوة بحماس بالغ، وفي العام التالي عقد في مدينة "نيويورك" أول اجتماع من أجل الإعداد لهذا الغرض، وقد ضم تحت رئاسة "جاي" نفسه الموظفين المدنيين ورجال الأعمال ومحبي الفنون وجامعي التحف الفنية وكل المتخصصين في المتاحف.



بدأ العمل في إنشاء المتحف في 13 إبريل عام 1970، ولم ينتظر حتى يقام المبنى الحالي فبدأ نشاطه في مبنى مؤقت في الشارع الخامس، ولم ينتقل إلى السنترال بارك إلا بعد عامين، وقد اشترك في تصميم أجنحته عدد كبير من المعماريين الأمريكيين على مدى عقود من السنوات وشهد تطورا كبيرا من خلال المنح والهبات التي آلت إليه من كبار رجال الأعمال وهواة جمع التحف الفنية. والذي يسير في أرجاء المتحف يدهش من الأسماء الكثيرة التي منحته كل ما أنفقت عمرها وثروتها على جمعه من تحف فنية.



فراعنة في نيويورك



من أين يمكن أن تبدأ رحلتنا داخل أجنحة المتحف إلا من القسم الذي يضم الآثار المصرية القديمة؟ ليس هذا وليد شعور عاطفي فقط، ولكن لأن هذا القسم بالفعل يمثل نقطة جذب لكل الرواد. وفي الوقت الذي تسبح فيه بقية الأقسام الأخرى في الهدوء لا تجد متسعا لقدم في هذا القسم. إن من الصعب تصور كيف جرى تهريب آثار بهذا الحجم وهذه الضخامة خارج بلادها الأصلية. تلك التماثيل البازلتية الضخمة والرءوس التي تزن عشرات الأطنان والأعمدة السامقة واللوحات الجدرانية التي تم نشرها على مسافة أمتار. هذا غير المئات من القطع الفنية الصغيرة والتي لا تقدر بثمن. كيف تمت سرقة كل هذه الأحجام الضخمة وتهريبها خارج مصر؟! وكم عدد الذين حملوها من الصعيد الجواني حتى سواحل المالح، حيث غادرت هذه القطع النادرة بلادها إلى الأبد؟! نهب منظم لم يتوقف حتى ألان وسلطات غافلة أ تفق حتى الآن أيضا. لقد أصابني الفزع حين شاهدت مجموعة أخرى مثل هذه في متحف "اللوفر" وارتفعت درجة فزعي في المتحف البريطاني ـ كان المبرر الذي حاولت به إقناع نفسي أن هاتين الدولتين قد احتلتا مصر واستباحتا أهلها فما بالك بآثارها. ولكن المبرر الوحيد الذي كان يطرحه في متحف المتروبوليتان هو سحر الدولار الذي هو أشد مضاء واستمرارا من قوة الاحتلال ـ من التابوت الرائع والمزين الرسوم الذي كان يرقد فيه "خانو من خت" حيث ترفع الإلهة إيزيس ذراعيها في توسل، إلى تمثال "الأباستر" الذي يمثل الملكة حتشبسوت وهي جالسة مشرئبة كأنها تستعد لتلقي ضربة أخيها، الذي تولى العرش وبعدها انتقم من كل آثارها، إلى رأس الجميلة "نومي " ابنة أشهر أطباء مصر القديمة، إلى تمثال البازلت الذي يجسد قطا أسود متحفزا، كان هذا القط يمثل إله شمال الدلتا وقد وصف المؤرخ اليوناني "هيرودوت " الاحتفالات التي كانت تقام كل عام والمعبدالجميل الذي كان يعبدفيه. ولكن لا شيء يضاهي ذلك المعبدالذي يحتل وحده قاعة كاملة من قاعات المتحف. ربما كان هذا المعبدهو القطعة الوحيدة التي انتقلت بطريقة شبه شرعية. فقد أهداها الرئيس السادات إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بمناسبة زيارته الشهيرة إلى مصر في عام 1974. ويمكن القول هنا أيضا إن من لا يملك قد أعطى معبدا لمن لا يستحق. إن معبد"دندر" الصغير الجميل كان مقاما على أرض النوبة التي كان من المقرر أن تغمرها مياه السد العالي، لقد أمر بتشييد المعبدالإمبراطور الروماني "أوجستين " تقربا من الإلهة "إيزيس ". وقد حاول المتحف أن يعيد تجسيد البيئة الطبيعية فأحاطه بالمياه وأشجار النخيل كأنه مازال يقف على حافة النيل. إن عمر الحضارة المصرية موغل في عمق الزمن فمنذ حوالي ثلاثة آلاف عام وحد الملك "مينا" جنوب مصر وشمالها ونهضت عاصمتها القوية في "ممفيس " في شمال البلاد، وفي حقبة الدولة القديمة بنيت الأهرامات وأخذ الفن المصري سمته الأساسية، ذلك الشموخ في الأشكال الثابتة واتجاه الرأس الذي يخالف اتجاه الجسد. إن مفهوم المصري القديم عن الزمن والفراغ أ يتغير إلا قليلا على مدى ثلاثة آلاف عام وبالتالي أ تتغير السمات الفنية إلا قليلا أيضا.



نفحة من حضارة الزيتون



ولا يقتصر وجود الحضارات القديمة على الحضارة المصرية فقط، ولكن الوجود الآسيوي يبدو كثيفا أيضا فهو يغطي مساحة واسعة تمتد من إيران حتى الجزر اليابانية. إن الملامح الأساسية للحضارة الغربية توجد وسط تضاريس الشرق الأدنى عندما تجمعت قرى الصيد الصغيرة لتكون أولى المدن. والآثار الموجودة في المتحف تمثل المنطقة الجغرافية التي بدأت فيها أولى سمات المدنية. فهي تمتد من جنوب تركيا حتى وديان نهر الهندوس. ومن أعالي جبال القوقاز إلى خليج عدن جنوبا، من هذه المناطق الشاسعة تجمعت قطع فنية يعود عمرها إلى العصر "النيوليثك" أو العصر الجليدي الجديد في المليون السابع قبل الميلاد حتى عصر بزوغ السلام وانتشاره في كل هذه المناطق في القرن السابع بعد الميلاد. الحضارتان اليونانية والرومانية لهما أيضا وجود حافل داخل المتحف. فهو يضم مجموعة من المقتنيات تضم نماذج من الفن الكلاسيكي في أرقى صوره. ولقد عرف هذا النوع من الفن قبل أن ينتشر اسم اليونانيين الذين استقروا في هذه الأرض المعروفة باسمهم. فقد وجد الكثير من هذه الآثار في جزيرة صقلية وفي كريت وقبرص وفي وسط اليونان. من كل هذه الأماكن اكتشفت تماثيل من الطين والرخام وهي المواد المفضلة لصنع الأشكال البشرية والتحكم في مقاييسها.



لقد بلغت الحضارة "المسينية" - نسبة إلى وسط اليونان - ذروتها خلال القرنين الثالث والرابع عشر قبل الميلاد. وقد تجلى ذلك في المصنوعات اليدوية التي تخص الحرب والمحاربين. ولكن نجم هذه الحضارة سرعان ما أفل وتناثرت مؤثراتها الثقافية على مساحة واسعة، ولم تشهد بعثا إلا بعد ذلك بحوالي ألف عام في أرض اليونان الرئيسية وخاصة في أثينا التي برع فنانوها في استخدام الأبعاد الرياضية في تزيين المعابد وصنع التماثيل.



لقد بدأ قسم الآثار اليونانية والرومانية في المتحف بداية متواضعة في عام 1909 عندما أهدي إليه تابوت حجري روماني. ولكنه واصل التطور حتى أصبح الآن يحتوي على تماثيل قبرصية ومزهريات يونانية عليها رسوم أسطورية، وتماثيل نصفية رومانية، بالإضافة إلى اللوحات الجدارية الملونة.



إسلاميات



كان علي أن أقف أمام هذا المحراب الإسلامي البديع في بداية جولتي في القسم الإسلامي من المتحف، عشق ذائب بين الحرف واللون صنعته يد الفنان المسلم وهو يزاوج بين قطع الفسيفساء الصغيرة جنبا إلى جنب، وخلق لوحة حية ومتألقة دوما من الآيات القرآنية والنقوش الزخرفية. لقد جاء هذا المحراب من "أصفهان" مدينة الفنانين والصناع المهرة. نقل بدقة ومهارة فائقتين دون أن يفقد قطعة واحدة من قطعه الدقيقة، ولم تتوقف دهشتي وأنا أتأمل ذلك التمثال البرونزي الذي يمثل قطا. إن التماثيل نادرة في الفن الإسلامي وهذا التمثال السلجوقي يعتبر واحدا من أكبرها وأكثرها إثارة لروح المرح، فهو قط متصلب ووديع لا يفكر في مهاجمتك برغم أن السلاجقة الذين صنعوه كانوا من أتراك آسيا الوسطى الذين لم يكفوا أبدا عن القتال. أباريق من الفضة المنقوشة، وأنابيق من الزجاج الرقيق الملون، صفحات من مخطوطات نادرة، وخيوط ـ من سجاد متشابك العقد ـ حمراء كألسنة الجحيم خضراء كرياض الجنة. ثم أخيرا ذلك السيف المطعم بالجوهر والدر، المقبض من الزفير الأزرق، ثم تفرد زهرة من الياقوت أوراقها عند التقاء المقبض بالنصل، وحتى النصل القاطع نفسه لا يخلو من الزخرف والدر ولا أدري فيم كان يستخدمه السلطان التركي مراد للقتال أم للمباهاة؟.



إنها مجموعة رائعة تمثل خلاصة الفن الإسلامي وهي تؤرخ له من القرن السابع إلى التاسع عشر، في عام 1891 تلقى المتحف أول مجموعة من الآثار الإسلامية هبة من عاشق هذا النوع من الآثار "إدواردس. مور" ومنذ ذلك الوقت توالت على المتحف الهدايا والهبات. وكانت أهم المجموعات تلك التي حصل عليها من متحف نيسابور في إيران في الفترة من 1935 إلى 1947 ولا أدري تحت أي ظروف تمت مثل هذه الصفقة. ولكن المتروبوليتان يحتوي الآن على واحدة من أهم المجموعات الإسلامية في العالم. فهناك تلك المجموعة النادرة من الأواني الزجاجية والمعدنية من مصر وسوريا. ومجموعات "السيراميك" المنقوش من فارس وتركيا، ومقتنيات البلاط الملكي من قصور المغول في جنوب الهند بالإضافة إلى السجادة التي يعود تاريخها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين.



التأثير في النفس



كان على أن أعبر كثيرا من الأزمنة والإبداعات البشرية في إفريقيا وأمريكا ما قبل الاكتشاف وأعماق آسيا حتى أصل إلى عذابات الفنانين التشكيليين على مشارف العصر الحديث. تلك العذابات التي صاغوها ألوانا وظلا وعلى لوحات من القماش. تلك المجموعة النادرة اللوحات التي لا نظير لها إلا في متحف اللوفر الفرنسي.



من لوحة دافيد عن سقراط وهو يمد يده ليتناول كأس السم من تلميذه الخجل إلى الأميرات الإسبانيات اللواتي كان جويا مغرما بخدودهن المتوردة، ثم ثار عليهن وهبط للشوارع ليرسم أفكاره الكاريكاتيرية بالأبيض والأسود ويحرض الثوار عليهن. من الجنتلمانات المتأنقين في رسوم كونستابل إلى رسوم ديلاكروا بألوانها الشرقية الدافئة وحركتها العنيفة. من ألوان مونيه الرقيقة إلى راقصات الباليه اللاتي ينتقلن بأقدامهن الرشيقة فوق نحيلة "ديجا". من ضربات رينوار التأثيرية إلى تلك النظرة المجنونة التي تبدو في عيون فنست فان جوخ قبل لحظات من محاولته قطع أذنه.



جنون الفن وعظمته. شخبطات من اللون والحلم والرغبة. كلها اجتمعت تحت السقف في مكان واحد، من النادر أن ترى كل هذه الروائع معا. ولكن لعل أروع ما يحتويه هذا المتحف هو مجموعة التأثيريين التي بدأت كاتجاه وكحلم وكضربة عفوية من ضربات الفرشاة.



في عام 1874 تم رفض عرض لوحات مجموعة من الفنانين الفرنسيين في صالون باريس السنوي الذي كان يدشن الفن الرسمي للمؤسسة الفرنسية. وقد اجتمع هؤلاء المرفوضون في استديو أحدهم هو المصور "نادر" وكانت هذه المجموعة تتكون من بيسارو ورينوار وسيزان ومونيه ومن هذا الاجتماع برزت مدرسة التأثيرية في الرسم وهو الاتجاه الذي كان له تأثير بالغ الأهمية في الفن المعاصر. أ يكن ثورة أو قطيعة مع الأسلوب التقليدي القديم أو الأسلوب الأكاديمي في التلوين. ولكنه كان محاولة للإمساك بالزمن الحالي وبدلا من محاولة رسم زمن ماض أو مكان منعزل حاولوا الإمساك بتلابيب الحياة اليومية. لقد تحولت الطبيعة إلى إحساس داخلي بهذه الطبيعة تعكس مدى ما تحدثه في النفس من تأثير مع ضربات سريعة من الفرشاة تحاول أن تحاكي الطريقة التي ينعكس بها الضوء على شبكية العين. ولقد قادت هذه الثورة على التقليدية إلى طريقة جديدة للرسم. وكما قلنا قبلا فإن مجموعة الفن التأثيري من مقتنيات متحف المتروبوليتان هي الأفضل والأكمل في العالم بدءا من بدايات الثورة على الكلاسيكية في أعمال مانيه وديجا إلى شكلها البالغ التأثر في أعمال بيسارو وسيزان الذي حاول أن يعيد للرسم الثقل والصلابة التي أهملها زملاؤه.



اخرج إلى بوابات المتحف واجلس على الدرج الحجري وسط عشرات الشباب والتقط أنفاسك وسوف تكتشف أنك في حاجة للعودة من جديد، وأن زيارة واحدة لا تكفي. إنك في حاجة إلى عدة أيام حتى يمكن أن تكتشف آلاف التفاصيل وتقرأ سطور التاريخ والحضارة وقد تحولت إلى نبضات حية. إنه التاريخ الإنساني الموغل في القدم يقف في مواجهة تاريخ المدنية الشديد الحداثة.





محمد المنسي قنديل





المصدر: مجلة العربي



الأحد 1 يناير 1995 30/7/1415هـ / العدد 434




زهره حبيسه
Bismillahs.gif


سؤال للمحاور رامى المنشاوى
مع ا.جار النبى الحلو عن علاقته بد.المنسى قنديل biggrin.gif


اقتباس

محيط : لا يذكر "جار النبي الحلو" إلا و يذكر معه "المنسي قنديل" كيف أضحى المنسي خلا وفيا كأحد المستحيلات الثلاثة؟


[b]،، عشت مع المنسي قنديل لحظات التكوين الأولى ،،

عندما ألقيت هذا السؤال بادرت "وسام" على الفور وهي الإبنة الكبرى للكاتب الكبير بإحضار كتاب وضعته بين يدي والدها الذي نظر إليه مليا ثم قال بعد لحظات من الصمت: سمعت عن المنسي وأنا في المرحلة الابتدائية على اعتبار أنه يحب الكتب، وفي بداية المرحلة الإعدادية 1960 وقفت على باب المدرسة منتظرا المنسي قنديل ؛ حتى التقيت به وأدركت أننا على صلة منذ زمن، كتبنا معا بعض القصص وتعلمنا القراءة سويا، وتبدلت بنا الأحوال من حال إلى حال.. ثم شرع يقرأ من الكتاب "ولكني كنت أدرك أن قبري لن يوجد إلا في مكان واحد، حيث يوجد من يضع عليه زهرة من الصبار ويرش قليلا من الماء ويقرأ الفاتحة، وأعتقد أن جارا سوف يقوم من أجلي بكل هذه الأشياء" وهنا أطلت دمعة من عين الكاتب "الحلو" في حين أحكمت يداه غلق الكتاب الذي حمل توقيع "المنسي".




زهره 08.gif


عارف فكري
السلام عليكم
مادة ممتازة ووافية جمعتها الأخت العزيزة لواحد من مبدعينا ، من طائفة المسكوت عنهم!
سأحتفظ بتلك المادة فى ملف خاص ، لأنها تستحق هذا عن جدارة
ألف شكر
زهره حبيسه
Bismillahs.gif


اقتباس
مادة ممتازة ووافية جمعتها الأخت العزيزة لواحد من مبدعينا ، من طائفة المسكوت عنهم!
سأحتفظ بتلك المادة فى ملف خاص ، لأنها تستحق هذا عن جدارة



والله انا سعيدة جدا بأنى عملت موضوع مهم زى دا mf_popeanim2.gif .

انسان رائع ويستاهل فعلا الكلام المتواصل عشان احساسه وشعوره لمدة 20 سنة كلام متواصل.. harsh.gif



شكرا عارف biggrin.gif


زهره 08.gif

Leonardo
أكثر ماأثار غيظى هذه القائمة الطويلة من أعماله وبجوار كل منها "متوفر" !!!
متوفر أين ؟
لم أجد له سوى انكسار الروح وتفاصيل الشجن وقمر على سمرقند فى الهلال
وهذا العام وجدت بيع نفس بشرية فى ميريت -بأخطاء مطبعية عديدة وطباعة رديئة نوعا !!-
وحصلت من مكتبة الأسرة على شخصيات حية من الأغانى
فأين بالضبط تتوافر باقى أعماله المتوفرة ؟؟؟؟؟
بحثت على النت كثيرا فلم أجد شيئا ذا بال
فهل يعرف أحد أين تتوافر أي من أعماله ؟
زهره حبيسه
Bismillahs.gif



اقتباس
أكثر ماأثار غيظى هذه القائمة الطويلة من أعماله وبجوار كل منها "متوفر" !!!
متوفر أين ؟
لم أجد له سوى انكسار الروح وتفاصيل الشجن وقمر على سمرقند فى الهلال
وهذا العام وجدت بيع نفس بشرية فى ميريت -بأخطاء مطبعية عديدة وطباعة رديئة نوعا !!-
وحصلت من مكتبة الأسرة على شخصيات حية من الأغانى
فأين بالضبط تتوافر باقى أعماله المتوفرة ؟؟؟؟؟
بحثت على النت كثيرا فلم أجد شيئا ذا بال
فهل يعرف أحد أين تتوافر أي من أعماله ؟


فعلا يا عزيزى ليو sad.gif

انا زيك بالظبط ويمكن اكتر crying.gif

صعب انى الاقى حاجة لد.محمد الا بطلوع الروح
قريت له كتير بس كانوا كتب مش كتبى, giveup.gif

حاولت اجيب حاجة من المعرض السنة دى مش لقيت غير انكسار الروح و قمر على سمر قند نسخ دار الهلال.
كمان كان د.محمد مهادينى بكتاب (بيع نفس بشرية) معرض السنة اللى فاتت
كمان عندى بالاقتراض تفاصيل الشجن فى وقائع الزمن ..


ياريت انا كمان الاقى مكان فيه كل ابداعات الكاتب الكبير w00t.gif .
ناهيك عن ان معظم القصص هنا حضرته بعتهملى بنفسه, mf_popeanim2.gif



يعنى الموضوع دا صعب مش سهل ابدا, sad.gif
بس عشان انسان مبدع يستحق فالصعب بيهون فعلا mf_wink.gif



زهره 08.gif

Leonardo

اقتباس
ناهيك عن ان معظم القصص هنا حضرته بعتهملى بنفسه,


امم .. احم !!
يعنى معاكى إيميله يعنى ؟ ماشى ماشى " وجه يتقطر حقدا وحسدا وغبطة وكل حاجه !!!"
طيب ماتسأليه كده ينوبك ثواب عن أعماله الكامله
إنشالله حتى ناخد منه النسخه اللى عنده -وأشك بصراحة إنه يبقى عنده نسخ من أعماله !!- نصورها ونرجعها له تانى
أو حتى لو مش نازل مصر قريب يعنى يتفق مع الشروق وللا أى دار نشر محترمه علشان يطبع أعماله الكامله
لما المنسى قنديل والمخزنجى مايطبعوش مجموعة أعمالهم الكامله , مين اللى يطبع يعنى ؟

زهره حبيسه
Bismillahs.gif


اقتباس


امم .. احم !!
يعنى معاكى إيميله يعنى ؟ ماشى ماشى " وجه يتقطر حقدا وحسدا وغبطة وكل حاجه !!!"
طيب ماتسأليه كده ينوبك ثواب عن أعماله الكامله
إنشالله حتى ناخد منه النسخه اللى عنده -وأشك بصراحة إنه يبقى عنده نسخ من أعماله !!- نصورها ونرجعها له تانى
أو حتى لو مش نازل مصر قريب يعنى يتفق مع الشروق وللا أى دار نشر محترمه علشان يطبع أعماله الكامله
لما المنسى قنديل والمخزنجى مايطبعوش مجموعة أعمالهم الكامله , مين اللى يطبع يعنى ؟



معايا بس انت عارف دى امانة فمينفعش اتصرف من دماغى واعلنه biggrin.gif

اعمال كاملة مظنش , لو كان فى كنت عرفت بس حاليا مفيش harsh.gif




على رأيك, biggrin.gif
متفقة معاك فى احقية من هم على شاكلته ومكانته الادبية ان يكون ليهم اعمال كاملة 11umbup.gif ..
ياريت sad.gif



زهره 08.gif

زهره حبيسه
Bismillahs.gif




دعوة منى لاعضاء المنتدى ع الفيس بوك type.gif
للاشتراك على جروب

لمتابعته harsh.gif
وان شاء الله الجروب يعجبكم biggrin.gif



زهره 08.gif


هذه نسخة خفيفة من المنتدى لرؤية الصور و جميع الأشياء من فضلك انقر هنا.
Invision Power Board © 2001-2010 Invision Power Services, Inc.