8
في صورته الدموية الجديدة خاض (محمد عباس) في ممرات الشركة ....
صرخاته تتوالى .... عالية....
هل هي صرخات ألم ؟ .....
هل هي صرخات غضب ؟......
لا أحد يدري و لم يتوقف أحد ليتسائل فقد اندفع حراس الممر السبعة باتجاهه .....
كان خط سيره خطير بالفعل فقد كان متجها إلى مقر الاجتماع تاركا القيادة لشيطانه الذي انطلق فجأة من عقاله و لدهشته الشديدة لم يبد عليه الخوف من الموقف و إنما رفع المدفع الذي أخذه من الحارس القتيل و بسرعة أذهلته هو شخصيا أطلق رصاصاته على مصابيح السقف لتتساقط على رؤوس الحراس و يسود الظلام .....
و بصراخ يصم الآذان و قبل أن يستعد الحراس بمناظير الرؤية الليلية كانت رصاصاته تحصدهم حصدا ....
و فوق جثث سبعة من الحراس خطا نحو هدفه عبر ذلك الممر الطويل ....
واصل السير وهو يحاول استعادة زمام نفسه ...
يحاول تحريرها من شيطان الانتقام هذا الذي يتولى القيادة الآن ....
و لكن حتى لو استعاد الزمام .....
لقد فات أون التراجع ....
إنه في كل الأحوال رجل ميت.....
فليترك الزمام لشيطان انتقامه ....
ذلك أفضل جدا ....
لقد عاش و طوال حياته فأرا .....
لا ضير الآن من أن يموت رجلا ....
لعل هذا ما يشفع له أمام (ليلى) إذا ما التقاها في العالم الآخر .....
لقد قاتلت من أجلك يا حبيبتي ..... أرقدي قريرة العين .....
عما قريب سيجمعنا عالم واحد مرة اخرى ......
أعادته الصدمة القوية إلى عالم الواقع .....
اصطدام شديد بشئ صلب .....
ربما شخص .....
إنه شخص ....
فأمامه مباشرة و بارتفاع يزيد على المترين قليلا كان (قابيل) القائد العام .....
رهيب .... مهيب .....
المعنى الحي المتجسد لشخص ذو ثقل .....
الثقل بمعنييه .... المادي و المعنوي .....
و لكن ثقله المعنوي النفسي كان أكبر .....
ثابت ..... رابط الجأش .....
قوة الشكيمة تطفح من عينيه .....
لكنها لا تفيض على من حوله .....
قوة شكيمته تسلب من حوله ثباتهم .....
كان بمفرده .... لم تصحبه قوة من الحراس .....
كان ليشعر بالإهانة لو خرج معه أحد .....
-" أنت .... الق سلاحك ... استسلم ... و أنا أعدك بكلمتي أن أجعل موتك رحيما "لو واجه (محمد عباس) ذلك الموقف بشخصيته المعتادة لربما مات بالسكتة القلبية قبل حتى أن يتكلم (قابيل) فمرآه وحده يكفي......
لكن هذه المرة ..... هذا اليوم .... لم يخف بل على العكس .... ضحك و بشدة.....
كان الموقف بالفعل مثيرا للسخرية و للغيظ معا ....
هكذا فكر (محمد عباس)......
يستسلم ليقتلوه !!!!! ..... أم يواصل القتال فيقتلوه ......
تلك هي الخيارات المتاحة ......
خياران لا ثالث لهما ......
هيا .... أسرع .... اختر أحدهما .....
لم يدعه شيطانه يفكر ..... و إنما رفع المدفع مرة أخرى .....
أطلق دفعة من الرصاصات نحو (قابيل) .....
لم يدر أساسا كيف واتته الجراة لفعل ذلك ......
و لكن مهلا.....
لما لم يسمع دوي الرصاصات ....
لما لم يتهاوى (قابيل) .......
و فهم ....
فهم أن يده خاوية و أن المدفع لم يعد هناك .....
إنه أعزل بمواجهة (قابيل) الرهيب .....
(قابيل) الذي تحرك بخفته راكلا المدفع من بين يديه ....
(قابيل) الذي لم تفقده سنوات عمره التي شارفت على الستين مرونته و لياقته ....
و بركلة أخرى أطار (محمد عباس) مسقطا إياه على الأرض .....
-" اولئك الخائبون" قالها (قابيل) بغضب.....
أهذا هو الذي فعل ما فعل ؟ ..... مهمة سهلة .... مهمة لا تستحق خروجه بنفسه .....
و تضاعف غضبه مرة أخرى على حراسه .....
و تعجب أنهم كيف لم يقدروا على ذلك الفتى المهلهل .....
-" اللعنه عليهم جميعا "رفع اللاسلكي إلى فمه ....
-" تعالوا لتأخذوه ..... أيها الحمقى "انتهت المهمة .... سيعود إلى مقره إذن ..... هكذا بهذه البساطة .....
كان يمني نفسه بمعركة حامية .....
صرخة عالية شقت الوجود في تلك اللحظة .....
صرخة لم يدر مصدرها .....
استدار مرة أخرى ليجد أن (محمد عباس) ليس في مكانه و أنه هو شخصيا لا يقف على قدميه و ثمة شئ صلب مدفون في بطنه .....
كانت المفاجأة قوية .....
استغرقه الأمر لحظات طويلة ليدرك أنه مطروح على ظهره أرضا ....
و أن (محمد عباس) يقف على رأسه .....
هل نسينا شيئا ؟ .....
نعم ... نعم .....
بيده سيف عملاق يشق الهواء في رحلة دموية باتجاه (قابيل) .....
لم يفكر (قابيل) من أين أتى بهذا السيف بل تدحرج جانبا لتخطئه الضربة ....
و من حزامه أخرج سيفا مماثلا ....
-" أخذت سيف أحد أولئك الأغبياء إذن "لم يرد (محمد عباس) كان مايزال يصرخ.....
صراخه هذه المرة كان غضبا و ألما .....
ركبته اليسرى المعطوبة تؤلمه بشدة الآن .....
أمسك بالسيف بكلتا يديه ....
ما زال الصراخ عاليا .....
-" اصرخ .... اصرخ كما تشاء .... اصرخ حتى الموت "كانت هذه آخر عبارة قالها (قابيل) قبل أن يكتشف أن ذراعه اليمنى ليست في مكانها .....
أين هي ؟ .....
يا له من سؤال .... ها هي على الأرض بجواره ....
-"انتهى الأمر "لأول مرة منذ أن قرر الصراخ في هذا اليوم .....
لأول مرة يتكلم (محمد عباس) .....
قالها و هو يقترب من (قابيل) الذي عاد للوقوف على قدميه مرة أخرى برغم الدماء النازفة....
برغم آلامه الشديدة التي لم تظهر على وجهه القاسي .....
عاد ليمسك السيف بيده اليسرى ....
لم يفهم (محمد عباس)....
لم يتخيل ما حدث .....
لأول مرة يرى أحشائه .... ها هي متدلية أمامه .....
بسيف (قابيل) و بيده اليسرى .....
هذه المرة كانت الصرخة صرخة ألم .....
ألم فقط .....
اللاسلكي مرة اخرى إلى فم (قابيل).....
-" تلك هي النهاية هيا خذوه من هنا " هذه المرة لن يستدير و يمشي .... سيأخذ الحذر ..... هو لم يصبح قائد الحرس عبثا .....
هذه المرة لن يترك له سلاحا .....
نعم ... هذا هو القرار السليم .....
صحيح أنه ممدد على الأرض ..... و ربما لن يستطيع فعل شئ و لكن الاحتياط واجب .....
هكذا يمشي إليه .....
هكذا ينحني نحوه .....
هكذا تطير رأسه من بين كتفيه ....
أقدم لكم (محمد عباس) .....
آلة القتل التي لا تتوقف .
يتبع