أكتب هذا المقال خصيصًا من أجل فيلم أمريكاني ساقني الحظ العاثر لمشاهدته منذ يومين..
ربما يعرف من قرأ مقالاتي السابقة، أنني في هذه السلسلة أتحدث عن أحوال السينيما المصرية بشكل خاص.. والدراما المصورة بشكل عام.. ولكن واجهتني أكثر من مرة تلميحات تفيد بأن هجومي على السينما المصرية قد يعني تشيعًا للسينما الأمريكية، وهي وجهة نظر غريبة ولا أجد ما يبررها.. وقد جالت تلك الفكرة بخاطري وأنا أشاهد هذا الفيلم.. فكرة أنه أسوأ من كثير من افلام الأكشن المصري التي شاهدتها في حياتي، وتحديدًا تلك التي تناولتها بالنقد في مقالاتي السابقة.. لا يفرق بينه وبين الأفلام المصرية سوى الإمكانيات التقنية فقط.. لذا قررت أن أقدم هنا رؤيتي الخاصة لهذا الفيلم..
أما الفيلم فهو: (كنز وطني ج2: كتاب الأسرار) أو national Treasure 2: Book of Secrets
وهو ينتمي لنوعية أفلام البطل الأمريكي العبقري، الشجاع، المغامر.. الذي يفعل المستحيل.. ويخدع الجميع.. ولا يقف أمامه عائق.. وهي الأفلام التي لا تجد حرجًا في (مسح الأرض) بباقي شعوب الأرض، وإظهار مدى تخلفهم وسذاجتهم أمام البطل الأمريكي الذي لا يقهر!!
وهنا يجب أن أوضح نقطة من وحي هذا النقد.. فطوال حياتي وجدت الناس في مصر ـ سواء جمهور أو نقاد ـ يعترضون على نقطتين في الأفلام الأمريكية، اعتدت أنا أن أراهما من الأمور الطبيعية جدًا..
أولهما هي نظرية البطل الأمريكي الخارق.. فأنا أرى أن هذا أمر من حقهم تمامًا، فطالما أن الأمريكان هم من يصنعون الفيلم، فمن الطبيعي أن يكون البطل الممجد أمريكيًا.. فمن الغريب أن يكتب ناقد سينيمائي محترف ينتقد فيلم (يوم الاستقلال) لأنه يظهر الأمريكان كمنقذين للكوكب كله.. وهو انتقاد غريب.. فطالما أن الأمريكيين هم من صنعوا الفيلم، فهل كان يفترض عليهم أن يجعلوا أبطاله أسبان أو هنود؟! لو مصر أنتجت يومًا فيلمًا عن غزو فضائي، فبالتأكيد سيكون منقذي الأرض في هذا الفيلم مصريون..
النقطة الثانية هي اعتراضنا الدائم على إظهار السينما الأمريكية للعرب بالجلابيب والعمائم.. يمتطون الجمال.. ويتعاركون بالسيوف.. وأنا لطالما نظرت لهذه النقطة كأمر بديهي ومسلم به.. لأن هذا ما يفعله الأمريكان وغير الأمريكان مع باقي شعوب الأرض، بل هذا نفسه ما نفعله نحن في أفلامنا ومسلسلاتنا (الكوميدي منها بالتحديد).. فالأمريكي غالبًا هو (الكاوبوي) بقبعته وحصانه والمسدس في نطاقه.. والمكسيكي دائمًا يرتدي القبعة الكبير وتلك السجادة (التي لا أعرف اسمها) تتدلى من كتفه.. واليابانية ترتدي الكيمونو وتمشي على أطراف أصابعها..
فهذه النقطة متعلقة بالنظرة الشعبية.. نظرة الأشخاص محدودي الثقافة.. فنحن في مصر لا نتخيل الهنود بدون الفيل.. لذا فالأفلام التي تحاول مخاطبة الفئات الشعبية من الجماهير يجب أن تقدم الهندي ومعه الفيل، حتى يصدق الناس أنه هندي.. أو كمثل التخيل الظريف في فيلم ميدو مشاكل.. حيث في احتفالية (المركز الثقافي الأفريقي!!!) يرتدون الريش.. ويقرعون الطبول، ويتقافزون عاري الجزوع.. وكأن الناس ـ دون هذه التحابيش ـ لن يصدقوا أنهم أفارقة!!! أو فيلم (ابن عز) الذي يرينا كيف أن الهنود في المركز الثقافي الهندي يقضون وقتهم في الرقص على أنغام أغنية (حبيبي ده) لهشام عباس!!!
ومن هنا نجد أنه من الطبيعي أن يقدم الأمريكان في أفلامهم الخفيفة نموذج العربي بهذا الشكل، لأن هذه هي الصورة الشعبية للعربي في أذهان محدودي الثقافة (وهم أغلب الشعب الأمريكي).. وهذا ما يفعلونه مع كل الشعوب، وليس العرب فقط.. فقد شاهدت فيلم ديزني الكرتوني (كتاب الأدغال 2) فوجدت أن بطلة الفيلم الطفلة الهندية، مرسومة بتلك النقطة الحمراء على جبهتها.. على الرغم من أن هذه النقطة لا تضعها سوى السيدة المتزوجة!!
ولكن ما أعترض عليه.. وما يمثله فيلم (كنز وطني 2).. هو العبث بكل شيء بسذاجة غريبة.. وكأن البطل يكفيه أنه أمريكي لكي يحطم كل القيود.. ويتفوق على الجميع، لا عن ذكاء منه، وإنما عن سذاجة وعته تام منهم..
فالبطل الأمريكي العبقري (لدرجة تحرق الدم) يطارد خريطة كنز.. أو بمعنى أدق.. يطارد العلامات التي تشير إلى خريطة الكنز، والفيلم يفترض ـ مثل الجزء الأول ـ أن بعض من معالم أمريكا تحتوي على إشارات وألغاز مخفية تقود إلى كنز أسطوري.. ولكن هذه الإشارات قادته في الجزء الثاني إلى فرنسا، وتحديدًا إلى نموذج مصغر لتمثال الحرية موضوع بجوار برج إيفيل.. فنرى كيف ينجح البطل في (استغفال) الشرطيين الذين فاجآه هو وصديقه أثناء فحصهما للتمثال بطائرة لعبة مزودة بكاميرا.. ويبرز الفيلم مدى سذاجة الشرطيين الفرنسيين الذين يتبرعان لمساعدة البطل لمجرد أنه حدثهما بأقوال فيلسوف فرنسي!!
المهم أن اللغز المدون على التمثال يقوده إلى أن خريطة الكنز مخبأة في المكتب الخشبي الذي تجلس عليه ملكة إنجلترا في قصر باكنجهام، فيقرر بمنتهى الجراءة الأمريكية أن يتسلل إلى مكتب ملكة بريطانيا العظمى!!!
وهنا نجد أن الأمريكان قد حلوا كل مشاكلهم بلعبة (التكنولوجيا الحديثة) فقديمًا كان السيناريست الذي يريد أن يكتب مشهدًا عن عملية اقتحام لمكان على مستوى عالي من الحماية، يرهق نفسه في البحث عن خطة تقنع المشاهد، وأحيانًا ما يستعين برجال مباحث، أو حتى بعقول إجرامية لوضع تلك الخطة.. ولكن عندما يكون السيناريست مثل كاتب هذا الفيلم، فمن الطبيعي أن يلجأ للحيلة السهلة: التكنولوجيا الحديثة.. فيكفي وجود خبير عبقري في التكنولوجيا، بصحبة مجموعة من الأجهزة المعقدة، لكي يقتنع المشاهد بأي شيء..
ففي فيلمنا نرى صديق البطل خبير تكنولوجيا عبقري.. يصطحب أجهزته المعقدة إلى حمام الرجال في قصر باكنجهام (في القطاع المخصص لزيارات السائحين)، ويختار كابينة مرحاض خالية لينثر فيها أجهزته ويحولها إلى غرفة عمليات.. وهكذا، وبدون أي تفسيرات إضافية (يكفي أنه أمريكاني.. وعبقري) يصير متحكمًا في كل شيء في قصر الملوك.. يفتح ويغلق الأبواب.. يطلق إنذارات حريق كاذبة.. يغلق شاشات المراقبة.. ونرى المسؤولين عن حراسة القصر وهم مذعورون كالأرانب من هذا الذي يحدث، ويصابون بحالة من الذهول تكفي لأن يحصل البطل على ما يريد ويغادر القصر.. فنرى البطل الجريء يتسلل إلى مكتب الملكة بجراءة مذهلة (بمساعدة الغباء الإنجليزي المطبق).. وفي أقل من خمس دقائق يكتشف مخبئًا سريًا في المكتب لم يكتشفه أحد من الإنجليز طوال قرابة مئة عام، بينما في مشهد تالي يفعل نفس الشيء في مكتب الرئيس الأمريكي بغية اكتشاف الجزء الثاني من الخريطة، ولكنه يجد المخبأ في مكتب الرئيس الأمريكي فارغًا.. فتقول له صديقته ما معناه:
"لقد جلس على هذا المكتب عدد (كذا) رئيس أمريكي، فهل تظن أنهم بالغباء لكي لا يكتشف أحدهم المخبأ طوال هذه المدة!!!!
(أما ملوك إنجلترا، وقادتهم، وحاشيتهم.. فهم بهذا الغباء..)
المهم أن البطل يحمل قطعة الخشب التي استخرجها من مكتب الملكة، وعليها نقوش بلغة قديمة، ويغادر القصر بالبساطة التي دخل بها.. ولكنه يصطدم في الخارج بالأشرار الذين يريدون سرقة تلك القطعة منه، فتحدث مطاردة عنيفة بالسيارت في قلب شوارع لندن.. مطاردة تستغرق وقتًا طويلاً.. يتم فيها تحطيم سيارات، وأسواق شعبية، وكسر إشارات مرور.. بل أن البطل الأمريكي يصرخ أنه قد داس قدم أحد المارة بالسيارة!! كل هذا يحدث دون أي تدخل من البوليس الإنجليزي..
ثم في دليل أخر على عبقرية العقل الأمريكي الذي لا يقف في طريقه شيء، يحدث الآتي:
البطل يكتشف أن الهرب من الأشرار بات مستحيلاً، فيقرر أن يعطي لهم قطعة الخشب بعد أن يصور النقوش المحفورة عليها.. فيسأل إن كان أحد من رفيقيه (صديقه العبقري.. وحبيبته السابقة) معه هاتف بكاميرا، فتكون الإجابة بالنفي!!! وقد تندهش كون هؤلاء الأمريكان بتكنولوجيتهم التي مكنتهم من اقتحام قصر باكنجهام ليس معهم هاتف بكاميرا، في حين أنني في طريقي إلى العمل يوميًا أشاهد طلبة الإعدادي وهم يتبادلون كليبات البورنو عبر هواتفهم ذات الكاميرات!!! ولكن المؤلف تعمد هذا لكي يظهر لنا العبقرية الأمريكية في أرقى صورها (والشاطرة تغزل برجل حمار!!).. يقوم البطل بكسر إشارة مرور بعد أن يمسك بلوح الخشب فوق صدره.. لأنه يعلم أن الرادار الموجود في الإشارة سيلتقط صورة لرقم السيارة، وصورة أخرى لراكبها.. فتظهر صورته مصحوبة بصورة اللوح الخشبي.. فيقول لصديقه العبقري بمنتهى البساطة: ادخل الآن على كومبيوتر الشرطة الإنجليزية واحصل على هذه الصورة!!!!! وبالطبع ينفذ العبقري هذا الطلب بمنتهى اليسر..
عند هذا الحد يبنتهي الأمريكان من العبث بشعوب العالم.. ويبدأ فاصل جديد من الفيلم يعبثون فيه بالشعب الأمريكي نفسه!!!
ولكن المؤلف لم يقصد بالطبع سخرية من الشعب الأمريكي.. ولكن لأنه مؤلف غلبان لم يستطع أن يقنعنا بعبقرية بطله.. فكان لابد أن يستعين بالكثير من المصادفات الغريبة، والكثير من الأشخاص السذج، لكي يدفع البطل دفعًا نحو النجاح في مسعاه..
فالبطل يكتشف أن قطعة الخشب التي حصل عليها ناقصة، وهناك جزء ثاني منها في مكتب الرئيس الأمريكي نفسه!! فيقرر بلا أية ذرة تردد أن يتسلل إلى المكتب البيضاوي الشهير.. وهنا يتدخل القدر...
1 ـ بالصدفة يكتشف البطل أن هناك مهرجان في حديقة البيت الأبيض مخصص للأطفال الأيتام (أو شيء من هذا القبيل)..
2 ـ بالصدفة نكتشف أن صديقة البطل السابقة قد تعرفت ـ بعد انفصالهما ـ على موظف في البيت الأبيض..
3 ـ بالصدفة نكتشف أن هذا الموظف من المسموح لهم بدخول المكتب البيضاوي..
4 ـ بالصدفة يكون هذا الموظف ساذج كجرو من فصيلة (سان برنار)..
وهكذا نجمع هذه الصدف سويًا فتنتج خطة عبقرية:
بطل الفيلم يستفز الموظف بطفولية بدعوى أن البطلة تتمنى مشاهدة المكتب البيضاوي ولكنها متأكدة من أنه ـ أي موظف البيت الأبيض ـ لا يستطيع تحقيق هذا الطلب لها.. فتثور بعروقه دماء التحدي فيقرر أن يأخذهما إلى المكتب البيضاوي.. وهناك تدعي البطلة أن قرطها سقط منها، فينشغل هو بمساعدتها في البحث عنه حتى ينتهي البطل من تفتيش المكتب..
وتنتهي تلك المغامرة بالعثور على المخبأ خاليًا.. ولكن دليل أخر يقودهم إلى أن أحد الرؤساء السابقين قد عثر على نصف الخريطة هذا، وأنه محفوظ الآن فيما يسمى بالكتاب السري للرؤساء.. وهو كتاب يحتوي على أخطر الأسرار الأمريكية، ولا يعرف مكانه سوى الرئيس الأمريكي..
وهنا يقرر البطل أن:
أن:
أن:
(جمدوا قلوبكم...)
أن:
يخطف الرئيس الأمريكي!!!!!!!!!!!!!!
عند هذا الحد أتوقف..
فلا يوجد كلام يمكن أن يقال بعد هذا..
هذه فقط كانت عينة من الابتذال و(التفاهة) التي يبيعها تجار السينما الأمريكان..
المهم أن فيلمًا كهذا يجعلنا ندرك قيمة أفلامنا:
مافيا.. تيتو.. فتح عينيك.. كود36.. عمليات خاصة.. إلخ
فأي من هذه الأفلام لم يبلغ مدى الابتذال أو السخف الذي في هذا الفيلم الذي يحمل صفة (أمريكاني)..
بقى فقط أن أعطي بعض المعلومات..
الفيلم من بطولة:
ـ نيكولاس كيدج
ـ ديان كروجر
ـ جستين بارثا
والمخضرمون:
ـ جون فويت
ـ هارفي كيتل
ـ إد هاريس
ـ هيلين ميرين
وإخراج: جون ترتلتوب (نفس مخرج الجزء الأول)