المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
النسخة الكاملة : رواية أرض زيكولا
دار ليلى للنشر والتوزيع > المنتديات العامة > أعمال الأصدقاء > الرواية
د عمرو عبدالحميد
أرض زيكولا

د عمرو عبدالحميد

الحلقة الأولى


يقولون الحب أعمى .. و هو يقول أصابنى العمى حين أحببت .. و لكن ماذا يفعل .. ها هو قد أحب و حدث ما حدث .. و ها هو يجلس كل يوم فى حجرته ليكتب مجددا .. :

" أنا خالد حسنى .. ثمانية و عشرون عام .. خريج كلية تجارة القاهرة منذ ستة أعوام .. بلدى تسمى البهو فريك تابعة لمحافظة الدقهلية .. و اليوم قد رفضت للزواج بحبيبتى للمرة الثامنة .. و لنفس السبب .. "
ثم نظر إلى الحائط .. و قد قام بتعليق الورقة بجوار سبعة ورقات أخرى يبدو أنها علقت فى أوقات سابقة ..

الورقة الأولى مكتوب به أسمه و سنه و بلده و بها .. رفضت للزواج بحبيبتى اليوم .. و بجوارها ورقة ثانية و بها رفضت للمرة الثانية .. و الورقة الثالثة بها رفضه للمرة الثالثة .. و هكذا حتى الورقة السابعة ..

***

بعدها أسند ظهره للخلف و نظر للأعلى , و عادت به ذكرياته إلى ماقبل ستة أعوام مضت حين كان يدرس بالسنة الأخيرة بالجامعة .. وشاءت الأقدار أن يتعرف على منى ابنة بلدته صدفة فى طريقهما من البلدة إلى جامعته بالقاهرة .. و زادت فرحته حين علم أنها تدرس بنفس الكلية فى عامها الأول بالجامعة .. و من يومها و قد تعددت صدف لقاءهما كثيرا سواء قصدا أو دون قصد ..

حتى أفاق من ذكرياته و زفر زفرة قوية حين نظر إلى ورقة كبيرة علقها على الحائظ أسفل الثمانى ورقات و قد كتب عليها .. رفضت لنفس السبب .. السبب .. والد منى المجنون ..

***

كان خالد إن سمع كلمة مجنون فدائما يتذكر والد منى .. ولا أعتقد أنه خالد فقط بل جميع أهل البلدة .. و لكن خالد أكثر من عرف ذلك المجنون .. فمنذ أن أنهى دراسته و عزم على أن يتقدم للزواج من منى حتى فوجئ بأبيها فى أول زيارة لخطبتها ينظر إليه بغرابة :
- انت عاوز تتجوز منى ؟!
خالد :- أيوة
والد منى و قد ارتفع حاجبيه :- و انت عملت أيه فى حياتك ؟!
ازداد وجه خالد احمرارا .. و اضطرب قليلا و كأن السؤال صاعقة لم يتوقعها .. حتى رد :
عملت أيه فى حياتى ؟! .. الحقيقة أنا مش فاهم قصد حضرتك بالسؤال .. بس أنا خريج كلية تجارة جامعة القاهرة .. و حضرتك عارف إن والداى توفاهم الله و أنا صغير و عايش مع جدى .. و معفى من جيش .. و حاليا بدّور عن وظيفة مناسبة ..

رد الرجل : و تفرق أيه عن غيرك عشان أجوّزك بنتى ؟!!.. ثم أنهى المقابلة بالرفض ..

***


اعتقد خالد وقتها أن سبب رفضه للمرة الأولى أنه لم يجد الوظيفة المناسبة .. و لكنه تأكد أن السبب ربما يكون غير ذلك تماما حين وجد عملا و توجه لخطبة منى مجددا .. حتى قوبل بالرفض للمرة الثانية و نفس سؤال الأب .. ماذا فعلت فى حياتك .. و بم تختلف عن غيرك .. هذا السؤال الذى لم يجد إجابة مستوفاة لأبيها حتى المرة الثامنة لطلبه الزواج , و لم يراع فى كل مرة حب خالد لابنته أو حب ابنته له .. حتى فاض بخالد الكيل فى تلك المرة فصاح به .. :
- أنا معملتش حاجة فى حياتى .. أعمل أيه يعنى ؟!! .. عارف إنك كنت بطل فى حرب 73 .. شايف إن ده سبب يخليك تذلنا ؟! .. طب انت عاوز بطل لبنتك .. قولى أبقى بطل ازاى .. أروح أحارب فى العراق عشان تنبسط ؟!! .. ثم نظر إليه و قد ظهر الغضب فى عينيه :
- هتجوز منى يعنى هتجوزها .. غصب عنك هتجوزها ..

***

البلدة كلها تعرف أن هذا الرجل غريب الأطوار .. يريد أن يزوج ابنته الوحيدة لشخص فريد من نوعه .. أى فريد هذا ؟ .. لا أحد يعلم .. الكل يعلم أن مصير ابنته العنوسة لا غير .. طالما أبوها ذلك الرجل .. و مع هذا لم يطرق الاستسلام قلب خالد أبدا , و لم يعد بباله سوئ ذلك الشئ الذى يجعله فريدا من نوعه .. يجعله يستحق منى كما يريد أبوها .. و لكن ما هذا الشئ .. هل يسرق أحد البنوك و يصبح من الأثرياء .. هل يبحث عن كنز ما .. لا يعلم .. فلم يجد سوى أن يتوجه بالدعاء إلى الله أن ياخذ أباها ..

***
رغم أن خالد كان يتسم بخفة الظل .. و روحه المبهجة دائما , إلا أن حبه لمنى و رفض أبيها الدائم له جعل الحزن وشاحا دائما على وجهه .. حتى لاحظ جده - و الذى كان يقترب من عامه الثمانين و كان يعيشا سويا منذ وفاة والدى خالد - حزنه الشديد بعد رفضه تلك المرة , و قد اقترب منه و سأله :

- انت لسة زعلان ؟ .. انت المفروض خلاص اتعودت ..
رد خالد فى حزن :- أنا بحبها و مش متخيل أنى أشوفها لحد غيرى .. و مش عارف أبوها عاوز أيه .. مش عارف إن زمن المعجزات انتهى ..
رد جده :- و انت هتقعد جنبى كدة حاطط ايدك على خدك ؟!
خالد :- طب هعمل أيه ؟..
ضحك الجد و حاول أن يداعبه كى يخفف عنه حزنه :
- لا .. أنت احسنلك تدفن نفسك فى سرداب ..
لمعت عينا خالد .. و كأنه تذكر شيئا ما :
- سرداب .. السرداب ..
ثم أكمل :
- جدى .. انت فاكر لما كنت صغير , و كنت لما أعيط تحكيلى عن قصة السرداب الموجود تحت بلدنا .. و انك نزلته من أكتر من خمسين سنة ..
رد الجد مبتسما :- أيوة طبعا فاكر لما كنت بتعيط .. تحب أفكرك بأيامك ..
ضحك خالد :- لا .. تحكيلى عن السرداب .. و نزولكم له ..

ابتسم الجد و صمت كأنه يتذكر :
- يااه .. دى أيام فاتت من زمان .. مش فاكر منها إلا القليل .. كنا أربع شبان بنحب الشقاوة و المغامرة .. و سمعنا كلام كتير بيقول إن فيه كنزا موجود فى سرداب بيعدى تحت بلدنا .. و إن السرداب ده كان زمان مخزن كبير للأغنيا وقت أى غزو ..
- الكل كان يعرف إن السرداب ده موجود فعلا .. بس محدش جرب ينزله لأن معروف إنه مسكون عفاريت , و أى حد هينزله مش هيخرج منه .. بس احنا رمينا الكلام ده ورا ضهرنا .. و قلنا لازم ننزله .. يمكن نلاقى الكنز ده و نخرج البلد من حالة الفقر اللى كانت فيها ..

قاطعه خالد و قد ظهر استمتاعه على وجهه :- كمّل ..

:- كنا عارفين إن باب السرداب موجود فى بيت مهجور فى البلد .. بيت محاط بسور كبير .. و إن هناك صخرة كبيرة موجودة على الباب ده .. و فى ليلة توكلنا على الله .. و رحنا للبيت ده فى السر , و قدرنا نحرك الصخرة و بدأنا ننزل واحد ورا التانى .. و مع كل واحد فينا لمبة جاز .. و بعد ما نزلنا سلم طويل و لقينا نفسنا فى نفق متساوى .. و مشينا كام خطوة فى النفق ده لحد مالقينا نفسنا مش قادرين ناخد نفسنا .. و فجأة انطفت لمبات الجاز كلها فى وقت واحد .. و صرخ واحد فينا .. عفريت طفى لمبتى .. و بعدها كل واحد فينا خد ديله فى سنانه .. و رجعنا جرى على برة .. و ركبنا بتخبط فى بعضها .. و من وقتها و محدش فكر إنه ينزل هناك ..

ضحك خالد :- .. بس هتفضل ذكرى حلوة .. و انكم قدرتوا تتغلبوا على خوفكم .. حتى لو أخدتوا ديلكم فى سنانكم .. ثم ضحك جده مداعبا له :- متقولش لحد حكاية ديلنا دى ..

***

بعدها عاد خالد إلى حجرته .. و قد حاول أن ينام و لكن هيهات أن يغمض له جفن .. يفكر كثيرا فيما أخبره به جده .. هو يعلم أن ما سمعه يبدو اسطورة .. و لكن السرداب موجود بالفعل , و جده لا يكذب قط .. ثم نظر إلى الورقة المكتوب بها سبب رفض والد منى .. إنه يريد شخصا فريدا .. شخص يرضى جنونه .. يحدّث نفسه .. أنه لن يتجوز غير منى و إلا فلن يتجوز .. ثم تحدّث إلى نفسه مجددا بصوت عالى :

- فيها أيه لو نزلت السرداب .. افرض كان فيه كنز موجود فعلا .. ثم صمت و تحدُث لنفسه و كأن شخصا آخر يحدثه ..
:- كنز أيه .. ده كلام مجانين .. و متنساش إن السرداب ده مسكون عفاريت و أشباح .. و أنا أكتر واحد عارفك .. أنت فى بعض الأوقات بتخاف من خيالك .. ثم عاد مجددا :
- لو كنت جبان يبقى متستحقش منى .. أنت عاجبك حياتك كدة .. خريج كلية تجارة و شغلك ملوش أى صلة بالتجارة .. درست أربع سنين عشان تخرج تشتغل فى مخزن أدوية .. و لولا انك ساكن لوحدك مع جدك كان زمان مرتبك خلصان فى نص الشهر ..

أكمل :
- لو كنت بتحب منى فعلا .. مت شجاع عشان حبها .. أثبت لنفسك و لها أنك بتحبها فعلا .. و لو لقيت الكنز ده هتكون أشهر واحد فى البلد دى .. لا فى مصر .. لا فى العلم كله .. حتى لو ملقتوش , كفاية انك تحاول فى سبيل حبك ..
ثم انتفض من على سريره .. و أخرج صورة لمنى .. و نظر إليها و كأنه يحدثها :

- أنا هنزل السرداب ده .. هنزل مهما حصل .. و إن كان أبوكى مجنون .. فأنا أوقات كتيرة بكون الجنون نفسه ..



يتبع


[/b]
د عمرو عبدالحميد
الحلقة الثانية و الثالثة


كان خالد يظن أنه يتحدث إلى نفسه وحيدا .. و لكنه لم يكون يعلم أن هناك من يسمع حديثه إلى نفسه بصوت عالى خارج الحجرة .. حيث كان يقف جده مجاورا لباب الحجرة , و يستمع إلى ذلك الحديث و صياحه إلى صورة منى .. و رغم هذا لم تبد على وجه جده أى نوع من أنواع الدهشة و كأن ما سمعه من حديثه عن نزوله السرداب أمر لا يمثل له أى اختلاف , بل يبدو و كأنه أمر يتوقع حدوثه .. و ظل واقفا هكذا حتى صمت خالد , و أغلقت أنوار حجرته , و ساد الهدوء المكان , و لم يقطع هذا الهدوء إلا ذلك الصوت المميز الذى يعلمه جده جيدا حين ينام خالد ..

...

بعدها غادر هو الآخر متكئا" على عصاه إلى حجرته حيث جلس صامتا على أريكته بعضا من الوقت لم يتجاوز دقائق و كأنه يفكر فيما سمعه من حديث خالد إلى نفسه , ثم حرك عصاه ليجذب بها صندوقا خشبيا صغيرا يبدو عتيقا , حتى فتحه فأخرج منه ألبوما قديما للصور غطى بالكثير من الأتربة .. و بعدما أزاح الأتربة عنه بدأ يقلب فى صفحاته صفحة تلو الأخرى , و يشاهد ما بها من صور .. حتى توقف كثيرا عند إحدى الصور ..


***

فى اليوم التالى استيقظ كل من خالد و جده مبكرا كما تعودا دائما .. فخالد لديه عمله المبكر , و جده لا ينام بعد صلاة الفجر , و يظل يقرأ فى كتاب الله حى ينهض خالد فيتناولا إفطارهما سويا .. و الذى تعده لهما فتاة تسكن بجوارهما قد اعتادت على ذلك منذ سنوات .. حتى جلس خالد و كان ينظر إلى جده بين الحين و الآخر و كأنه يريد أن يخبره بشئ .. حتى قطع صمته و سأل جده :

- عبدو ( كما كان يحب أن يناديه ) .. أنت تقدر تعيش لوحدك ؟
نظر جده إليه .. و أظهر أنه لا يفقه سؤاله :
- أنت عاوز تسافر و لا أيه ؟ّ
صمت خالد .. ثم نظر إليه مجددا :
- لو سافرت لفترة قليلة .. تقدر تعيش لوحدك ؟ ثم أكمل .. و كأنه يوضح كلامه :
- أنا عارف إن كلامى صدمة ليك .. بس أنا قررت انى أسيب البلد لفترة .. و أقسم لك انى هرجع فى أسرع وقت .. و مش هتحس بغيابى أبدا .. ثم حاول أن يجد مبررا لحديثه :

- أنا هسافر أى مكان ألاقى فيه نفسى .. أحس فيه بوجودى .. أنت عارف ابن ابنك خريج كلية التجارة بيشتغل أيه ؟
رد جده :- اه .. شغال فى مخزن أدوية ..
رد خالد و أظهر حزنه :- ابن ابنك شغال شيال فى مخزن أدوية .. شيال .. هات الكرتونة دى حطها هنا .. خد الكرتونة دى وديها هناك ..

ثم هم بالوقوف ليغادر .. و قال لجده :
- هسافر فترة مش طويلة .. ثم إلتفت خارجا , حتى أوقفته كلمات جده :
- أنت ليه بتكدب يا خالد ؟! .. أنت ليه مش عاوز تعرفنى انك عاوز تنزل السرداب ؟!


كانت تلك الكلمات كالصاعقة التى وجهت إلى خالد .. فقد اختلق رغبته فى السفر لفترة كى لا يعلم جده بذلك , و يظن أنه أصيب بالجنون .. و لا يعلم كيف عرف جده بنيته .. حتى نظر إليه :
- سرداب ؟! .. أنت عرفت منين ؟!! .. أقصد سرداب أيه .. و كلام فاضى أيه ..
أكمل جده :
- عرفت من زمان .. من زمان جدا .. ثم أمره بالجلوس مجددا .. و سأله فى جدية :
- أنت عاوز تنزل السرداب ليه ؟
صمت خالد .. ثم تحدث و حاول أن يجعل الحديث مزحة :
- أنت ليه مصمم على حكاية السرداب دى .. أنا بقولك أنا هسافر ..
اعاد جده نفس سؤاله :- خالد .. أنت عاوز تنزل السرداب ليه ؟

لم يجد خالد مفرا من الحديث سوى أن يخبره بالحقيقة .. فقال بعد ان زفر زفيرا طويلا :
- عاوز أنزل عشان أثبت لمنى و أبوها انى بطل .. انى مختلف عن غيرى ..
فساله جده :- بس ؟
أجاب خالد فى تعجب من سؤاله :
- أيوة بس .. ثم أكمل :
- و مين عارف , يمكن ألاقى الكنز اللى أنتو كنتوا نزلتوا قبل كدة عشانه ..
كرر جده :- بس ؟
خالد :- ايوة
تحدث جده فى جدية :- أنت مش عاوز تنزل عشان كدة ..
نظر إليه خالد .. و لاحظ الجدية التى لم يرها على وجه جده من قبل .. حتى أكمل جده :
- افرض إن منى اتجوزت حد تانى , هتنزل السرداب و لا لا ؟
صمت خالد مفكرا لبعض الوقت .. و قد أكمل جده مجددا :

- عمرى ما هصدق إنك عاوز تنزل عشان منى .. أنت عاوز تنزل لسبب تانى تماما" .. سبب نزولى و نزول غيرى .. السبب اللى بيجرى فى دمنا .. دمى , و دمك , و دم أبوك .. السبب هو حبنا للمجهول .. حبنا للتمرد .. حبنا لاكتشاف حاجة جديدة .. حبنا للاختلاف ..
أردف :
- لما كنت صغيّر كنت بحكيلك عن السرداب و أنت بتعيط .. و يمكن كنت بتبص لها إنها مجرد حكاية عشان اسكتك بيها , و متعرفش إنى كنت بنمى فيك السبب ده .. و صدقنى كنت عارف إن هيجى يوم و تكبر و أحكيلك من تانى عن السرداب .. مجرد حكاية صغيرة عنه و هتنتفض من جواك ..
ثم تابع حديثه :
- ما أنت ياما رفضك أبو منى .. و كنت عارف سبب رفضه .. اشمعنى المرة دى اللى حبيت تعمل بطل .. لحد ما جه اليوم ده امبارح , و حصل لك نفس اللى حصل لأبوك يوم ما حكيت له عن السرداب .. بس الفرق إنى عرفت انك عاوز تنزله , أما هو راح فجأة ..

خالد فى دهشة كبيرة :
- أبويا نزل السرداب ؟!
رد جده :- مش أبوك لوحده .. أبوك و أخد امك معاه .. كانوا فاكرين أنهم هيروحوا رحلة صغيرة و يرجعوا .. عشان كدة سابوك و أنت ابن سنتين .. و قالوا راجعين بعد أيام .. لكن الأيام بقت شهور , و الشهور بقت سنين , و السنين فاتت و مرجعوش .. و البلد كلها عرفت انهم ماتوا فى حادثة .. و الكل شكر ربنا إنك مكنتش معاهم و نجيت من الحادثة دى .. و لكن الحقيقة أنهم نزلوا السرداب

ثم تنهد و أكمل :- عمرى ما أنّبتهم على كدة .. بقول لنفسى ما انت كمان نزلت السرداب و كنت فخور بنفسك .. بس الفرق إن ربنا نجاك ,

ثم نظر إلى خالد :- و عشان كدة عمرى ما هزعل إنك كمان تنزل السرداب .. حتى لو كنت عارف إن قرارك ده ممكن يبعدك عنى .. بس لازم تكون متأكد إنك نازل من جواك أنت .. مش نازل لسبب وهمى حاطه لنفسك هو منى .. ثم همّ بالوقوف .. و مشى بضع خطوات معطيا" خالد ظهره :
- ساعة ماتقرر قولى .. لأن لسة كلام كتير عن سرداب فوريك , حد غيرى عاوز يقوله لك ..

***

بعدها غادر خالد , و لم يتجه إلى عمله كما كان يذهب كل يوم , بل توجه لمقابلة منى بعدما هاتفته و طلبت مقابلته بأحد الأماكن داخل جامعة المنصورة .. حيث كانا يلتقيان هناك دائما .. و فى طريقه إلى هناك لم يشغل باله سوى حديث جده إليه .. و هل يرغب فى نزول السرداب حبا لمنى أم حبه للمغامرة ما دفعه لذلك .. ثم تذكر حديث جده عن والديه .. والداه .. اللذان لا يعلم عن هيئتهما أى شئ .. فقد وجد نفسه دائما مع جده , و لم يرّ صورة واحدة لأبيه أو أمه .. لم يساعده على تخيلهما إلا كلمات بعض أقاربه .. أنه طويل مثل أبيه , فقد كان تقريبا فى مثل طول أبيه الذى يبلغ أكثر من مائة و ثمانين من السنتيمترات .. كما كانوا يقولون له , و كتفيه العريضين و البينة القوية .. هذه أشياء يقولون أنه شابه أباه فيها .. أما أقارب أمه فطالما أخبروه أن شعره الأسود الداكن و ابتسامته الدائمة يظلان شبها دائما بينه و بين أمه .. و ضحك حين تذكر تلك الجملة التى كان يخجل منها حين كان صغيرا .. جميل شبه أمه ..

...

بعدها عاد بتفكيره إلى ذلك الرجل الذى أخبره جده أن لديه كلام كثير عن السرداب .. و ذلك المسمى الذى سمعه لأول مرة .. سرداب فوريك .. و ظل تفكيره منشغلا هكذا , حتى وصل إلى ذلك المكان الذى كان يقصده لملاقاة منى ..

***

وجد خالد منى فى انتظاره بحجابها المميز و ألوانها المتعددة , و عباءتها السمراء التى كان يداعبها دائما و يخبرها أنه يتشاءم حين تقابله بتلك العباءة .. فنظر إليها بابتسامة :

- ازيك يا مونى .. ( كما كان يحب أن يناديها )
لم تبتسم منى كعادتها .. و لكنها نظرت إليه فى حزن :
- أنا متأسفة إن بابا عمل معاك كدة للمرة التامنة ..

ضحك خالد :
- " لا . أنا خلاص اتعودت .. أنا بقيت مفضوح فى البلد أساسا .. الناس بقت بتقول عليا إنى ضربت الرقم القياسى فى رفض جوازك بيا .. و إنى المفروض أدخل موسوعة جينيس .. " قال تلك الكلمات كى يخرجها من حالة الحزن التى وجدها بها و لكن دون فائدة ..

أكملت منى :- أنا كنت مفكرة زيك إن بابا عاوز حد مختلف .. بس للأسف بابا اتغير فجأة ..
اندهش خالد :- يعنى أيه اتغير ؟!!
اكملت منى :- فيه دكتور اتقدم لبابا عشان يتجوزنى .. و طبعا أنا كنت متاكدة إن بابا هيرفض .. بس فوجئت إنه وافق ..
خالد و قد صاح بها :
- أيه .. وافق ؟!!
منى :- اه .. وافق و مصّر إنى اتجوزه ... ثم تساقطت بعض دموعها
خالد و كأنه غير مصدق :- و أنا ؟
منى :- حاولت اتكلم معاه بخصوص حبى ليك .. فوجئت إنه ضربنى على وشى .. و قال إنه عارف مصلحتى أكتر منى .. و إن مستقبلى مضمون مع الدكتور .. و إنى هتعب معاك ..

***

كانت منى تتحدث , و اختلط حديثها بدموعها .. و خالد ينصت لها , و كأنه لا يصدق ما تسمعه أذناه .. ماذا يريد ذلك الأب المجنون ؟. كان يخبره بأنه يريد شخص لابنته فريد من نوعه .. و لكن يبدو أنه كان يريد أى شخص .. إلا خالد حسنى .. أنا .. هل يضيع حب تلك السنوات ما بين عشية و ضحاها ؟! .. إنه لم يحب فى حياته مثلما أحب منى .. و لماذا لم تعترض منى على قرار أبيها ؟! .. هل استسلمت خوفا من عنوستها ؟ .. كلها اسألة دارت فى ذهنه بينما كانت تتحدث منى , حتى طلبت منه الرحيل كى لا تتأخر عودتها إلى منزلها .. و كأنها تهرب من لقائه ..

...

ابتسم خالد ساخرا مشيرا إليها بيده أن ترحل دون أن يتحدث .. و كانت المرة الأولى التى يتركها ترحل بمفردها .. و جلس بمكانه ينظر إليها و هى تغادر , و كأنها المرة الأخيرة التى يراها بها , و يخنقه ذلك الضيق الذى يشعر به .. تلك هى المرة الأولى التى يشعر فيها بالهزيمة .. إحساس لم يجتاحه من قبل .. لم ينتابه فى أى مرة تقدم إليها لخطبتها و رفض فيها .. كان يعلم أن هناك ما يدعى الأمل حتى لو تقدم إليها مائة مرة حتى يقبل أبيها ..

يتذكر تحمله لنظرات الناس إليه , و سخريتهم منه حين كان يخبرهم بأنه سيتزوجها ذات يوم , و ستبقى قصة حب يخلدها التاريخ .. كان يظن نفسه أحمقا حين طلب منها ذات مرة أن يتزوجها دون معرفة أبيها حتى رفضت , و دام خصامهما لمدة طويلة حتى اعتذر لها مجددا .. و لكنه أكثر حماقة الآن .. إنها ستوافق على ذلك الطبيب كما وافق أبوها .. ربما أرادت أن تقابلنى تلك المرة كى ترضى ضميرها فقط لا غير .. هكذا حدّث نفسه .. حب سنوات يذوب كقطعة جليد فى ثوانى قليلة ..

حتى قطع تفكيره صوت رنين هاتفه الخليوى .. و حين قام بالرد وجد صاحب العمل الذى يعمل لديه يعنفه لتغيبه , فلم يتمالك خالد أعصابه و أخبره أنه لن يعمل لديه مجددا .. و أغلق الخط على الفور ..

***

بعدها عاد خالد إلى بلدته . كان يمشى فى شوارعها مطأطأ الرأس .. يشعر بطعم الهزيمة فى حلقه .. لا يريد أن يتحدث إلى أحد .. حتى وصل إلى بيته , و دخل غرفته ثم نظر إلى حوائطها المليئة بتلك الأوراق التى كان يعلقها دائما .. أوراق طلبه للزواج من منى و رفضه فى الثمانى مرات ..

وقف أمام كل ورقة على حدة و نظر إليها و هو يسخر من نفسه .. و يضحك بصوت عالى كأنه أصابه الجنون .. حتى قام بتمزيقها كلها .. ثم جلس على أرضية الغرفة و اضعا رأسه بين يديه .. يسبح بين ذكرياته مجددا , حتى انتفض ذاهبا إلى حجرة جده .. رفيق حياته .. حتى وجده قد أنهى صلاته .. فسأله على الفور :

- أنت قلت لى إن فيه حد عنده كلام كتير عن السرداب ..
رد جده فى هدوء :- أنت خلاص قررت ؟
خالد :- أيوة .. أنا عاوز أنزل السرداب ..
جده :- عشان منى ؟!!
تمالك خالد نفسه :- منى خلاص راحت من ايدى .. و خلاص سبت شغلى .. و لازم انزل ..
ثم أكمل :
- لازم ألاقى حاجة واحدة فى حياتى أقدر أحكيها لولادى من بعدى .. عاوز أحس مرة واحدة إنى بطل قدام نفسى .. إحساسى بفشلى بيقتلنى ..
سأله جده مجددا :
- مش خايف إنك مترجعش زى أبوك و أمك ؟
رد خالد :- صدقنى .. الحاجة الوحيدة اللى كنت خايف عليها .. إنى اسيبك لوحدك , لكن طالما أنت بتشجعنى , مفيش مكان لأى خوف فى قلبى ..
ابتسم جده :- و العفاريت .. و الأشباح و إنه مسكون ؟
خالد :- معتقدش إنى هلاقى عفريت أصعب من بنى آدم .. أنا خلاص قررت إنى هنزل .. و كان عندك حق لما قلت لى إن منى مش هى السبب .. بالعكس بعد ما منى راحت من ايدى بلحظات , زاد حبى للنزول أكتر من الأول ..

ثم أكمل :- يمكن ألاقى فى السرداب الذكرى اللى تخلينى أقدر أنسى إهانة ست سنوات لنفسى .. ثم نظر إلى جده :
- مين الراجل ده .. و فين ألاقيه .. فابتسم جده :
- اطمن .. هو سمع كل كلامنا .. و يمكن اتأكد إنك عاوز تنزل السرداب فعلا ..

***

نظر خالد فى دهشة إلى جده .. و كأنه لا يفهم شئ , حتى دخل عليهما رجلا عجوزا يقترب فى سنه من جده .. و على الفور تحدث جده و أشار الى العجوز :

- أعرّفك .. ده مجنون السرداب .. أكيد تعرفه ..
نظر إليه خالد :
- أيوة طبعا .. الحاج مصطفى أصلان .. و لا أنت مفكرنى من بلد تانية ؟
أكمل جده :
- مصطفى كان أول واحد فكر اإنه ينزل السرداب من خمسين سنة .. و كنا مسمينه مجنون السرداب .. و كان دايما يقول إن عنده معلومات محدش يعرفها عن السرداب غيره , و مستنى اليوم اللى يقرر فيه حد ينزله .. بعد ما أبوك و أمك مرجعوش .. ثم تركهما كى يكملا حديثهما بمفردهما ..

***

نظر خالد إلى ذلك العجوز .. و تعجب مما قاله جده , فإنه يعرفه منذ سنوات عديدة .. و لكنه لم يكن يعلم إنه مجنون السرداب الذى طالما سمع جده يتحدث عنه و هو صغير .. حتى قاطع صمته العجوز :

- جدك حكى لى أد أيه أنت عاوز تنزل سرداب فوريك .. و أنا اتأكدت دلوقتى ..
رد خالد :- أيوة .. بس أنا أول مرة أسمع إن السرداب اسمه سرداب فوريك ..
تابع العجوز حديثه :
- هو ده الاسم الحقيقى للسرداب .. و لو بحثت عن الإسم ده فى أى مكان استحالة تلاقى أى معلومة عنه ..
ثم تنهد و أكمل :- يمكن الناس بتفكرنا أنا و جدك فى عداد المجانين .. و مش مصدقين إننا من خمسين سنة نزلنا السرداب فعلا .. بس دى عندهم حق فيها ..
انطبعت الدهشة على وجه خالد مجددا حتى سأله :
- أيه ؟ .. عندهم حق .. يعنى أيه ؟
اكمل العجوز :- أيوة .. عندهم حق يمكن دى معلومة أنا الوحيد اللى أعرفها .. إن من خمسين سنة لما نزلنا إحنا الأربعة .. منزلناش سرداب فوريك .. و يمكن عشان كدة طلبت من جدك إنه يسيبنا لوحدنا .. لإنى مش عاوز أحطم نقطة فخره بنفسه ..

قاطعه خالد و مازال مندهشا:- أمّال النفق اللى نزلتوه ده كان أيه ؟
العجوز :- النفق ده مجرد طريق لسرداب فوريك .. و الدليل على كلامى إن النفق على عمق مش كبير .. و له مسافة معينة , و الدليل الأكبر إن لمبات الجاز انطفت بعد دقايق من نزولنا ..
ابتسم خالد :- اه .. العفاريت ..
ضحك الرجل :

- لا تقصد التهوية .. النفق غير السرداب .. الأكسجين فى النفق قليل .. و تقريبا ممكن ميكونش موجود لو باب النزول اتقفل .. و وقتها لما لمبات الجاز انطفت أنا قلت عفريت .. و الكل خاف و جرى .. بس بعد كدة اكتشفت إنه كان خيال حد فينا .. و من جوايا كانت سعادتى ملهاش وصف .. لإنى حسيت إنى حطيت رجلى على أول طريق السرداب .. و فضلت حاطط أمل لنفسى إنى هوصل للسرداب فى يوم .. بس السنين فاتت , و المرض حاصرنى , و فضلت مستنى اليوم اللى ينزل فيه حد غيرى السرداب .. و يحقق حلمى .. ثم أخرج كتاب قديم من معه .. و أكمل :

- الكتاب ده من نسخة واحدة .. اللى كتبه شخص نزل السرداب قبل كدة .. لقيته بالصدفة فى كتب والدى لما كنت شاب .. لكن للأسف عامل الزمن كان أثّر عليه قبل ما ألاقيه .. فكان السليم منه تقريبا عشر ورقات بتتكلم عن سرداب فوريك .. ثم أعطى الكتاب لخالد .. و أشار إليه ان يقرأ سطور الكتاب بصوت عالى ..

***

أخذ خالد الكتاب ليقرأ وريقاته .. بينما جلس العجوز ليستمع إليه , و يحتسى كوب الشاى الذى برد بالفعل .. و بدأ خالد فى قراءة سطوره المكتوبة بخط اليد .. و الذى تحدث عن فوريك أحد الأثرياء الذين تواجدوا فى العصر المملوكى .. و قد كان يمتلك تلك المنطقة التى توجد بها بلده - البهو فريك - .. و التى كانت تسمى وقتها .. بهو فوريك .. و ما يحيطها من بلدان , و قد أمر أن يتم حفر ذلك السرداب على عمق كبير كى يكون ملاذا له و لأهل مدينته إن تعرضت بلاده لأى غزو .. و استغرق حفره و تشييده أكثر من خمسة عشر عاما .. و قد خزنت به ثروات كثيرة من ذلك الزمن ..
ثم تحدث من قام بكتابته عن رحلته للسرداب .. و عن ذلك النفق الذى لا توجد به تهوية .. و لابد من تجاوزه فى أسرع وقت إلى السلم الحقيقى للسرداب .. و الذى يمتد لأكثر من ثلاثين مترا تحت الأرض .. و منذ تلك اللحظة فلن توجد أدنى مشكلة بالتهوية .. فقد صمم ذلك السرداب بكل براعة .. لا يعرف كيف تمت تهويته بتلك الطريقة .. أما تعجب خالد فقد ازداد حين قرأ أن السرداب لايكون مظلما يوم يكتمل البدر فى السماء رغم وجوده تحت الأرض .. إنهم مهندسوا الماضى .. يا لها من براعة .. حتى انتهت العشر ورقات حين كتب صاحبه :

- كنت أظن أن الكنز الحقيقى هى الثروات التى خزنت به .. و لكننى اكتشفت ما هو أثمن من ذلك كثيرا , و أعظم من كنوز فوريك .. إننى اكتشفت ...
حتى انتهت العشر ورقات دون أن تكتمل الجملة ..

***

نظر خالد إلى العجوز فى لهفة :
- اكتشف أيه ؟
فأخبره العجوز أنه لا يعلم .. إنه وجد الكتاب على تلك الحالة .. و يظل سؤال ماذا اكتشف صاحب هذا الكتاب يشغله طوال خمسين عاما .. ثم نظر إلى خالد :

- لو كنت عاوز تكتشف اللى اكتشفه .. لازم تكون فى السرداب الليلة دى ..
خالد :- الليلة دى ؟!!
العجوز :- أيوة .. الليلة دى القمر بدر .. و ده التوقيت اللى بيكون فيه السرداب فيه اضاءة على حسب كلام الكتاب ..
صمت خالد قليلا .. ثم نظر إليه
و أنا مستعد أنزل .. مستعد لفرصة حياتى ..

***

كانت الساعة تقترب من السادسة حين تركه العجوز و غادر .. و ترك معه ذلك الكتاب الذى تصفحه لأكثر من مرة .. و مع كل مرة تزداد رغبته فى نزول السرداب .. يدفعه ذلك الفضول إلى معرفة ما اكتشفه كاتبه ..يشعر أنه يمتلك سرا من أسرار الزمان .. و يسأل نفسه .. هل اكتشف كنوزا لا حصر لها ؟ .. هل توجد أثار بالأسفل , و أكون أنا مكتشف القرن الحادى و العشرين ؟ .. و ظل هائما فى أحلام اليقظة ..

...

اقتربت الشمس من المغيب فصعد أعلى بيته .. و نظر إلى بلدته .. ينظر إلى تلك الأراضى الزراعية .. و إلى الأشجار العالية , و الطيور التى تزينها .. ينظر إلى البيوت المجاورة و كأنه يراها لآخر مرة .. يستنشق نسيم بلده العطر , و يتحدث إليها .. ربما يكون آخر نهار لى هنا .. اتمنى ألا يكون .. حتى عاد إلى حجرته ليتم استعداده لرحلته ..

***

مر الوقت , و دخل الليل , و زينت السماء بالبدر .. و ها هو ينتظر حتى يسكن الهدوء البلدة .. و هو يعلم أنه لن ينتظر كثيرا .. فعادة ما يدب الهدوء البلدة بحلول العاشرة مساءا على الأكثر .. لا يتأخر بها سوى صديقه دكتور ماجد منير , و الذى يغلق صيدليته فى وقت قد يتجاوز الثانية عشر .. إنه لا يريد أن يراه أحد و هو متجه إلى ذلك البيت المهجور فى أطراف البلدة ..

حتى دقت الساعة الواحدة صباحا .. و استعد للرحيل , و نظر إلى جده مبتسما و مودعا له :
- إن شاء الله هرجع ..
ابتسم جده :
- أكيد هترجع إن شاء الله .. أنا ابن ابنى بطل .. ثم طلب منه أن ينتظر لحظة .. و قد أخرج ذلك الصندوق الخشبى .. و أخرج منه ذلك الألبوم القديم .. فسأله خالد :
- أيه ده ؟!!
قام جده بتقليب بعص صفحاته ثم وقف على تلك الصورة التى توقف أمامها من قبل و تحدّث إليه :
- عارف مين دول ؟
نظر خالد و مازالت الدهشة تتملكه .. حتى أكمل جده :
- دى صورة أبوك و أمك .. كانت آخر صورة لهم قبل ما يسيبونى .. ثم دمعت عيناه
نظر خالد إلى الصورة .. و دمعت عيناه هو اللآخر .. و ظل متأملا بها لفترة :
- أول مرة أشوف صورتهم ..
أكمل جده :- كنت مستنى اليوم ده .. و فضلت معذب نفسى عشان اليوم ده .. ثم أعطاه الصورة , و مسح بيده دموع خالد , و احتضنه .. فهمس خالد فى أذنه :
- هرجع لك يا عبده .. هرجع .. ثم غادر ..

***

كان الهدوء يسود البلدة .. و لم يكن يسير بشوارعها أحد سوى خالد و الذى كان يحمل شنطة كتفه , و ما بها من طعام يكفيه لعدة أيام , و مصباح للإنارة , و الكتاب الذى أعطاه له العجوز , و بعض الأوراق و الأقلام اعتقاد منه أن هناك ما يحتاج لتدوينه .. و قد وجد عدم حاجته لكاميرا تصوير فوجود هاتفه الخليوى يغنيه عن ذلك ..
كان يسير مسرعا إلى أطراف البلدة حيث ذلك البيت المهجور .. و ما إن اقترب منه و من سوره العالى حتى عزم على تجاوز ذلك السور ..

***

أما جده فكان يجلس وحيدا يقرأ فى كتاب الله , و يدعو ربه أن يعود به سالما .. حتى سمع طرقات على باب بيته .. و قد ظن أن خالد عاد من جديد .. و ما إن قام ليفتح الباب حتى وجد منى فى وجهه .. و قد اندهش حين وجدها أمامه فى ذلك الوقت المتأخر من الليل .. حتى سألته :

- فين خالد .. ؟!! و مش بيرد على تليفونه ليه ؟!
رد جده :- ليه ؟!
أجابت منى فى فرحة :
- خلاص يا جدو .. قدرت أقنع بابا إننا نتجوز أنا وخالد .. و مش قادرة استنى للصبح عشان أقوله .. خايفة يكون لسة زعلان من الصبح ..
فابتسم العجوز ثم صمت ..

***

تجاوز خالد سور البيت المهجور .. و قد أنار مصباحه حين وصل إلى مكان الصخرة الذى وصفه له جده بالتفصيل .. و التى كان يصعب أن يصل إليها دون وصف جده له .. حتى حاول إزاحتها فلم يستطع فى البداية رغم قوته البدنية .. فحاول مرة أخرى دون أن يستطيع .. فصاح بنفسه أنه لن يستسلم .. و عاد للمحاولة مرة ثم مرة ثم مرة .. و قد انساب العرق من جبينه , و لكن دون جدوى ..
حتى وجد لوحا من الخشب ففكر أن يكون وسيلة لإزاحة الصخرة .. و بدأ يحاول من جديد و يصرخ مجددا لن استسلم .. و يدفع بقوة , و يضغط أسنانه ببعضها .. و يدفع مجددا اللوح الخشبى .. و يصيح , و يدفع .. حتى تحركت الصخرة بعض الشئ تبعها سقوطه على الأرض ..

ما إن تحركت الصخرة تلك الحركة الضئيلة .. حتى سهل تحريكها بعد ذلك .. و دفعها رويدا رويدا .. بعيدا عن ذلك الباب الحديدى الذى كان يرقد أسفلها .. حتى سقط على ركبتيه .. و قد ازدادت ضربات قلبه , و زادت سرعة تنفسه .. و يقول مبتسما لنفسه :
- أجمد يا بطل .. إحنا لسة فى البداية ..

...

بعدها نظر إلى الباب الحديدى الذى كان جزءا مربعا من الأرضية .. و قد سمى الله .. و قام بفتحه , فلم يكن موصدا بأى نوع من الأقفال سوى الصخرة .. و ما إن فتحه , و أحدث صوتا يدل على غلقه لمدة طويلة .. و وجه ضوء المصباح بداخله حتى وجد سلما عموديا إلى الأسفل .. و تحدث إلى نفسه مجددا و مشجعا لها :
- بسم الله نبدأ طريقنا للسرداب ..

***

بعدها بلحظات بدأ نزول ذلك السلم .. و ما إن نزل حتى فوجئ بالباب ينغلق مجددا .. و كأنه حبس .. فعلم أن اللوح الخشبى الذى كان يدعم فتح الباب قد كسر .. و لكنه لم يهتم بذلك .. ما شغل باله هو أن يتجاوز النفق فى أسرع وقت .. و تابع نزوله دون أن ينظر لأسفل .. بل يخطو درجة وراء الأخرى .. حتى وجد نفسه داخل ذلك النفق المظلم .. و لا يوجد به ضوء سوى ضوء مصباحه .. فتحرك بضع خطوات يتحسس طريقه .. يمسك المصباح بيده اليمنى , و يزيح شباك العنكبوت الكثيفة بيده اليسرى .. حتى سار لعدة أمتار فبدأ يشعر بسرعة ضربات قلبه .. يحاول أن يرى نهاية ذلك النفق .. و لكن دون جدوى , فشباك العنكبوت حالت دون ذلك ..

...
تقدم خالد فى الظلام أكثر و أكثر .. و حاول أن يسرع .. يبحث عن سلم السرداب الذى أخبره به العجوز .. حتى شعر بضيق صدره .. فأسرع فى تحركه .. حتى قلّ الهواء بصورة شديدة .. و بدأ يضع يده على رقبته من الاختناق .. الاختناق يزداد .. و لا يجد ذلك الطريق إلى السرداب .. يجرى كالمجنون و قد خرت قواه .. يتحسس حوائط النفق بيده .. يبحث عن أى فجوة بها .. و لكن لا فائدة .. يسأل نفسه .. أين أنت أيها الطريق ؟ .. يعلم أنه لن يستطيع حتى العودة إلى سلم النفق .. فقد يموت مختنقا قبل أن يعود إليه .. يسرع فى طريقه إلى الأمام .. يبحث فى كل مكان .. على الجانبين و أعلى و أسفل .. و لكنه لا يجد شئ .. حتى سقط على الأرض .. و سقط بجانبه مصباحه , و صرخ بصوت واهن :
- لا يوجد سرداب .. لا يوجد ..
ثم صمت .. و أمال رأسه جانبا .. وكاد أن يغمض عينيه مستسلما .. حتى نظر بعيدا إلى بقعة أضاءها مصباحه الملقى بجواره .. فابتسم ابتسامة يشوبها إعياء شديد و تحدّث : ..
- سرداب فوريك .. ثم أغمض عينيه ..

يتبع
د عمرو عبدالحميد
الحلقة الرابعة


كاد خالد أن يغمض عينيه مستسلما حتى نظر جانبه , و نظر إلى بقعة أضاءها مصباحه الملقى بجواره و ابتسم ابتسامة يشوبها التعب الشديد .. و تحدّث بصوت خافت :
- سرداب فوريك .. ثم أغمض عينيه للحظات , حتى أفتحها مرة أخرى .. و نظر مجددا إلى ألواح خشبية متراصة ظهرت فى بقعة الضوء , و كأنها بابا" صغيرا يوجد بأحد جابنى النفق ..

***
كان الباب الخشبى يبعد عن خالد عدة أقدام .. و مازال خالد ملقى على ظهره من شدة الإعياء حتى انتفض مجددا , و تحرك بجسده تجاه ذلك الباب .. و يزحف كأنه أحد الزواحف .. لا يقوى أن يقف على قدميه , و ينازع اختناقه كمن ينازع الغرق .. يتحرك بجسده , و يدفع بقدميه , و يستعين بذراعيه .. و قد وضع مصباحه بين فكيه ..

يقاوم أكثر و أكثر .. و يحّدث نفسه أنه الأمل , إنه سرداب فوريك .. حيث الهواء .. حيث الحياة , يهذى بكلمات يقوى بها نفسه .. و يقترب أكثر و أكثر من الباب .. و يدفع بقدمه فى قوة .. حتى توقف جسده مرة أخرى بعدما خرت قواه مجددا , و لم يكن يتبقى سوى أقل من قدمين نحو الباب , و لم يعد يقوى أن يقاوم ..
تنظر عيناه إلى الباب .. و يحاول أن يمد ذراعه إليه لكنها لا تلمسه و كأنها استسلمت .. حتى صرخ صرخة قوية , و كأنه يجمع ما تبقى لديه من قوة , و قذف بجسده تجاه الباب كصخرة اندفعت نحو باب خشبى قديم قد أذابه الزمن .. حتى انكسرت ألواحه .. و اندفع خالد بداخله ليجد جسده يهوى على سلم خشبى مغمضا عينيه .. و يتدحرج كما تدحرج الكرة حين تسقط على درجات سلم .. و لم يستطع السيطرة على جسده على الإطلاق .. و يرتطم بين الحين و الآخر .. و يزداد سقوطه أكثر و أكثر .. حتى هدأ ارتطامه قليلا ثم توقف ارتطامه .. و قد فتح عينيه ليجد نفسه فى مكان مختلف على الإطلاق ..

***

أفتح خالد عينيه .. فوجد نفسه ملقى على إحدى درجات السلم العريضة .. و قد انتعش صدره بالهواء , و كأنه ارتوى ببئر من الماء بعد ظمأ شديد .. و زاد سروره حين وجد نفسه يرى كل شئ دون الاستعانة بمصباحه و قد زال ظلام النفق .. حتى و قف على قدميه و صرخ :

- أنا فى سرداب فوريك .. أنا فى سرداب فوريك ..

بعدها نظر إلى أسفل حيث لم ينته السلم بعد .. و قد أسرع إلى أسفل , يخطو درجاته فى أمل .. لا تعوقه آلام ارتطامه حين سقط .. يريد أن يكتشف كل شئ فى وقت قليل قبل أن يختفى البدر .. و يتحدث إلى نفسه أن كل ما ذكره الكتاب حتى الآن قد وجده .. فالهواء موجود بالفعل , و إضاءة البدر تنير له طريقه , و كأنها جمعت لتزداد قوة إضاءتها داخل السرداب .. يالها من براعة هندسية .. و لكن يظل سؤاله إلى نفسه .. ماذا اكتشف صاحب الكتاب ؟! .. حتى انتهى السلم .. و وصل إلى نهايته , فوجد نفسه فى السرداب ..

***

وجد خالد نفسه أمام نفقا كبيرا أكبر كثيرا من النفق الذى مر به سابقا .. فارتفاعه يقترب من العشرة أمتار .. و اتساعه يبلغ مثل ارتفاعه .. حتى سار به , و ينظر إلى جدرانه الضخمة فى دهشة .. و كأنه فى مزار سياحى .. و قد أخرج قلمه و أوراقه .. و أخذ يكتب بعض السطور عما يراه .. و يتقدم أكثر و أكثر , و يسأل نفسه كيف يوجد هذا السرداب الضخم أسفل بلده و لا يعلم أحد شئ عنه سوى صاحب الكتاب المجهول , و بعض الأشخاص الذين لن يصدقهم أحد ؟!! .. إنه قد يكون أعظم اكتشاف فى العصر الحديث .. و قد يجعل من بلده مزارا سياحيا .. يبدو أن الكاتب قصد باكتشافه السرداب نفسه .. و يسير منبهرا و يتقدم .. و يضحك بهستيرية , لقد انتهى الألم .. و لعله يجد أحد الكنوز الآن ..
...

يبحث فى كل جوانب السرداب .. لا يريد أن يترك شبرا واحد يفوته .. حتى ارتطمت قدماه بشئ ما .. و ما إن نظر إليه حتى انتفض قلبه حين وجده هيكلا عظميا لأحد الأشخاص .. و قد كانت المرة الأولى التى يرى فيها مثل هذا الهيكل , و لكنها لم تكن الأخيرة .. فكلما تقدم وجد أكثر و أكثر .. حتى بدأ الخوف يتسرب إلى قلبه .. و كأن تلك الهياكل تتحدث إليه , و أنها مصير كل من دخل هذا السرداب .. و حدّث نفسه .. ربما يكون أحد تلك الهياكل لأبيه أو أمه .. و لكنه تمنى أن تكون الحقيقة غيرذلك ..

***

بعدها شعر خالد أن الإضاءة تقل شيئا فشيئا من خلفه .. فنظر إلى ساعة يده فوجدها قاربت الخامسة فجرا .. و علم أن البدر قد بدأ فى زواله .. و لا يعلم ماذا سيحدث بعد ذلك .. ما ذكره الكتاب أن السرداب يظل مضيئا وقت وجود البدر .. و لم يذكر شيئا آخرا , و تمنى أنه لو كان يمتلك الكتاب كله ..
حتى مر بعض الوقت .. و تلاشت معه إضاءة السرداب تدريجيا .. و لكنه لم يعط اهتماما لذلك .. و تقدم أكثر و أكثر .. حتى وجد صورة لشخص .. تبدو على ملامحه الثراء .. منقوشة على أحد جدارى السرداب , فتحدث إلى الصورة مبتسما :

- أكيد أنت فوريك .. أحب أعرفك بنفسى .. أنا خالد حسنى , مكتشف سردابك العظيم .. و اللى بسببك هيعيش أحلى أيام حياته ..

ثم ضحك .. و أخرج هاتفه الخليوى ليلتقط له صورة .. و ما إن التقط هاتفه الصورة حتى شعر بهزة عنيفة تحت قدميه تزامنت مع بدء الظلام من خلفه .. حتى نظر خلفه فجأة فوجد جدران السرداب تنهار .. و يقترب الانهيار منه بشدة , فعاد بظهره للخلف بضع خطوات .. بعدها لم يجد أمامه سوى أن يلتف و يجرى للأمام ..

***

يجرى خالد سريعا .. و انهيار الجدران يسرع خلفه , و كأنه فريسة يلاحقها أسد مفترس .. لا يصدق عينيه .. يشعر بأنه فى حلم ما , و يسرع .. و تسمع أذناه صوت ارتطام صخور الجدران الضخمة .. لو أصابته صخرة واحدة لقتلته .. حتى سقطت شنطة كتفه و ما بها .. و لكنه لم يعبأ بذلك .. و واصل عدوه .. تساعده قدماه الطويلتان و خطواته الواسعة .. و يجرى إلى حيث لا يعرف مصيره .. يجرى إلى المجهول .. و يصرخ بداخل نفسه .. كيف يعود إلى بلده مجددا ؟! .. إنه الهلاك .. إن السرداب ينهار .. ماذا حدث بالأعلى .. هل هناك زلزال ما ضرب الأرض بالأعلى ؟! ..

حتى وجد نفسه أمام طريقين قد انقسم إليهما السرداب .. حتى اندفع إلى أحدهما , دون رغبته .. بل دفع إليه بعدما انهار الطريق الآخر قبل أن يصل إليه .. و كأن الانهيار يتحكم فى مساره .. حتى فوجئ بنفسه يجرى إلى منحدر يتجه للأعلى .. و يلاحقه الانهيار أسرع و أسرع يريد أن يبتلعه ..

يحاول أن يقاوم صعوبة الصعود .. و يتقدم , و مازال النور أمامه و الظلام من خلفه .. و يخطو بقدميه سريعا .. حتى وجد نور شديدا على مرمى بصره , و كأنه نور النهار الذى يعرفه جيدا حين كان يفتح نافذة حجرته صباحا .. فأسرع إليه .. " إنها النجاة مجددا .. لابد و أنه مخرجا آخرا للسرداب .. " هكذا حدث نفسه .. و مازال الظلام و الانهيار يلاحقه حتى أسرع , و قد اقترب من الفتحة و قفز خارجا منها لتنهار من أسفله الفتحة .. و تغلق و كأن الأرض قذفته خارجها ..

***

وجد خالد نفسه ملقى على الأرض .. و رأسه منغمسة فى رمال .. فرفع رأسه , و أزال الرمال عن وجهه و عن عينيه .. و نظر إلى السماء و ضحك .. و شكر الله بعدما ظن أنه عاد مرة أخرى إلى أعلى .. و أنه قد نجا من انهيار ذلك السرداب الذى يبدو ملعونا .. حتى نظر إلى السماء مجددا .. و لاحظ زرقتها و صفاءها إلى درجة لم يرها من قبل .. ثم نظر حوله فوجد رمالا فى كل مكان , و على مرمى بصره , و كأنها صحراء .. حتى قام و قد دار بجسده ليرى ما حوله .. فلم يجد سوى صحراء واسعة تظلها سماء فى غاية الصفاء .. حتى ضرب رأسه بيده , و تحدّث بصوت عالى :

- فوق يا خالد .. أنت بتحلم و لا أيه .. أنت فين ؟! .. و أيه اللى جاب الصحرا دى هنا ..

ثم نظر حوله مجددا .. و لا يجد بها إلا نفسه .. و لا يصدق ما يراه .. و سأل نفسه مجددا أين هو .. ثم سار بعض الخطوات فى كل اتجاه .. و لكن دون جدوى .. إنها صحراء لا يوجد بها أحد .. حتى جلس مكانه فى دهشة .. و نظر إلى فتحة السرداب التى خرج منها فوجدها و كأنها لم تكن .. فضحك ساخرا .. و تحدّث فى خيبة أمل :

- باين السرداب ده كان معمول عشان نعمر الصحرا .. و الكنز و فوريك ده كان مقلب .. و يا ترى أنا فى الصحرا الشرقية .. و لاّ الغربية .. و لاّ فى سينا ؟!!.. و لا أكون عبرت الحدود .. و رحت ليبيا .. أو السعودية .. ثم صرخ و كأنه أصابه الجنون :
- أنا فين ؟!!! ..

***

مرت ساعات على جلوسه هكذا .. يجلس لا يعلم أين يذهب .. و قد خلع قميصه , و وضعه فوق رأسه كى يقيه حرارة الشمس .. و قد اندهش حين نظر إلى ساعة يده فوجد عقاربها توقفت عن الحركة .. و لم يفكر بهذا الأمر كثيرا حيث فوجئ برجلين يجريان بالصحراء بعيدا عنه .. فأسرع إليهما على الفور .. و بدأ الأمل يدب فى قلبه , و حدّث نفسه و هو فى اتجاهه إليهما :

- أكيد دول عارفين احنا فين و هرجع لبلدى تانى ..

حتى اقترب منهما .. و لاحظ زيهما الغريب و شدة إعياءهما , و كأنهما مريضيّن بمرض مزمن شديد .. ومازالا يجريان بسرعة .. حتى أوقفهما .. و سألهما :
:- لو سمحتوا , أنا محتاج مساعدتكم ..
و لكنهما تركاه .. و واصلا جريهما , فأسرع خلفهما ليوقفهما مجددا :
- أنتو بتجروا ليه ؟! .. فنظر إليه أحدهما :
- ألا ترى ما نحن به ؟!
تعجب خالد من لهجتهما الغريبة .. و ابتسم ساخرا و كأنه يقلده :
- أجل أرى يا سيدى .. ثم سأله :
- احنا فى السعودية , صح ؟!
نظر إليه الرجل متعجبا :
- ماذا تعنى السعودية ؟!!
ابتسم خالد .. و قد زفرا زفيرا طويلا .. و تحدّث إلى نفسه :
- دول فى الضياع ..
ثم سأله الرجل الآخر :
- ءأنت غريب ؟
فأجابه خالد على الفور :
- أيوة أنا غريب .. ثم أكمل ..
:- إحنا فين ؟ .. و انتو مين ؟..
أجابه أحدهما :
- إننا فقراء .. و قد هربنا إلى الصحراء .. ألا يوجد معك طعام ؟!
أجابه خالد :- لا للأسف .. كان معايا بس ضاع مع الشنطة .. ثم وضع يده فى جيبه , و أخرج ورقة من فئة العشر جنيهات .. و أكمل :
- أنا معايا فلوس ممكن تشتروا أكل لو قلتوا لى إحنا فين .. و ازاى أرجع بلدى ..

خطف أحدهما ما أخرجه خالد من نقود .. ثم وضعها بفمه و أكلها .. فاندهش خالد , و سأله متعجبا :
- أنت جعان للدرجة دى ؟ .. أنت أكلت الفلوس !!
فأجابه ذلك الذى سأله عن السعودية :
- ماذا تعنى بالنقود .. إنها ورقة .. و قد أكلها صديقى الجائع , ثم أكمل :
- يبدو لى أنك كريم , و لهذا تأكدت أنك غريب عن هنا .. و أشعر بأنك غنى للغاية ..
...
ضحك خالد .. و نظر إلى نفسه , و ملابسه البالية و التى غطاها تراب النفق و السرداب , و حالته التى يرثى لها .. و سأل نفسه .. أى غنى يتحدث عنه ذلك الأبله .. عشرة جنيهات رآها شعر بأننى غنى .. ثم تجاوب معهما و كأنهما مجنونيّن .. و سألهما مجددا , و قد ضاق صدره :

- دلوقتى أنا عاوز أعرف أنتو هتعيشوا ازاى فى الصحرا دى ؟! , و هربانين من أيه ؟ .. , و سؤالى الأهم .. إحنا فين أساسا ؟ ..

أجابه الذى أكل النقود فى تعب :
- إننا فقراء , و ستكون الصحراء أفضل لنا كثيرا من أرض زيكولا .. حتى لا يأتى يومنا كمن سبقونا .. لعل الحظ ساعدنا , و هربنا بأعجوبة و تركنا من نحب قبل هذا اليوم ..
اندهش خالد من الاسم :
- أرض زيكولا ؟!!
سأله الرجل الآخر :
- ألا تعرف أرض زيكولا ؟!
أجابه خالد :- لا .. فين زيكولا دى ؟ .. أنا مش شايف إلا صحرا فى كل مكان ..
فأكمل الرجل :
- يبدو أنك غريب عن الدنيا كلها .. من يوجد فى هذا الزمان و لا يعرف أرض زيكولا ؟! ثم أكمل الآخر محدّثا صديقه :
- إنهم الأغنياء , يسخرون مننا دائما هكذا .. ثم أشار إلى خالد أن يتحرك عدة أمتار فى اتجاه يده : - إنها هناك بالأسفل .. أيها الغنى ..

ثم تركاه و واصلا جريهما فى الصحراء .. و قد تحرك خالد إلى الاتجاه الذى أشار اليه الرجل .. محدّثا نفسه :
- دول مجانين رسمى .. بس لازم أسمع كلامهم , مفيش حل تانى ..
و واصل تحركه .. حتى وجد نفسه على حافة هضبة عالية .. و ما إن نظر إلى أسفل حتى وجد ....

يتبع
mohamed_a_d
قرأت الأولى ولثانية وحتى الآن القة ممتازة
د عمرو عبدالحميد
اقتباس(mohamed_a_d @ 11_01_2010, 03:58 PM) *

قرأت الأولى ولثانية وحتى الآن القة ممتازة


اهلا بوجودك استاذ محمد
اشكر تواجدك و ردك الطيبّين
ان شاء الله البقية تنال اعجابك
و لك تحياتى
الناقل المحيطى
حتى الأن مشوقة جدا والأسلوب جيد جدا وأرجوك جدا نزل الباقى بسرعة جدا لانى بكره الإنتظار جدا ولو نزلت عمل تانى والنبى نزله على مرة واحدة
سؤال فيه فعلا بلد فى الدقهلية إسمها كده "بهو فريك"؟
دمت بخير
د عمرو عبدالحميد
اقتباس(الناقل المحيطى @ 13_01_2010, 02:26 AM) *

حتى الأن مشوقة جدا والأسلوب جيد جدا وأرجوك جدا نزل الباقى بسرعة جدا لانى بكره الإنتظار جدا ولو نزلت عمل تانى والنبى نزله على مرة واحدة
سؤال فيه فعلا بلد فى الدقهلية إسمها كده "بهو فريك"؟
دمت بخير



الناقل المحيطى
اهلا بحضرتك و بشكر مرورك الطيب و ردك الجميل
سعيد للغاية لان الحلقات نالت اعجابك و اتمنى تواجدك الدائم هنا
بالنسبة لسؤالك نعم قرية البهو فريك توجد بمركز اجا محافظة الدقهلية و هناك ما سوف أشير اليه فى نهاية الرواية بالنسبة للبهو فريك و السرداب الذى يوجد بها ..
انا بنزل الرواية حلقات لان فيه تظبيطات بظبطها الاول بالاضافة انى مقدرش اكتب الرواية كلها مرة واحدة على الكى بورد فسامحينى بقى لو تأخرت
ان شاء الله فيه روايتين لى هنزلهم كاملتين هنا قريبا
اتمنى ان تنال باقى الحلقات اعجابك
و لكى منى كل التحية


[
د عمرو عبدالحميد
الحلقة الخامسة



تحرك خالد فى الاتجاه الذى أشار إليه أحد الرجلين .. و ظن أنهما مجنونان , و لكنه كان مضطرا إلى سماع حديثهما .. و واصل تحركه حتى وجد نفسه على حافة هضبة عالية , و ما إن نظر إلى أسفل حتى وجد مدينة كبيرة ذات منظر بديع من أعلى .. بها مبانى شتى , و تتخللها مساحات خضراء و كأنها أراضى زراعية , و مسطحات من الماء .. و قد اتسعت عيناه من الدهشة , و سأل نفسه كيف توجد تلك المدينة بجوار تلك الصحراء الجرداء ؟! .. حتى قاطع تفكيره صياح أحد الرجلين إليه مجددا :
- إياك أن تذهب إلى زيكولا .. إياك .. و واصل جريه مع صاحبه ..

***

لم يعط خالد اهتماما لذلك المجنون كما سماه .. و ظل ينظر إلى تلك المدينة من أعلى .. و يسأل نفسه مجددا , أين هو من العالم ؟ .. و أين توجد أرض زيكولا تلك ؟ .. حتى ابتسم حين نظر بعيدا إلى أسفل فوجد طريقا طويلا ممهدا إلى تلك المدينة .. به كثيرا من التعرجات و مرتفعا إلى أعلى حيث يمر بالقرب من تلك الهضبة التى يقف عليها .. فلم يجد أمامه سوى أن يسرع باحثا عن ذلك الطريق .. يريد أن يذهب إلى المدينة فى أسرع وقت بعدما حل به الجوع و العطش و بعدها يحاول أن يعرف أين هو ..

...

بعدها سار خالد فى الصحراء متجها إلى ذلك الطريق الذى شاهدته عيناه .. و قد ظن فى البداية أنه قريبا منه , و لكنه اكتشف غير ذلك تماما .. و كلما تقدم لم يجد شيئا حتى اعتقد أنه سراب .. و لكنه تحقق من وجوده حين وجد عربة يجرّها حصان , و تسير على مقربة منه .. فأسرع فى اتجاهها فوجد أمامه ذلك الطريق الذى شاهده من أعلى .. و لكن سائق العربة لم يلحظ وجوده و ابتعد بها عن خالد الذى واصل تحركه فى نفس الاتجاه الذى سلكته العربة ..

***

مر الوقت و قد أصبحت الشمس عمودية .. و زادت حرارتها , و حلّ الإرهاق و التعب على خالد .. و بدأت آلام ارتطامه فى السرداب تحل عليه مجددا .. و لكنه تابع مسيره رغم أنه يعلم أن هذا الطريق طويل للغاية , و لابد له من نيل قسط من الراحة .. يريد أن يصل إلى هناك فى أسرع وقت .. يشعر أن هناك أملا ما فى انتظاره .. حتى سمع صوتا من خلفه .. و حين إلتفّ وجدها عربة أخرى يجرها حصان فأشار إلى سائقها أن يقف .. و قد أوقف السائق حصانه بالفعل .. فنظر إليه خالد فى تعب :

- أنا عاوز أروح أرض زيكولا ..
فنظر إليه السائق :
- و كم تدفع ؟
فوضع خالد يده فى جيبه .. و أخرج بعض النقود الورقية .. و أشار إلى السائق أن يأخذها .. فنظر إليه السائق فى غضب :
- ورق ؟!
ثم ألقاها فى وجهه .. و تركه و غادر .. و خالد لا يفقه شيئا مجددا .. و حدّث نفسه بصوت مسموع :
- أيه حكاية الورق دى ؟ .. البلد دى كلها مجانين و لا أيه ؟!

و واصل تحركه مرة أخرى .. فجاءت عربة أخرى و حدث معها مثلما حدث مع العربة السابقة تماما .. و تركه سائقها و غادر .. فابتسم خالد ابتسامة بها خيبة أمل كبيرة .. " إنها زيكولا أرض المجانين " هكذا حدّث نفسه .. و سار مسافة أخرى و ازداد تعبه .. حتى سمع من جديد صوت عربة , و لكنه حين نظر خلفه وجدها عربة ضخمة .. يبدو عليها الثراء , و قد اختلفت عن العربات السابقة من حيث تصميمها و أناقتها .. فرأى أن يوفر تعبه .. و لا يشير إليها , و يكمل مسيرته .. حتى مرت بجواره فوجد شابا فى مثل عمره متشبسا بمؤخرتها دون أن يراه سائقها .. و حين وجد خالد أشار إليه بيده أن يسرع إلى العربة .. فأسرع خالد إلى مؤخرة العربة هو الآخر .. و قد تشبث بها .. و نظر إلى ذلك الشاب فى بسمة :- شكرا ..

فهمس الشاب إلى خالد , و قد وضع يده على فم خالد :
- اصمت .. كى لا يسمعنا أحد ..

***

سارت العربة فى طريقها إلى زيكولا .. و يصيح سائقها إلى حصانه أن يسرع .. و خالد و من معه مازالا متشبسين بمؤخرتها .. و خالد ينظر إلى ذلك الشاب فى دهشة من ملابسه .. و أيضا شعر بدهشة ذلك الشاب و التى ظهرت على وجهه من ملابسه .. حتى اقتربت العربة من سور ضخم .. فأشار الشاب إلى خالد أن يقفز معه تاركين العربة .. حتى قفزا و ما إن نظر خالد أمامه حتى وجد سورا ضخما يبدو أنه يحيط بالمدينة .. و يصل ارتفاعه إلى ما يقرب من خمسة طوابق , و تزينه نقوشا غاية فى الجمال .. و به باب ضخم للغاية , إنه باب زيكولا .. و قد كان مفتوحا على مصرعيه .. تمر منه العربات جيئة و ذهابا .. حتى نظر خالد إلى الشاب :

- أنا بشكرك جدا ..
رد الشاب :- لا تشكرنى يا أخى .. إننى مثلك تماما كادت تقتلنى حرارة الشمس ..
سأله خالد :- أنت من زيكولا ؟
رد الشاب :- نعم .. و أنت تبدو غريبا ..
ضحك خالد :- أيوة .. أنا من البهو فريك .. بلد جنب المنصورة ..
ارتسمت الدهشة على وجه الشاب :- ماذا ؟!!
أسرع خالد و كأنه يصحح حديثه :
- أقصد مصر .. أنا من مصر ..
لم تختف دهشة الشاب :
- ماذا تقصد بمصر ؟! .. هل هى فى الشمال ؟
رد خالد فى غرابة :
- أنت مش عارف مصر أم الدنيا ؟
رد الشاب :- نعم أخى .. لا أعرفها ..

صمت خالد مفكرا ثم أجابه و كأنه يريح نفسه من غرابة هؤلاء الناس الذين يقابلهم :
- أيوة مصر فى الشمال .. ثم سأله :
- احنا فين ؟..
رد الشاب :- ألا ترى يا أخى .. إننا فى زيكولا .. أرض الذكاء ..
لم يتمالك خالد نفسه من الضحك :
- أرض الذكاء ؟! .. لا فعلا الذكاء واضح على كل اللى قابلتهم ثم سأله :
- يعنى تبع دولة أيه ؟ .. قارة أيه ؟
رد الشاب متعجلا :- لا أفهم قصدك .. إنها زيكولا و فقط .. و الآن لابد أن أتركك .. إننى أضعت اليوم وقتا من العمل .. و لابد لى أن أقوم بتعويضه ..

و قد مد يده مودعا خالد .. فابتسم خالد :
- أنا اسمى خالد ..
رد الشاب :
- و أنا يامن .. حظا سعيدا فى أرض زيكولا .. ثم تركه و غادر ..

***

كان خالد مازال واقفا أمام ذلك الباب الضخم للمدينة .. حتى تقدم إليه و ما إن مر خلاله حتى شعر برعشة قوية تسرى بجسده , و ألم شديد برأسه و كأنه يقتله .. حتى سقط على ركبتيه ممسكا رأسه بيده من الألم الذى لم يشعر بمثله فى حياته .. و ظل هكذا لعدة دقائق حتى بدأ الألم يتلاشى شيئا فشيئا و كأنه لم يحدث ثم تابع مسيره إلى داخل المدينة ..

...

سار خالد بالمدينة و كأنه يسير بمدينة الأحلام .. ينظر إلى وجوه الناس و تعبيراتهم المختلفة .. منهم من ترتسم البسمة على وجهه , و منهم من انطبع الحزن على جبينه .. و إلى زيهم الذى انقسم إلى أقسام عدة .. فمنهم من يرتدى جلبابا و على رأسه عمامة , و قد كانوا كبار السن .. أما الشباب و الصغار فقد كانوا يرتدون بنطالا واسعا من أعلى و ضيق من أسفل .. و كأنه زى الصيادين الذى اعتاد أن يراه و لكنه أكثر أناقة .. و من أعلى يرتدون قميصا واسعا مصنوعا ببراعة من جلود الحيوانات أو من القماش .. أما النساء فقد وجدهن يردتين فساتين فضفاضة ذات ألوان براقة .. و جميعهن لا يضعن شيئا فوق رؤوسهن .. و قد لاحظ جمال الكثير من النساء فى تلك المدينة .. و لكنه خشى أن ينظر إلى إحداهن .. و هو لا يعلم كيف ستكون ردة الفعل فى تلك المدينة ..

يعجبه ذلك التنوع فى الزى .. و تلك الأناقة التى بدت على كل فتى و فتاة بالمدينة .. و يسير بشوارعها منبهرا بتلك المبانى المتلاصقة .. و التى بدت عليها المهارة المعمارية , و كانت تمتلك ارتفاعا واحدا لا يتجاوز الثلاثة طوابق .. و قد بنيت من الطوب المحروق و الأخشاب ..

***

أكمل خالد مسيره حتى وجد مكانا يقدم طعاما فسمع أصوات بطنه تناديه , و تذكره بالجوع .. حتى اقترب من ذلك المكان .. و جلس به .. و طلب طعاما .. ثم جاءه رجلا بطعام من الخبز و اللحم .. و قال له :
- شكرا لتشريفك لنا أيها الغنى ..
فابتسم خالد :
- تانى غنى !!...
ثم أكل و امتلأت بطنه .. و انتظر أن يأتى الرجل ليأخذ نقوده فلم يأتِ .. حتى أكل و مشى .. و قد عادت إليه قوته مجددا .. و أكمل سيره فى المدينة حتى وجد مكانا آخر لصناعة الملابس و بيعها .. فنظر خالد إلى نفسه .. و وجد أن يشترى لنفسه زيا .. كى لا يكون زيه مختلفا عن باقى أهل المدينة .. حتى يعرف أين هو .. و قد دخل ذلك المكان فسأله من به :

- لست من زيكولا ..
فرد خالد :
- أيوة ..
فأعطاه الرجل زيا مناسبا .. بنطالا واسعا .. و قميصا واسعا من القطن .. و لم يأخذ منه نقود .. و قال له مثلما قال صاحب المطعم :
- شكرا لتشريفك لنا أيها الغنى ..

فابتسم خالد .. و تذكر كلام من قابلهما بالصحراء .. و أنه غريب لأنه كريم .. و قال لنفسه إنهما مجنونان بالفعل .. فما وجده من أهل المدينة حتى الآن كرم مبالغ فيه .. حقا إنهما مجنونان ..

***

يسير بالمدينة بزيه الجديد .. و يقلب عينيه هنا وهناك .. و قد لاحظ شيئا لم يفهمه .. أن كل مكان للبيع و الشراء يجد مكتوبا عليه أرقام و وحدات .. عشرة وحدات أو خمس .. أى وحدات تلك لا يفهم .. حتى أكمل مسيره و قد حل الليل .. ففوجئ بأن تلك المدينة رغم ما يبدو عليها من الثراء إلا أنها لم يصلها الكهرباء بعد .. و لكنه اندهش حين أضيئت المدينة بالنيران .. و انتشر الضياء فى كل مكان .. و لا تختلف إضاءتها عن المصابيح التى يعرفها .. تلك هى الأخرى براعة هندسية ..

حتى جلس على جانبى أحد الشوارع .. و كاد أن يغلبه النعاس .. حتى فوجئ بأهل المدينة يستعدون و كأنهم يحتفلون بشئ ما .. الجميع يلعبون و يمرحون .. و الأطفال يرقصون .. و يسأل نفسه هل هناك عيد ما .. يبدو كذلك .. و قد فرح بذلك فجميع أهل المدينة خارج منازلهم .. و سيؤنس ذلك وحدته دون مسكن .. حتى اقترب منه فتى فسأله خالد لماذا يحتفل الناس هكذا .. فأجابه الفتى فرحا :

- إن الاحتفال لم يبدأ بعد ..
ضحك خالد مداعبا الفتى:- أمّال هيبدأ امتى ؟
تعجب الفتى :
- لماذا لهجتك غريبة ؟
رد خالد :- أنا من الشمال .. إننى غريب ..
رد الفتى :- تقصد كنت غريبا .. أما الآن أنت من أهل زيكولا ..
ابتسم خالد و وضع يده على رأس الفتى :
- عارف أن زيكولا أرض الكرم بس كمِّل ..
أكمل الفتى :- اليوم الكل يستعد للاحتفال .. أما الاحتفال الحقيقى سيكون غدا .. إنه أعظم احتفال فى الكون .. و الكثيرين من البلاد البعيدة يأتون للهضبة المجاورة .. و يقفون بها لمشاهدة احتفالاتنا ..
تعجب خالد و سأل الفتى :
- و أيه سبب الاحتفال ؟
ظهر التعجب على وجه الفتى :
- إننى كنت أظنك غنيا .. أرجوك لا تدعنى أشك فى قدراتى بمعرفة الأغنياء .. ثم أكمل :
- إن احتفالاتنا ستبدأ غدا احتفالا بيوم زيكولا .. اليوم الذى يجعل من زيكولا أشهر مدينة بالتاريخ .. اليوم الذى يسعد به كل أهل زيكولا ..
ثم صمت قليلا .. و أكمل :
- ماعدا شخصا واحد بالطبع ..
سأله خالد فى لهفة :
- مين الشخص ده ؟
ضحك الفتى :
- يبدو أنك لا تعرف كثيرا عن زيكولا .. ثم تنهد .. و نظر إلى خالد :
- سيدى , إن يوم زيكولا يذبح فيه أفقر شخص يوجد بالمدينة ..

يتبع
الناقل المحيطى
مازلت متابعة أكمل سريعا أرجوك قبل أن أفصل
من خلال ردك يعطى إنطباع إن السرداب ده موجود فعلا ؟
د عمرو عبدالحميد
اقتباس(الناقل المحيطى @ 14_01_2010, 01:11 AM) *

مازلت متابعة أكمل سريعا أرجوك قبل أن أفصل
من خلال ردك يعطى إنطباع إن السرداب ده موجود فعلا ؟


اهلا بحضرتك مرة أخرى الناقل المحيطى
بشكر تواجدك الطيب
و ان شاء الله مش هتفصلى .. انا بحط الحلقات بمعدل كل اربعة ايام حلقة ان شاء الله و اتمنى متابعتك لها

بالنسبة لسؤالك .. اعتبريه موجود فعلا حتى أشرح ذلك تفصيلا فى نهاية الرواية ان شاء الله ..
اتمنى ان اجد متابعتك
و لكى منى كل التحية
د عمرو عبدالحميد
الحلقة السادسة


شعر خالد بالصدمة حين أخبره الفتى أن يوم زيكولا يذبح به أفقر من يوجد بالمدينة .. و حدّث نفسه بأنه أفقر من بالمدينة .. و ما معه من نقود لا تفيد بعدما تأكد من مواقفه السابقة أنهم لا يعترفون بتلك النقود .. و إن كان حديث الفتى صحيحا سيكون هو الضحية .. حتى قاطع تفكيره الفتى و أكمل :
- فى يوم زيكولا تجرى منافسة بين أفقر ثلاثة أشخاص بالمدينة .. أما غد للأسف فلن تكون هناك منافسة .. و سيذبح الشخص مباشرة بعدما نجح الآخران فى الهروب .. آه لو رأيتهما بعينىّ ..

تذكر خالد من قابلهما بالصحراء .. وقال بصوت عالى :
- المجانين ؟!!
فنظر إليه الفتى حتى تدارك خالد قوله .. و حدّث الفتى :
- تقصد إن الفقير تم اختياره فعلا ..
رد الفتى :- نعم ..
هنا تنفس خالد الصعداء .. و أخرج زفيرا طويلا .. و شكر ربه فى سره .. حتى أكمل الفتى :

- المعتاد فى زيكولا أن يتم حبس الفقراء الثلاثة قبلها بأيام .. ثم تقوم بينهم منافسة الغنى و الفقر .. الزيكولا .. و من يخسر منهم يذبح .. و بالطبع طالما هرب الاثنان سيذبح الشخص الثالث .. ثم أشار إلى بيت مجاور :

- إنه من منطقتنا .. فنظر خالد إلى البيت و تعجب :
- ازاى ده بيت فقير ..
بعدها تركه الفتى , و مضى ليلعب مع من معه ..

***

جلس خالد مرة أخرى فى مكانه .. يفكر بما يحدث له , و يتذكر ماذا حدث له منذ أن وجد نفسه بالصحراء .. و زاد إلحاح سؤاله الذى تعمد تجاهله دائما .. أين هو ؟ .. و أين زيكولا تلك التى لم يسمع عنها من قبل .. و عن أهلها المثيرين للدهشة ؟ .. بعضهم يبدو عاقلا .. و الكثيرون لا ينتمون للعقلاء بشئ .. ثم انتفض جسده حين سأل نفسه ماذا لو انتقل به الزمن عبر السرداب إلى الماضى كما كان يقرأ دائما فى الأدب الأجنبى .. ماذا ؟ .. هل هذا صحيح ؟! " لا .. لا .. إنه خيال .. إننى لم أسمع عن زيكولا .. و لم اقرأ عنها من قبل " .. هكذا حدّث نفسه .. ثم علا صوته :

- بس ليه لأ ؟
- الأحصنة اللى بتجر العربات .. و لبس الناس هنا .. مش معقول يكون لبس حد فى القرن الوحد و العشرين .. الحاجات دى فات عليها قرون ..
ثم عاد إلى نفسه :
- ممكن تكون دى بلد معزولة انت مسمعتش عنها .. و ده زيهم الوطنى فعلا ..
صاح إلى نفسه مجددا :
- بلد أيه .. كل اللى مشيته فى السرداب حوالى كيلو واحد أو اتنين بالكتير ..
- أكيد أنا انتقلت فى الزمن .. و الدليل إنهم بيتكلمو عربى و ميعرفوش مصر .. هو فيه منطقة بتتكلم عربى فى العالم كله إلا الوطن العربى ..
ثم أمسك رأسه بيديه :
- أنا حاسس إنى مش قادر أفكر .. أنا كنت أذكى من كدة .. ثم نظر بعيدا :

- بس .. ده الدليل إنى انتقلت للماضى ..
قال ذلك حين وجد جماعة يحملون سيوفا و دروعا و كأنهم جنود .. و يسيرون فى صفا واحدا .. و قد وقف على قدميه .. و اتجه مسرعا إلى الفتى الذى كان يمرح مع أصدقائه .. و جذبه من يده :

- أنا عاوز اسألك سؤال واحد .. إحنا فى سنة كام ؟
فأجابه الفتى متعجلا :
- يبدو أنك تشرب الكثير من الخمر .. إننا فى نهاية العام التاسع بعد الألفين يا سيّدى ..

فعاد خالد بقدمه للخلف .. و دارت به رأسه حتى سقط و كأنه فقد وعيه .. فضحك الفتى و تحدّث إليه :
- نعم سيّدى , أرى أن النوم قد يفيدك .. ثم تركه و مضى ..

***

فى صباح اليوم التالى أفتح خالد عينيه على صوت ضوضاء شديدة .. فوجد نفسه ملقيا على جانب أحد الشوارع فنهض مسرعا .. و حاول أن يصلح من هيئته , و أزال الغبار عن ملابسه .. حتى نظر أمامه و فرك شعره حين وجد ذلك الكم الهائل من الناس يسيرون بانتظام فى اتجاه معين .. و الجميع يرتدون ملابسا تبدو جديدة ..
الرجال يمسكون بأيدى النساء .. و الفتيان يمسكون بأيدى الفتيات , و اللاتى بدى عليهن الجمال الشديد .. و يسيرون فى فرحة كبيرة .. يضع كل منهم حول رقبته عقدا من الورود .. و تظلهم موسيقى لم يسمعها من قبل و لم يسمع فى جمالها .. و يعزفها مجموعة من الأشخاص أصحاب زي مختلف , و يحملون طبولا و وتريات و آلات نفح لم ير مثلها , و لكنها تخرج صوتا بديعا .. و يسيرون وسط ذلك الحشد من الناس .. ثم وجد بعض الشبان يمتطون أحصنتهم .. و خلف كل شاب توجد فتاته تلف يدها اليسرى حول خصره , و اليمنى تمسك بها ورود و تلوح بها .. فابتسم خالد و قال :

- أنا عرفت ليه الكل مستنى اليوم ده ..

ثم أعجبته تلك الحركات البهلوانية التى كان يقوم بها البعض .. حتى فوجئ بالعربة الثرية التى كان تشبث بها هو و يامن حين كان فى الصحراء .. تسير وسط الحشد , و قد خرجت منها فتاة فى غاية الجمال .. و ما إن خرجت حتى صاح البعض فرحا و زاد سرورهم .. و بدأت تلقى بالكثير من الورود .. و الكل يتهافت و يتسابق على أخذها .. حتى بدأت تقذف الورود لأعلى و ما إن تسقط حتى يرتطم الشبان بعضهم ببعض .. و تزداد بسمتها الرقيقة .. و خالد يشاهد ذلك فى سعادة كبيرة .. و ينظر مجددا إلى تلك الفتاة و قد شعر براحة نفسة كبيرة .. حتى وجد إحدى الفتيات تقترب منه و تسأله :
- لماذا تقف بمفردك ؟.. يمكننى أن اصطحبك اليوم مجانا ..

فنظر إليها خالد .. ثم نظر إلى فتاة العربة مرة أخرى :
- لا شكرا ..
ثم نظر بعيدا .. فوجد يامن فأسرع إليه وسط ذلك الزحام .. حتى وصل إليه بصعوبة و حدّثه :
- يامن .. أنت فاكرنى ؟
فابتسم إليه يامن :
- نعم .. أهلا بك يا صديق .. ثم نظر إلى زيه :
- مبارك لك الزى الجديد .. ثم سأله :
- كيف كان يومك الأول بزيكولا ؟

كانت الأصوات عالية من حولهم فاضطر خالد أن يرفع من صوته :
- يومى الأول ؟ .. مش فاهم لحد دلوقتى أيه اللى بيحصل لى ..
ضحك يامن :
- ربما لأننا فى أعياد زيكولا .. ما إن تنتهى الأعياد حتى تعود الحياة مرة أخرى إلى الطبيعة .. إنها أيام استثنائية ليست كباقى الأيام ..
فابتسم خالد :- ياريت ثم سأله:
- أمّال فين المزة بتاعتك ؟
اندهش يامن : ماذا ؟!
ضحك خالد :- أقصد حبيبتك .. أنا شايف معظم الشباب معاهم بنات ..
ابتسم يامن :- اها .. لا , إننى لم ارتبط حتى الآن ..
نظر خالد الى الأمام ثم سأله :- هو إحنا رايحين فين ؟
يامن :- ماذا تقصد بـ رايحين ؟
رد خال :- أقصد ذاهبين ؟
ضحك يامن :
- إننا ذاهبون إلى أرض الاحتفال حيث سيلتقى هناك كل أهل زيكولا .. و سيذبح شخصا ما ..
ضحك خالد :
- اه عرفت .. الفقير .. ثم صمت , و أكملا مسيرهما مع من يسيرون .. حتى سأله خالد مجددا :

- يامن .. هى مين دى ؟ ثم أشار إلى الفتاة التى ترمى بالورود من العربة ..
رد يامن :
- إنها أسيل .. طبيبة زيكولا ..
خالد و قد همس إلى نفسه :
- أسيل .. طبيبة ؟ ثم وجدها تقذف بوردة إلى أعلى و تسقط تجاهه .. و تصارع الشبان معه حتى قفز مستغلا طوله , و قد أمسكها و نظر إليها مبتسما فابتسمت له ابتسامة جعلته هائما للحظات ..

***

الجميع يسيرون , و خالد يعجبه ذلك الاحتفال .. و الموسيقى الرائعة التى تحلق فى كل مكان, و رائحة الورود التى أنعشت صدره حتى تناسى اسئلته لنفسه عن أرض زيكولا .. و سار بجوار يامن , و ينظر إلى العربة و إلى أسيل التى تبتسم كلما أمسك أحد بوردة قذفتها .. ثم ينظر نظرة مختلفة تماما مقوسا حاجبيه إلى الفتاة الأخرى التى رفض أن يسير معها .. و التى لم تزح نظرها عنه طول الوقت , و ما إن تلتقى عيناه بها حتى تخرج له لسانها فى غضب .. فينظر مجددا إلى أسيل , و يستنشق رحيق الوردة التى أمسكها و يبتسم .. و تابع سيره معهم حتى وصلوا إلى أرض واسعة .. و قد فوجئ بوجود كم هائل من الناس قد يتعدى الخمسين ألفا .. حتى اندهش و سأل يامن على الفور :

- ايه الناس دى كلها ؟!

رد يامن :- إنهم أهل زيكولا .. جاءوا من مناطقها الكثيرة .. إننا جئنا من منطقة واحدة , و باقى الناس جاءوا من المناطق الأخرى ..
حتى ابتسم فرحا حين اقترب منه شاب آخر .. و احتضنه كثيرا ثم نظر إلى خالد :
- إنه صديق عمرى إياد .. ثم نظر إلى صديقه :
- إنه خالد .. صديقى الجديد .. و تبدو عليه الشهامة , و سيكون صديقك بالطبع ..

صافح خالد إياد , و قال مبتسما :
- أيوة .. هنكون أصدقاء لغاية ما أرحل قريبا ..
ضحك إياد بصوت عالى :
- ترحل ؟!! ثم نظر إلى يامن :
- صديقك يريد أن يرحل !! .. ثم ضحك مجددا فغضب خالد من سخريته .. و نظر إلى يامن :
- هو غريب إنى أرحل و لا أيه ؟

***

كاد يامن يجيبه و لكنه أشار إليه أن يصمت بعدما دقت الطبول كثيرا .. و قد صمت الجميع , و صمتت الموسيقى .. بعدها صعد رجل ضخم إلى منصة عالية و بيده سيف طويل .. فأدرك خالد أن الذبح سيتم .. و أن الفتى كان صادقا معه حين أخبره بذلك .. و بعدها صعد رجلان أقوياء , و يجرّان رجلا يبدو عليه المرض رغم شبابه .. و الصمت يخيم على الجميع .. حتى دقت الطبول مرة أخرى فنزل أهل المدينة كلهم على ركبهم ما عدا خالد .. فجذبه يامن حتى نزل هو الآخر على ركبتيه بجوار يامن و إياد .. و نظر إلى تلك المنصة حيث سقط الفقير هو الآخر على ركبيته , و يداه مقيدتان بالخلف .. و بعد لحظات وخزه السياف فى ظهره حتى شهق برأسه فأطاح برقبته .. و تناثرت دماه على المنصة .. فصاح أهل المدينة فرحا .. و دقت الموسيقى مرة أخرى .. و بدأوا يرقصون و يمرحون .. و بدأت الألعاب البهلوانية مجددا ..


أما خالد فقد سرت فى جسده رعشة مما رآه .. و انتفض قلبه بقوة , و تسارعت أنفاسه .. و ينظر إلى ذلك الجسد المنزوعة رأسه .. و جسده يرتعد , إنه لم ير مثل ذلك من قبل .. يتحسس وجهه , و يسأل نفسه هل يحلم أم أنها حقيقة .. و يسأل نفسه مجددا .. لماذا ذبحوا ذلك الفقير ؟ .. إننا فى مجتمعنا نساعدهم .. إنهم قوم بلا قلب .. حتى صاح بيامن :

- يامن .. إحنا فى سنة كام ؟
رد يامن :- إننا فى نهاية العام التاسع بعد الألفين ..
صاح خالد :- 2009 .. إزاى ؟
ابتسم يامن كى يمتص غضبه :
- إنه الزمن يا صديقى .. هل بيدنا أن نغير الزمن ؟!.. ثم صاح خالد بإياد فى عصبية :
- و إيه الغريب إنى أرحل و أسيب زيكولا ؟!
رد إياد :
- يا صديق .. إن باب زيكولا قد أغلق بنهاية أمس .. إنه لا يفتح إلا قبل يوم زيكولا بيوم واحد .. ثم يغلق مجددا حتى يوم زيكولا فى العام الذى يليه .. ولا يستطيع أحد مغادرة زيكولا حتى ذلك اليوم ..
أكمل يامن , و نظر إلى خالد :
- إنه اليوم الذى دخلت فيه إلى زيكولا .. ثم سأله متعجبا :
- لماذا تريد أن ترحل و أنت لست فقيرا ؟
جن جنون خالد .. و قد فاض به :
- مين اللى قالك إنى مش فقير ؟! .. لأ , أنا فقير .. أنا ممتلكش أى حاجة ..
اندهش زياد :- كيف هذا ؟! .. ألا تشعر بنفسك ؟
رد خالد غاضبا :- أشعر بأيه ؟! .. دى حتى الفلوس اللى كانت معايا , و حمدت ربنا إنها كانت معايا بالصدفة قلتوا عليها ورق و ملهاش أى قيمة ..
ابتسم يامن :- و لماذا تحتاجها يا صديقى ؟
رد خالد :- دى فلوس .. يعنى اشترى بيها اللى أنا محتاجه ..
اندهش يامن :
- تقصد العملة ؟!
خالد :- أيوة ..
صمت يامن ثم تحدّث مجددا :
- أها .. الآن عرفت لماذا زاد ارتباكك إلى هذا الحد حين وجدت ذلك الفقير يذبح .. إنك خفت أن تكون فقيرا و تذبح مثله .. ثم نظر إلى خالد :
- يا صديقى إن عملتنا مختلفة تماما .. إن عملة أرض زيكولا هى وحدات الذكاء .. و من يكون ذكيا هو الغنى .. أما الفقير فهو الأقل ذكاءا .. هنا نعمل و نأخذ أجرتنا ذكاء .. و نبتاع و ندفع من ذكاءنا .. و نأكل مقابل وحدات أخرى من الذكاء .. ثم صمت برهة و أكمل :

- لا أعلم من أين جئت .. و لكننا ولدنا فوجدنا أنفسنا هكذا .. علينا أن نحافظ على ذكاءنا .. و أنت منذ دخولك إلى أرض زيكولا أصبحت مثلنا .. و عليك أن تحافظ على ذكائك , و أن تنميه .. كى لا يأتى يوم زيكولا و قد قلّ ذكاءك فيكون هذا مصيرك .. ثم أشار إلى جثة الذبيح ..

فنظر إليه خالد متعجبا .. و كأنه لا يفهم شئ :
- يامن .. أنا كنت بقول عليك عاقل ..

رد يامن :- أعلم أنك تظننا بلهاء .. و لكننا أهل زيكولا نختلف عن باقى بقاع الدنيا .. و الكل يعلم ذلك .. و يخشون أن يدخلوا إلينا حتى لا تسرى رعشة زيكولا بجسدهم و يصبحون مثلا ..

هنا تذكر خالد تلك الرعشة .. و ذلك الألم الشديد الذى حلّ برأسه حين مر من باب زيكولا .. و قد أكمل يامن :

- عليك أن تصدقنا .. و أن تحافظ على ذكائك لأن اعتقادك بأننا بلهاء لن يفيدك بشئ .. أنت لن تستطيع أن تغادر زيكولا مهما حدث .. و إن جاء يوم زيكولا و كنت الأقل ذكاءا فسيحدث لك مثلما أخبرتك .. ثم تابع :

- إنه عام .. ستحتاج إلى طعام , و إلى شراب , و إلى ملبس و مسكن .. و هنا فى زيكولا لا يعطى أحد شيئا بالمجان .. سوى يوم زيكولا فقط .. اليوم .. يكون يوما بلا عمل .. و قد تكون هناك أشياء قليلة للغاية دون مقابل ..
- عليك أن تعمل و تأخذ أجرك من الذكاء تعوّض ما تفقده لسد احتياجاتك.. صديقى , هنا فى زيكولا ثروتك هى ذكاءك ..

مازالت الدهشة منطبعة على وجه خالد .. و بدأ يشك بذلك , و يشعر بأن ذكاءه قد قلّ بالفعل منذ دخوله إلى تلك المدينة , و أن قدرته على التفكير قد قلت قليلا .. و لا يعرف السبب .. و لكن ما يقوله يامن لا يصدقه عاقل حتى تذكر شيئا .. و تحدّث إلى يامن :

- كلامك مش صحيح .. أنا أكلت و شربت و اشتريت هدومى من غير مقابل ..
ابتسم يامن :
- صديقى .. هل لاحظت وجود الأسعار بالوحدات فى تلك الأماكن ؟ ..
تذكر خالد تلك الوحدات .. و التى سأل نفسه عنها من قبل :
- أيوة
أكمل يامن :
- وحدات الذكاء لا تدفع باليد .. إنها تنتقل تلقائيا بيننا .. و طالما رأيت تلك الوحدات .. أقصد الأسعار , و تواجدت فى تلك الأماكن .. هذا يعنى أنك موافق على الشراء و على الأسعار التى رأيتها .. و ينتقل منك ثمن ما أكلته أو اشتريته إلى صاحب هذا المكان دون ارادتك .. الغرباء يسمونها لعنة زيكولا .. قاطعه خالد هائما :
- أنا أكلت كتير .. و الزى ده كان مكتوب عليه أكبر وحدات .. و صاحبه قال إنه أغلى زى عنده .. و شكرنى لأنى غنى ..
رد يامن :- بالفعل يا صديقى .. لقد لاحظت اليوم اختلافك قليلا عن المرة الأولى التى رأيتك بها ..
ثم نظر إلى إياد :
- يبدو أن صديقنا قد فقد جزءا ليس بالقليل من ثروته ..


يتبع
الناقل المحيطى
تسجيل متابعة
د عمرو عبدالحميد
اقتباس(الناقل المحيطى @ 19_01_2010, 09:24 PM) *

تسجيل متابعة

اهلا بحضرتك الناقل المحيطى
و ان شاء الله حلقة الغد تنال العجابك
بشكر مرورك الجميل
و لكى منى كل التحية
د عمرو عبدالحميد
الحلقة السابعة

نظر يامن إلى خالد و حدّثه :
- لقد لاحظت اليوم اختلافك قليلا عن المرة الأولى التى رأيتك بها ..
ثم نظر إلى إياد :
- يبدو أن صديقنا قد فقد جزءا ليس بالقليل من ثروته ..
فسأله خالد فى لهفة :
و أنت عرفت ازاى ؟
فابتسم يامن :- إن وجهك أصبح شاحبا بعض الشئ يا صديقى .. ثم أكمل :
- كلما قلّ ذكاؤك زاد شحوب وجهك , و بدى المرض عليك .. و هكذا نعرف من هو الغنى و من هو الفقير .. كلما تكسب ثروة تكون طبيعى بل يزداد شبابك .. أما حين تخسر فستجد المرض يتسرب إلى جسدك .. و هكذا حتى يقترب يوم زيكولا فيقوم الجنود بجمع الأكثر مرضا بالمدينة .. و يعرضون على أسيل .. الطبيبة .. و هى من تحدد المريض حقا و المريض بالفقر .. و بعدها تختار الثلاثة الأشد فقرا ..

فقاطعه خالد قبل أن يكمل حديثه :
- لا دى بلد مجانين .. أنا لازم أسيب البلد دى .. ثم تركهما و جرى

***

ترك خالد يامن و إياد و جرى مسرعا .. و قلبه يدق خوفا .. يخشى أن يكون ما قالاه واقعى .. و أكمل جريه هائما وسط الزحام .. و أهل المدينة يرقصون و يمرحون و الموسيقى فى ذروتها .. و خالد يتحرك بصعوبة بينهم , و يحاول أن يخرج من ذلك الزحام .. و يصطدم بالفتيان و الفتيات دون أن يعتذر .. ما يشغل باله أن يخرج إلى باب زيكولا .. و واصل جريه بعيدا عن أرض الاحتفال .. و يحدّث نفسه :
- مش معقول يكون ده صحيح .. مش معقول ..
و تعدو قدماه مسرعتان .. حتى اقترب من باب زيكولا , و قد ظهر العرق الغزير على جبينه .. فوجده قد أغلق بالفعل و تواجد أمامه الكثير من الحرّاس .. فاقترب خالد من أحدهم و قد كان ضخم الجثة .. و حدّثه :

- أنا عاوز أخرج ..
فضحك الحارس ساخرا :
- تخرج ؟!!
فصاح خالد : أيوة .. أخرج
فضحك الحارس مجددا .. ثم نظر إلى حارس آخر و حدّثه :
- إننا نترك احتفالات زيكولا و نقف هنا حتى يأتى السكارى .. و يعبثون معنا ..
فصاح خالد مجددا :
- أنا مش سكران .. أنا هخرج .. ثم دفع الحارس بيده ..
فظهر الغضب على وجه الحارس ثم لكم خالد لكمة قوية أعادته خطوات للخلف .. حتى سقط على الأرض و قد سالت الدماء من حاجبه الأيسر .. فنهض خالد على الفور ثم عاد و وقف أمام الحارس مرة أخرى .. و لكنه نظر إلى الدرع الذى يحمله .. و كان لامعا كالمرآة .. و أمعن النظر به , و نظر إلى صورته المنعكسة .. لا يخشى أن يلكمه الحارس مجددا .. و لا تشغله الدماء التى تسيل على وجهه .. بل يتحسس وجهه بيديه .. و مابدى عليه من شحوب .. و ينظر إليه و قد اتسعت عيناه من الدهشة و الخوف .. و تسارعت أنفاسه و خفق قلبه بقوة .. حتى قاطع تفكيره صوت الحارس الغليظ :

- عد إلى حيث كنت و إلا سيكون السجن مصيرك ..

فنظر إليه خالد فى خيبة أمل واضعا يده على حاجبه .. يريد أن يوقف دماءه .. و قد أدرك أن الباب لن يفتح كما اخبره إياد .. و أن حديث يامن إليه ما هو إلا الحقيقة التى خشاها ..

***

بعدها عاد خالد إلى شوارع المدينة .. يسير هائما , و يفكر كيف سيعيش عاما فى تلك المدينة الملعونة .. و يسأل نفسه : عام ؟! .. إنه لم يستطع أن يعيش يوما واحدا .. فكيف له أن يعيش عاما كاملا ثم عاد بتفكيره .. ماذا لو مر العام و كنت أفقر من بالمدينة .. ماذا لو كنت الأغبى .. ثم علا صوته .. و سأل نفسه :
- و جدى ؟!
- هل هيقدر يعيش سنة من غيرى .. أنا كنت بقول يومين أو تلاتة و أرجع له ..
- ياترى فكرنى مت زى أبويا و أمى ؟
- سنة ؟!! هعيش هنا سنة ؟!

و ظل هائما هكذا حتى أفاق حين صدمه حصان ما .. و قد كان الحصان الذى يجر العربة الثرية .. عربة أسيل .. فصاح به سائق العربة يعنفه .. ثم توقفت العربة , و نزلت منها أسيل على الفور لتطمئن عليه .. و لكن خالد قد غادر هائما .. و رغم نداءها إليه كثيرا فقد أكمل مسيره دون أن يلتفت و كأنه يتجاهلها .. فعادت إلى العربة مرة أخرى .. و حدّثت نفسها :

- لو كان شخصا آخر .. لطلب تعويضا على ذلك .. ثم أمرت السائق أن يتحرك من جديد ..

***

مرت ساعات و خالد مازال يسير بالمدينة .. و لم يتوقف عقله عن التفكير .. حتى وجد نفسه يقترب من بحيرة واسعة .. فأسرع إليها و حين تذوق ماءها وجده عذبا .. فابتسم و شرب منها كثيرا .. ثم أسند ظهره على شجرة بجوار البحيرة .. و ضحك حين جال بخاطره أن يأتى والد منى إلى تلك المدينة .. و أقسم أنه سيذبح على الفور .. حتى منى لو جاءت ستذبح هى الأخرى .. يتذكر أصدقاءه و أنهم لا يمتلكون من الذكاء شيئا بل سيذبحون كلهم .. ثم ضحك و حدّث نفسه ساخرا :
- عاوز آكل مقابل وحدتين ذكاء ..
ثم ضحك مجددا حين تذكر أحد أصدقاءه .. و كان سمينا للغاية و يأكل كثيرا .. و أنه لو كان بزيكولا لفقد ثروته كلها مقابل أن يأكل .. ثم تحدث إلى نفسه :
- بتضحك يا خالد .. فعلا مصرى ابن مصرى .. نضحك فى أشد أوقات الكرب .. ثم سأل نفسه :
- هتعمل إيه يا خالد ؟
فأجاب نفسه .. و كأنه شخصا آخر .. و قد أغلظ من صوته :
- هعيش زى الناس هنا .. أنت قدامك حل تانى ؟ فردّ كأنه الشخص الأول :
- لا ..
فابتسم .. و جعل صوته غليظا مرة أخرى :
- يبقى تكيف مع الوضع .. و أهلا بك فى زيكولا ..

بعدها نظر إلى السماء و التى خيم عليها الليل .. و انتشر السكون حتى اختفى مرة أخرى حين وجد ألعاب نارية غريبة عما يعرفها تزين سماء زيكولا .. و لم تتوقف للحظة فابتسم :
- يوم زيكولا .. ثم أكمل بعد برهة من الصمت :
- كلها ساعات و ينتهى .. و أشوف زيكولا على طبيعتها ..
ثم نظر إلى البحيرة , و إلى شاطئها فلم يجد أحدا غيره .. فوجدها فرصة أن يستحم .. و ما إن تجرد من ثيابه .. و كاد أن يكون عاريا تماما حتى شعر بحركة غريبة .. و سمع همسا و بعض الضحكات فالتفت فوجد فتاتين تنظران إليه .. فارتدى ملابسه على الفور ثم أسرع عائدا إلى الشجرة مرة أخرى و أسند إليها ظهره من جديد .. و ضحك و حدّث نفسه :
- لا .. أنا بقول أنام أحسن ..

***

مر الليل , و قد أشرقت الشمس .. و خالد نائم بجوار شجرة على شاطئ البحيرة .. حتى انتفض حين سمع صرخات .. و حين نظر بعيدا وجد سيدة تصرخ بأن ابنها يغرق فى البحيرة .. فأسرع خالد إلى البحيرة بملابسه .. يريد أن يصل إلى ذلك الفتى , و الذى كان بعيدا بعض الشئ .. و لم يتخيل أن تكون البحيرة عميقة هكذا .. حتى اقترب منه .. و جذبه تجاهه , و عاد به مرة أخرى إلى الشاطئ .. و قد فقد الفتى وعيه , و مازالت أمه تصرخ .. أما خالد فقد أنام الفتى على ظهره .. و بدأ يضغط بيده على صدره .. يريد أن ينعش قلبه .. يضغط بعض الضغطات ثم يضع فمه على فم الفتى و يملأ صدره بالهواء .. ثم يعود ليضغط بعض الضغطات مرة أخرى .. و قد اجتمع الناس من حوله , و من بينهم أسيل التى أسرعت إلى الفتى و طلبت من خالد أن يبتعد عنه .. و لكن خالد لم ينظر إليها و لم يرفع نظره عن الفتى .. و مازال يضغط على صدره و يعطيه من الهواء .. حتى شهق الفتى .. و بدأ خالد يشعر بنبضات حين وضع أصبعيه على رقبته .. فحمد الله ثم نظر إلى أمه :

- الحمد لله .. هو بخير .. فنظرت إليه الأم باكية .. و قد احتضنت ابنها :
- شكرا لك .. ثم سالته :
- كم تريد مقابل هذا ؟
فتعجب خالد ثم أجابها :
- أنا مش عاوز حاجة .. أى حد مكانى كان هيعمل كدة .. خدى بالك منه بعد كدة .. قالها و الناس ينظرون إليه فى غرابة .. حتى سألته أسيل :

- كيف فعلت هذا ؟! .. و لماذا لم تتركنى أساعدك ؟!

فرفع خالد رأسه .. و نظر إليها , و كانت المرة الأولى التى ينظر إليها بعدما لم يترك نظره الفتى حين كان ينقذه .. حتى فوجئ بأنها صاحبة الصوت الذى طلب منه أن يتركه .. فشعر بقلبه يخفق سريعا حين وجدها قريبة منه إلى ذلك الحد .. لا تفصلهما سوى أقل من خطوة .. و حدّث نفسه فى سره .. أنها جميلة جمال لا حدود له .. ينظر إلى شعرها الأسود الطويل , و عينيها الضيقتين , و رموشهما السمراء الطويلة .. و يتذكر ضحكتها حين كانت ترمى بالورود , و تضيق عيناها كلما ضحكت فتعطيها جمالا خاصا , و لاسيما مع شفتيها الرقيقتين .. حتى نطق هامسا :
- أسيل !! ..
ففوجئت هى الأخرى بأنه من تجاهلها , و مضى حين اصطدم حصان عربتها به .. ثم سألته مجددا :
- كيف فعلت هذا ؟
ضحك خالد :
- أول مرة أحس إنى اتعلمت حاجة مفيدة .. دى دورة اسعافات أولية كنت اتعلمتها فى القاهرة .. ثم أسرع , و أخرج وردة من ملابسه المبتلة .. و التى قد التقطها فى اليوم السابق .. و نظر إليها مبتسما :
- دى وردتك .. أنا محتفظ بيها ..
فتجاهلت أسيل حديثه عن تلك الوردة .. و سألته :
- لماذا لهجتك غريبة .. ثم أكملت :
و أين القاهرة تلك ؟
فابتسم خالد :
- دى قصة غريبة جدا .. و أكيد مش هتعرفى القاهرة .. أنا مش من زيكولا .. ثم أراد أن يتحدث إليها بلهجتهم :
- لست من زيكولا .. و قد دخلت إلى زيكولا أول أمس .. و لم أكن أعرف أن بابها سيغلق ..
فصمتت أسيل .. و كأنها تتذكر شئ ما .. ثم نظرت إليه :
- مثلى تماما ..

يتبع
الناقل المحيطى
كل شوية الفصول بتقصر ليه؟
د عمرو عبدالحميد
اقتباس(الناقل المحيطى @ 24_01_2010, 10:33 PM) *

كل شوية الفصول بتقصر ليه؟


اهلا بحضرتك الناقل المحيطى
بشكر تواجدك
هى الفصول مرتبطة باحداث معينة مسبقة
فعشان كدة كان الفصل ده فعلا قصير
ان شاء الله باقى الحلقات تعجبك
و لكى منى كل التحية




د عمرو عبدالحميد
الحلقة الثامنة


أخبر خالد أسيل أنه ليس من أهل زيكولا .. و إنما دخل إليها , و قد أغلق بابها فلم يستطع أن يغادر المدينة .. ففوجئ بها تقول هامسة :
- مثلى تماما ..
فرد خالد فى لهفة :
- مثلك ؟!!
ردّت أسيل :- نعم مثلى .. أنا أيضا لم أكن من أهل زيكولا ثم نظرت إلى حاجبه الذى لم يلئم جرحه بعد :
- أنا آسفة ..
اندهش خالد :- على ايه ؟
أسيل :- أرى أن اصطدام حصان عربتى بك قد أصاب حاجبك ..
فابتسم خالد : أى حصان ؟
فأجابت : حصانى بالأمس ..

فتذكر خالد :- لا .. لا .. مش الحصان .. أنا المفروض اللى اعتذر ليكى لإنى امبارح مكنتش فى حالتى الطبيعية بعد ما شفت الفقير اللى دبحتوه .. بس ارجوكى كملى حكايتك , و ازاى أنتى مش من زيكولا ..

***

انصرف الناس , و حملت الأم ولدها و انصرفت .. و جلست أسيل بجوار خالد على شاطئ البحيرة و التى بدأت تتحدث :

- كانت هناك حروبا كثيرة منذ سنوات طويلة بين زيكولا و البلاد الأخرى .. و من بينهم بلدى ( بيجانا ) .. فكان جيش زيكولا يخرج يوم زيكولا , و لا يعود إلا يوم زيكولا الذى يليه .. حتى جاء يوم منذ أربعة عشر عام .. و استطاعت زيكولا أن تهلك بلدتى .. و أخذت الكثير منا عبيدا لهم .. و قد كنت منهم .. أنا ابنة العشرة أعوام وقتها ..
قاطعها خالد فى دهشة :
- عبيد ؟!
أكملت :- نعم .. كان الرق يتواجد فى زيكولا حتى أعوام قليلة .. و لكنه لم يعد متواجدا الآن ..
خالد :- ماشى .. كمّلى ..
أكملت :- دخلنا إلى زيكولا .. و بالطبع كما حدث لك حين دخلت إلى هنا , أصابتنا لعنة زيكولا .. و أصبحنا مثلهم .. تعاملنا بوحدات الذكاء , و الأفقر يذبح .. و لكنى كنت أوفر حظا من غيرى .. فقد اشترانى رجل حكيم كان ذا قلب رحيم .. و كان يدرس الطب و الحكمة .. و أعطانى الكثير من علمه ثم أعطانى حريتى قبل أن يموت .. و أعطانى ما هو أهم .. أعطانى كتبه عن الطب و الحياة .. فتعلمت منها الكثير , و أصبحت طبيبة زيكولا .. و عاملتهم بطريقتهم أداويهم مقابل جزء من ذكائهم .. و هنا يمرضون كثيرا , و أنا أجنى الكثير .. فأصبحت من أثرياء زيكولا , و أنا ابنة الأربعة و العشرين ..

قاطعها خالد مجددا :
- و مفكرتيش تخرجى من زيكولا .. و ترجعى لبلدك ؟
ابتسمت و أكملت :
- كنت فى البداية انتظر اليوم الذى أعود فيه إلى بلدى , و أن أخرج من هنا .. و لكن بعد أربعة عشر عاما أصبحت زيكولا حياتى .. أحببت الحياة هنا .. قد أذهب أحيانا إلى بلدى القديمة يوم يفتح باب زيكولا .. و لكنى لا ألبث أن أعود إلى هنا سريعا قبل أن يغلق الباب مجددا ..
سألها خالد :
- لأنكِ غنية ؟
أجابت :- ربما يكون سببا .. و لكن السبب الأكبر أننى أحب زيكولا لأنها قوية .. رغم ما بها من مساوئ , و لكنها الأقوى بين البلدان .. لا تستطيع البلاد الأخرى الاقتراب منها .. ستعرف مع وجودك هنا ما الذى يعطى زيكولا تلك القوة .. و اعتقد أنك ستحبها مثلما أحببتها ..

صمت خالد قليلا مفكرا فى حديثها .. ثم سألها :
- زيكولا .. و بلدك اسمها بيجانا .. إحنا فين من العالم ؟

و لكنه لم يلبث أن يسأل سؤاله حتى جاءت فتاة مسرعة إلى أسيل , و تخبرها بأن هناك مريضا فى حاجة إليها .. و لابد أن تسرع .. فنظرت إلى خالد :

- أننى أريد أن أعرف حكايتك أيضا .. أين أجدك مجددا ؟
ضحك خالد :
- هنا .. هنا مسكنى .. بجوار شجرة البحيرة ..
أسيل :- حسنا اتمنى أن نكمل حديثنا لاحقا .. ثم ابتسمت :
- هنا .. بجوار البحيرة ..

غادرت أسيل .. و قد تعجب خالد من حديثها , و سأل نفسه ; ربما تكون زيكولا مدينة غريبة .. و لكن يبدو أنه عالم غريب بالكامل .. أين بيجانا تلك هى الأخرى .. و كيف يتعاملون بها .. ثم ابتسم و حدّث نفسه : .. هناك من تشابهت ظروفه معك , و من .. إنها أسيل .. هل تصبح من أغنى الأغنياء هنا .. هل تصبح مثلها .. ثم أفاق :
- لا .. لا أريد أن أصبح أغنى الأغنياء .. أريد أن أغادر تلك المدينة .. و لكن أغادرها إلى أين .. و كيف سأعود إلى بلدى مرة أخرى حتى لو خرجت من زيكولا ..
- حسنا , أغادر زيكولا أولا , و بعدها أفكر كيف أعود إلى بلدى .. و لكن حتى أغادر أريد أن أبقى حيا .. ثم نهض مجددا , و قد بدأت ملابسه تجف محدثا نفسه : علىّ أن أجد عملا ..

***

اتجه خالد إلى شوارع المدينة .. و قد عزم على أن يجد عملا يساعده أجره على البقاء حيا فى تلك المدينة .. و لكنه ما إن ذهب إلى أحد ليسأله عن عمل حتى يرفض طلبه .. فيذهب لآخر فيرفض هو الآخر .. و ظل هكذا يبحث و يبحث حتى تعبت قدماه .. و جلس على جانب أحد الشوارع .. ففوجئ بيامن يقترب منه , و يصافحه :

- أين أنت يا صديقى ..
ابتسم خالد :- أهلا يامن .. يامن , أنا عاوز اشتغل .. و حاولت ألاقى شغل بس الكل رفض يشغلنى ..
سأله يامن :- أين بحثت عن العمل ؟
رد خالد :- فى المنطقة دى .. المطاعم و محلات البيع ..
يامن :- إنك أخطأت فى بحثك .. هنا يريدون أن يوفروا مكسبا كبيرا , و عملك معهم سيفقدهم جزءا من مكسبهم .. ستعرف كل شئ عن حياة زيكولا مع مرور الأيام .. ثم تابع :
- إن المدينة مليئة بأماكن العمل .. هل تريد أن تعمل معى ؟
رد خالد :- أيوة ..
يامن :- دون أن تعرف ماذا أعمل ؟
اندهش خالد و سأله :
- هو عمل حرام و لا أيه ؟
يامن :- ماذا تعنى بحرام ؟
رد خالد :- أقصد عمل مش كويس ..
أسرع يامن :- لا لا .. إنه عمل مشرف .. اننا نعمل بجد .. عملنا يحتاج إلى الأقوياء مثلك .. ربما يكون أجره قليل و لكنه يكفى لاحتياجاتنا ..
خالد :- و فين العمل ده ؟
ابتسم يامن :- حسنا .. تعال معى ..

***

انطلق خالد مع يامن , و سارا إلى أطراف المدينة حيث منطقة جبلية .. حتى فوجئ خالد بعدد هائل من الفتيان و الفتيات يعملون كأسراب النمل .. و قد اندهش من ذلك الكم الهائل .. و سأل يامن :
- كل الناس دى بتشتغل ؟
يامن :- نعم يا صديقى .. و هناك الآلاف يعملون فى مناطق أخرى .. إن الصناعة هنا مربحة ..
ثم أشار إلى مكان ما :
- هنا نقطّع الأحجار من الجبال ثم نصنع منه طوبا يصلح لبناء المساكن .. و كل هؤلاء الناس يعملون , و يأخذون أجرهم يوما بيوم .. و أنت و أنا سنكون بينهم .. أجرنا سبع وحدات ذكاء باليوم , هل يناسبك ؟
ابتسم خالد ثم تابع يامن :
- هيا .. عليك أن تثبت أنك جدير بالعمل ..

...

بدأ خالد عمله مع يامن و الآخرين , يقطّعون الصخور و الأحجار بالألات اليدوية .. و ربما كان عملا يحتاج إلى قوة بدنية و لكن هذا ماكان يمتلكه خالد تماما .. و بدأ يعمل , يرفع الفأس بيديه و يهوى بها على الصخور .. و ما إن تحطمت أول صخرة حتى نظر إلى يامن : لقد بدأنا العمل بالفعل .. و يحدّث نفسه ساخرا .. بكالوريوس تجارة إلى مخزن أدوية إلى تقطيع حجارة .. و يتابع عمله .. و الجميع ينظر إليه فى إعجاب , و خاصة بعدما طلب من يامن أن ينافسه .. من يقطّع الحجارة أسرع .. و قد تخلص من قميصه و ربطه حول خصره .. و غطى العرق جسده فجعله لامعا مبرزا عضلاته ..

الجميع يعملون , و يامن و خالد يتنافسان و يسرعان .. و الكل ينظر إليهما و إلى ما يبذلاه من جهد , و قد أثارا حماس الباقيين .. حتى أخذا قسطا من الراحة .. و قد زادت دهشة خالد حين نظر إلى الناس مجددا .. و إلى الفتيات اللاتى تعملن بقوة .. و يحملن الأحجار إلى العربات .. و سأل يامن :

- ازاى البنات بتشتغل الشغل الصعب ده ؟
رد يامن : لا توجد فتاة بالمدينة لا تعمل .. إن قانون زيكولا لا يسرى على الأطفال فقط .. و لكن ما إن تجاوز الشاب أو الفتاة السابعة عشر أصبحا خاضعيّن لقانون زيكولا .. و علي الشاب أن يعمل من أجل ثروته .. و على الفتاة أن تعمل من أجل ثروتها ..
ثم أردف :
- هنا لا أحد يعطى غيره من ذكائه دون مقابل .. حتى إن تزوجت فلن يعطيها زوجها .. إما أن تعمل و إما أن تموت .. أو أن تجد حلا آخرا .. هو أن ترث ..
خالد مندهشا :- ترث ؟
يامن :- نعم .. هنا الميراث يقسم على الأبناء بالتساوى ..
ابتسم خالد :- الميراث ذكاء ؟
يامن :- و هل توجد ثروة أخرى يا صديقى ؟! .. حين يموت أحد تنتقل ثروته تلقائيا إلى ورثته .. هيا تابع عملك ..
ابتسم خالد :- حسنا ..

***

مرت ساعات , و خالد يعمل و معه يامن حتى بدأت الشمس فى المغيب .. فتوقف الجميع عن العمل , و قد ظهر الإنهاك على خالد فضحك يامن :
- هل تعبت ؟
فابتسم خالد :
- أكيد .. أنا مش متعود على مجهود بدنى بالطريقة دى ..
فضحك يامن :
- ستعتاد .. علينا أن نغادر ..
خالد :- و أجرنا ؟
رد يامن :- ما إن نغادر مكان العمل حتى يصلنا أجرنا دون أن نشعر .. طالما عملت سيصلك أجرك ..
ابتسم خالد :
- زيكولا ..
يامن :- أين ستذهب .. هل نجتمع بالمساء ؟
تذكر خالد أسيل :
- لا .. أنا هشترى طعام .. و بعدين هروح البحيرة مكانى ..
يامن :- حسنا ..

***

دخل الليل , و قد اتجه خالد كى يحصل على طعام .. و ما إن جلس بأحد المطاعم ليأكل حتى وجد جميع من هناك لا يأكلون سوى الخبز .. و قد أتى رجل المطعم , و سأله :

- ماذا تريد أن تأكل أيها الغنى ؟
فابتسم خالد ثم طلب منه أن يخبره بأسعار الطعام .. فرد الرجل :
- هنا الخبز مقابل وحدة واحدة .. و الأرز مقابل ثلاث وحدات .. و الدجاج خمسة وحدات .. و اللحم ثمانى وحدات ..

فعلم خالد لماذا يأكل الجميع الخبز .. و قد طلب دجاجا و خبز .. و أكل حتى شبع ثم اتجه مسرعا إلى البحيرة .. و جلس بجوار الشجرة التى يجلس بجوارها دائما ..

...

ظل خالد جالسا بجوار البحيرة .. و يسأل نفسه هل ستأتى أسيل كما أخبرته أم تأخرّ الوقت فلن تأتى .. و إن لم تأتِ كيف سيقابلها مجددا و عمله ينتهى مع انتهاء النهار .. و يحدّث نفسه .. لماذا تريدها أن تأتى يا خالد .. فيجيب .. أريد أن أخبرها بقصتى , و ربما تساعدنى .. إنها تبدو أكثر ذكاءا و ثقافة من الآخرين .. ثم سأل نفسه .. ألا يوجد سبب آخر .. فأجاب بعد صمت .. لا لا .. ثم ضحك .. ربما .. حتى بدأت آلام جسده تشتد من ذلك المجهود الذى بذله .. و ظل فى انتظار أسيل حتى مر الوقت , و غلبه النعاس دون أن تأتى ..

***

فى صباح اليوم التالى , أسرع خالد إلى عمله الجديد .. و لكنه فوجئ بثلاثة أشخاص يعترضون طريقه , و يوقفونه و قد أخرج أحدهم سكينا .. ثم سأله :

- أين نصيبنا من عملك ؟
فسأله خالد فى غرابة :
- نصيبكم ؟!!
رد أحدهم :- نعم .. لنا وحدتان ذكاء منك كل يوم .. هل تقبل أم لا ؟
اندهش خالد غاضبا :- مقابل أيه ؟
رد :- أننا نحميك ..
خالد :- لا .. لا أقبل ..
فقام أحدهم بلكمه ثم تناولوا عليه بالضرب .. حتى أسرع يامن الذى كان يمر بالقرب منهم :
- لماذا تضربونه ؟
رد أحدهم :- إنه لا يريد أن يدفع لنا نصيبنا ..
يامن , و قد حاول أن يخلّص خالد من أيديهم :
- سيدفع .. سيدفع ..
ثم نظر إلى خالد الذى سالت الدماء من شفتيه :
- ادفع لهم وحدتين ..
فنظر إليهم خالد :
- حسنا أقبل ..
فرد أضخمهم :- حسنا .. ثم انصرفوا
فنظر خالد إلى يامن :
- مين دول ؟
رد يامن :- إنهم لا يعملون .. و يجبروننا أن ندفع لهم و إلا تعرضوا لنا بالأذى ..
خالد :- بلطجية يعنى .. و عاوزين إتاوة ..
يامن :- أخى , إننا نحيا فى زيكولا هكذا .. و قد تعودنا على ذلك ..
خالد منفعلا :- تدفع من ذكاءك مقابل حمايتك .. و فين الشرطة ..
رد يامن :
- إنهم ليسوا مذنبين .. و قانون زيكولا لا يعاقبهم .. إنهم يريدون أن يبقوا أحياء .. و هذا لا يتعارض مع قوانيننا .. عليك أن تدفع وحدتين كل يوم , و أن ترضى بذلك ..
صاح خالد :
- ازاى أكون باخد سبع وحدات فى اليوم , و أدفع وحدتين مقابل حمايتى , و آكل منين , و يتبقى لى ايه ..
يامن :- عليك أن تبذل جهدا أكبر لتوفر أكبر قدر من أجرك .. ربما يساعدك مخزونك الكبير قبل أن تأتى إلى هنا و الذى قد يصل إلى الألف وحدة .. و لكن نصيحتى إليك .. إياك أن تقترب مجددا من مخزونك من الذكاء .. إنه كفيل بأن يبعدك عن الفقر ..
همس خالد :- اتمنى ..
ابتسم يامن :- حسنا .. هيا إلى العمل .. ما رأيك فى منافسة كبيرة اليوم ..

***

مرت الأيام .. و خالد يعمل مع يامن فى صناعة الطوب من الأحجار .. و يمر يوما بعد يوم , و خالد ينهض من نومه , و يتجه إلى عمله , و يدفع الوحدتين مقابل حمايته .. ثم يذهب إلى عمله فيحطم الصخور بفأسه .. و قد أصبح شعره الناعم طويلا بعض الشئ , كما غطت لحيته الناعمة وشاربه وجهه , و كبرت عضلاته .. و أصبح الكثير من أهل المدينة يلقبونه بالغريب القوى ..

يسير فى شوارع المدينة .. و يضحك مع هذا و ذاك .. ثم يأكل الدجاج و الخبز كعادته .. و يعود إلى البحيرة مرة أخرى فيلقى بنفسه فى مائها كى يريح جسده من عناء العمل .. و يظل ينتظر أسيل كل يوم .. و يرفض أن يقابل يامن ليلا .. و يحدّث نفسه .. ربما ستأتى اليوم .. و تمر الأيام دون أن تأتى .. حتى أدرك أن أسيل قد نست وعدها له بأن يكملا حديثهما بعدما لم يرها منذ حديثهما السابق و الوحيد .. و يظل ساهرا على شاطئ البحيرة حتى يغلبه النعاس فينام .. حتى يأتى صباح اليوم التالى .. و يكرر ما فعله فى اليوم السابق .. و قد عادت إليه نضارة وجهه , و اختفى شحوبه بعدما شعر أنه عوّض ما فقده من ثروته حين دخل زيكولا أول يوم .. حتى جاء يوم و قد وجد يامن , فحدّثه :

- يامن .. أنا محتاج أقلام و ورق ..
رد يامن فى دهشة :- لماذا ؟!
رد خالد :- يعنى .. فيه حاجات عاوز أسجلها عن زيكولا .. استغل فترة وجودى هنا بعد ما فات شهر ..
يامن :- حسنا .. أعلم مكانا يمكنك أن تذهب إليه , و تجد أقلام و أوراق زيكولا المميزة ..
ثم تابع مفتخرا :- بالطبع لا توجد صناعة أفضل من صناعة زيكولا .. ثم أكمل :
- إنه مكان يباع به الكتب .. و اعتقد أن هناك ستجد مرادك ..

***

أراد خالد أن يسجل لحظاته التى يعيشها فى زيكولا .. لعله يخرج منها ذات يوم , و تكون تلك الأوراق التى يكتبها ذكرى لن ينساها .. أو يصنع منها كتابا يقرأه الكثيرون غيره .. و لكن كان هناك سببا آخر .. فقد جال بخاطره أن تأتى أسيل ذات نهار إلى البحيرة فلا تجده .. فقرر أن يكتب ورقة و يتركها بجوار شجرته .. و يخبرها بأنه فى عمله , و أنه ينتظرها كل مساء .. و ربما كان هذا السبب ما أشعل حاجته إلى الأقلام و الأوراق .. حتى وصل إلى المكان الذى وصفه يامن .. و قد طرق الباب الخشبى , و دخل .. فوجد حجرة كبيرة مليئة بالكتب .. و يجلس رجلا عجوزا بالحجرة وحيدا .. فاندهش خالد من ذلك الكم الهائل من الكتب المتراصة , حتى ساله العجوز :

- يبدو أنك الغريب القوى ..
ضحك خالد :- نعم .. و لكن كيف عرفت ؟!
رد الرجل : إننى أعلم الكثيرين من أهل المدينة ..
فابتسم خالد ثم سأله :
- من اللى كتب كل الكتب دى ؟!
رد العجوز :
- إنهم علماء زيكولا القدامى .. و هناك من الكتب ما ينتمى إلى البلاد الأخرى .. إن زيكولا تهتم بالعلم و العمل ..
سأله خالد مجددا :- و أهل زيكولا قرأوا الكتب دى ؟
أجابه العجوز :- الكثيرون منهم قرأوا ..
خالد :- يعنى الكتب دى حققت لك ثروة كبيرة ..
رد الرجل :- لا.. ليست إلى هذا الحد .. إن أسعار الكتب رخيصة للغاية .. ثم صمت , و تنهد :
- ربما كفانى أن أبيع كتابا واحد مثل كتاب بعته ..
سأله خالد متشوقا :- أى كتاب ؟
رد العجوز :- كان كتابا قد اشتراه منى رجل بأغلى سعر شهدته زيكولا ..
اندهش خالد :
- لازم كان كتاب ثمين ..
ابتسم العجوز :- لا اعتقد ذلك .. وقتها لم أقرأ منه سوى سطور .. و لكننى حين رأيت هذا الرجل يحتاجه بقوة طلبت منه أغلى سعر .. ثم ضحك مجددا , وتابع :
- يبدو أنه كان يحب الخيال .. إن الكتاب كان يتحدث عن أرض أخرى .. و عن وهم يسمى سرداب فوريك ..

يتبع
د عمرو عبدالحميد
الحلقة التاسعة


تسارعت ضربات قلب خالد , و امتلأت عروقه بالدماء حين سمع العجوز ينطق بـ سرداب فوريك و أرض أخرى غير زيكولا .. حتى سأله فى لهفة :

- سرداب فوريك ؟!!
رد العجوز :- نعم .. اتذكر هذا الاسم جيدا ..
سأله خالد فى لهفة مرة أخرى :
- و الكتاب كان بيتكلم عن أيه فى سرداب فوريك ؟
رد العجوز فى هدوء :- لا اتذكر يا ولدى .. لقد كان هذا منذ وقت طويل , حتى هذا الكتاب لم اقرأ منه سوى سطور .. و بعدها جاءنى هذا الرجل الذى اشتراه منى ..
خالد :- و الكتاب كان كامل ؟ .. أقصد مكتمل ؟
العجوز :- نعم يا ولدى ..
خالد و قد بدى متوترا :
- فيه منه نسخة تانية ؟
رد العجوز :- لا اعتقد .. إننى لم أرى كتابا يتحدث عن ذلك السرداب إلا ذلك الكتاب ..
خالد :- و ألاقى الرجل ده فين ؟ .. هو موجود فى زيكولا ؟ ..
العجوز , و قد اندهش من اسئلة خالد الكثيرة :
- لم أر هذا الرجل إلا مرة واحدة .. ربما يكون هنا فى زيكولا , و لكنه ليس بمنطقتنا .. و ربما يكون قد خرج منها .. لا أحد يدرى ..
ثم سأل خالد :
- لماذا أنت مهتم إلى هذا الحد .. هل تحب الخيال ؟
رد خالد :- أنا لازم ألاقى الكتاب ده .. الكتاب ده الأمل الوحيد لى لما أخرج من زيكولا .. ثم سأله :
- تقدر توّصف لى الرجل اللى اشتراه ؟
صمت العجوز و كأنه يتذكر :
- كان رجلا عاديا .. كان طويلا مثلك , و كان ذا كتفين عريضين مثلك أيضا .. و كانت لهجته وقتها غريبة أيضا ..
خالد :- مثلى .. ثم سأله بعد صمت :
- هل تذكر اسمه ؟
ابتسم العجوز :
- إننى اتذكر اسمى بصعوبة ..
خالد و قد بدأ يتحدث إلى نفسه :
- طويل .. و جسمه يشبه جسمى .. و لهجته غريبة .. و كان بيدّور على كتاب سرداب فوريك .. معقول يكون اللى فى بالى .. معقول يكون هو ..
فقاطع تفكيره العجوز :
- لماذا صمت ؟ أين شرد ذهنك ؟
رد خالد :- لا .. مفيش حاجة .. أنا محتاج اشترى أقلام و أوراق ..
ابتسم العجوز:- بالطبع يا ولدى .. لك ماشئت ..

***

اشترى خالد بعض الأوراق و الأقلام التى احتاجها .. و لم تكن الأوراق شديدة البياض , و إنما كانت تميل إلى الصفرة , و كانت سميكة بعض الشئ .. أما الأقلام فقد كانت اسطوانات خشبية رفيعة ذات سن مدبب , و بداخلها خزان صغير للحبر .. و قد اشترى معها زجاجة من الحبر الإضافى .. و انصرف عائدا إلى البحيرة , و تفكيره لم يتوقف لحظة واحدة منذ حديثه مع ذلك العجوز .. و يسأل نفسه :

- معقول اللى فى بالى .. معقول يكون الرجل اللى اشترى الكتاب هو والدى ؟! ..
ثم يعود لنفسه :
- ليه لأ .. الكل كان بيقول إنى طويل زيه .. و إنى عريض برضه زيه .. و كمان نزل السرداب .. و كلام العجوز , و إن لهجة الرجل دى غريبة .. أكيد هو ..
ثم نظر إلى السماء :
- معقول يكون لسة عايش هو و أمى .. معقول أشوفهم بعد السنين دى كلها .. هنا .. فى زيكولا ؟!!
ثم نظر إلى البحيرة , و سأل نفسه :
- طب افرض كان حد تانى ؟
- و مين اللى هيشترى كتاب زى ده بأغلى سعر .. و هنا الناس كلها بخيلة , و كتاب زى ده ملوش أى قيمة عندهم ..
- ممكن يكون حد بيحب المغامرة .. عنده نفس الدوافع اللى نزّلتك هنا .. أو ممكن يكون حد نزل السرداب غيرك أو غير أبوك أو أمك ..
- لا.. هو أبوك ..
- لا .. حد تانى ..
- لا .. أكيد أبوك ..

يجلس أمام نار أشعلها على شاطئ البحيرة .. و مازال يتحدث إلى نفسه :
- مهما كان الشخص ده سواء كان والدى أو غيره .. معنى إن الكتاب موجود إن الأمل أصبح موجود ..
- أكيد اللى كتب الكتاب ده , عارف ازاى أقدر أرجع لمصر تانى ..
ثم علا صوته :
- أنا لازم ألاقى الكتاب ده .. لازم .. حتى سمع صوت من خلفه :
- أى كتاب ؟ ..

***

إلتفت خالد حين سمع ذلك الصوت , ففوجئ بأنها أسيل .. و قد اقتربت منه .. فنطق مبتسما :
- أسيل ؟!!
فردت مبتسمة :- نعم .. ثم سألته بعدما جلست بجواره :
- هل تتحدث إلى نفسك هكذا دائما ؟
رد خالد :
- أوقات .. بس أنا خلاص تفكيرى مش قادر يتحمل ..
أسيل :- لماذا ؟
رد خالد :- النهاردة اكتشفت إن فيه أمل أقدر أرجع به لوطنى .. بس أمل بعيد ..
أسيل :- أى أمل ..
خالد :- عرفت إن فيه كتاب ....
فقاطعته أسيل :
- مهلا .. أتعلم أننى لا أعرف اسمك بعد أيها الغريب .. ثم تابعت مبتسمة :
- لم تخبرنى به المرة السابقة ..
ابتسم خالد :
- اسمى خالد .. خالد حسنى ..
أسيل :- خالد .. اسم جميل ..
ابتسم خالد مجددا ثم تابع :
- اكتشفت إن فيه كتاب تانى كان بيتحدث عن السرداب اللى جيت منه ..
أسيل , و قد بدت الدهشة على وجهها :
- أى سرداب ؟!!
رد خالد :- سرداب فوريك ..
أسيل :- فى الحقيقة أنا لا أفهم شئ .. لقد جئت اليوم كما أخبرتك أننى أود أن استمع إلى قصتك .. و كيف دخلت إلى زيكولا ..
ابتسم خالد مداعبا لها :
- أيوة جيتى .. بعد شهر !! ..
فابتسمت أسيل :
- نعم لقد كان شهرا مزدحما بالعمل .. و لم يسمح وقتى أن آتى إلى هنا .. و لكننى دائما كنت اتذكرك .. و لم أنس انقاذك للفتى دون مقابل .. و كنت أعلم أننى سآتى إلى البحيرة يوما كى استمع إلى قصتك ..

فضحك خالد :
- كنت فى بالك ؟!!
ردت و قد أومأت برأسها :- نعم .. لم تغادر تفكيرى لا أدرى لماذا ..
ابتسم خالد مسرورا .. ثم سألته :
- هل كنت تنتظرنى ؟
رد خالد :- أنا .. لا .. ثم ابتسم :
- الصراحة .. اه .. و كنت بدأت أفقد الأمل .. بس النهاردة كأنه يوم الأمل .. أعرف إن فيه كتاب موجود .. و إن أسيل الجميلة كمان هنا ..
أحمر وجه أسيل خجلا .. ثم نظرت إليه :
- هيا حدّثنى عن بلدك .. و عن ذلك الكتاب الذى وجدته ..
صمت خالد قليلا .. ثم بدأ يتحدث إليها :
- أنتى تعرفى إنى من أول ما دخلت إلى زيكولا من شهر .. و محدش يعرف أى حاجة عن بلدى .. حتى يامن صديقى كل اللى يعرفه إن بلدى موجودة فى الشمال .. و أنا مش عارف فين الشمال ده أصلا ..
ثم أكمل :
- فى البداية كنت فاكر أهل زيكولا مجانين .. دلوقتى خايف اتكلم عن بلدى يفكرونى أنا المجنون .. ثم نظر إليها :
- أنتى هتصدقينى يا أسيل ؟
ابتسمت أسيل , و قد ضاقت عيناها :
- نعم .. أرى أنك صادق يا خالد ..
أكمل خالد :
- أنا مش عارف فين زيكولا دى .. أو بيجانا اللى هى بلدك .. أول ما جيت هنا فكرت إن زيكولا من البلاد المعزولة اللى عمرى ما سمعت عنها .. زى البلاد اللى كنا بنشوفها فى التلفزيون ..
قاطعته أسيل فى دهشة :- ماذا ؟
ضحك خالد :
- أكيد أنتى متعرفيش التلفزيون .. بس هشرح لك كل حاجة بعدين .. ثم تابع :
- المهم إنى كنت مفكر إن زيكولا معزولة .. و إن أهلها معزولين , و ميعرفوش حاجة عن العالم .. زى الهنود الحمر كدة لما اكتشفهم كريستوفر كولومبوس ..
قاطعته مجددا :- من ؟!!
ضحك خالد مجددا :
- أقولك على حاجة .. اسمعينى و بس .. مش هتفهمى منى حاجة دلوقت .. ثم أكمل .. و سألها :
- أنتى تعرفى مصر ؟
أسيل و كانها تسمع الاسم لأول مرة :
- مصر ؟! لا أعرفه ..
خالد :- طب تعرفى أمريكا .. الصين .. أفريقيا .. استراليا ؟!
أسيل و مازالت مندهشة :- ما تلك الأسماء ؟!
رد خالد :- دى أسامى بلاد العالم بتاعى .. أنا بلدى اسمها مصر .. بنتكلم نفس لغتكم .. اللغة العربية .. بس بالعامية زى كلامى كدة ..
أسيل :- أها .. ثم سألته :
- و أين مصر ؟!
رد خالد :- زى ما بسأل نفسى بالظبط أين زيكولا .. هتكون نفس الإجابة لينا ..
فسألته أسيل :
- هل هى كبيرة مثل زيكولا ..
ضحك خالد و سألها :
- هو عدد الناس فى زيكولا كام ؟!
ابتسمت أسيل , و قد وقفت و تحركت تجاه البحيرة .. ثم إلتفتت و ردت :
- كثيرون للغاية .. قد يصل إلى مائة ألف .. هذا غير البلاد الأخرى .. آلاف أخرى ..
فرد خالد , و قد وقف هو الآخر :
- عدد سكان مصر فوق التمانيين مليون نسمة ..
أسيل و كأنها لا تصدقه :- ماذا ؟!!
أكمل خالد ضاحكا :
- أمّال لو عرفتى عدد سكان بلد تانية اسمها الصين اللى عدّى المليار .. و لاّ عدد سكان الهند .. أقولك ..عدد سكان العالم بتاعى أكتر من ستة مليار نسمة ..

نظرت إليه أسيل .. و بدأت تعد على أصابع يدها , و كأنها تتخيل العدد ثم سألته :
- و كيف يأكل كل هؤلاء الناس ؟
فضحك خالد :
- اطمنى .. كله بياكل ..
ثم سألته :
- و مصر بلدك .. جميلة ؟ .. تحبها ؟!! ..
ابتسم خالد ثم نظر بعيدا إلى البحيرة .. و صمت مفكرا قليلا .. ثم تنهد و تحدث :
- كان عندنا شاعر جميل اسمه صلاح جاهين قال :
على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندي أحب و أجمل الأشياء
بحبها و هي مالكة الأرض شرق و غرب
وبحبها و هي مرمية جريحة حرب
بحبها بعنف و برقة و على استحياء
و أكرهها و ألعن أبوها بعشق زي الداء ...

ثم توقف خالد .. و حدّثته أسيل و كأنها تريد المزيد :
- ماذا بعد .. أكمل ..
فضحك خالد :
- لا .. أنا حافظ دول بس ..
فضحكت أسيل .. ثم أكمل خالد :

- العالم بتاعى بيختلف عن هنا كتير .. عندنا كهربا و اذاعة و تلفزيون .. و انترنت , و بنتعامل بالنقود ..
أسيل :- ماذا .. ما كل هؤلاء ؟!
رد خالد :- مش هتفهمى قصدى لو قعدت أشرح لك سنة كاملة .. بس إحنا عالمنا متطور إلى حد كبير ..
فسألته :
- هل أنتم تعيشون بالفضاء ؟
ضحك خالد :
- لا لا .. إحنا بنعيش على الأرض .. و عندنا ميا , و صحرا .. و بنات حلوة زى هنا .. حتى لمح تغير وجه أسيل .. التى سألته على الفور بعدما تحدّث عن جمال البنات :

- و كيف جئت إلى هنا ؟
فصمت خالد قليلا .. ثم تحدّث :
- كنت فى يوم زعلان .. فحب جدى يخفف عنى , فكلمنى عن سرداب تحت بلدتى اللى اسمها البهو فريك .. اسمه سرداب فوريك .. و من أول ما حكى لى , و مش عارف أيه اللى حصل لى .. لقيت عندى رغبة قوية إنى أنزل السرداب ده , و اكتشف اللى فيه ..

***

بعدها ظل خالد يحكى ما حدث له منذ نزوله إلى السرداب حتى وصل إلى تلك الأرض .. و قابل الفقيريّن بالصحراء .. و تشبث بعربتها مع يامن .. و دخوله إلى زيكولا .. و علمه أن التعامل بها بوحدات الذكاء .. ثم نظر إليها :

- لما شفت العربات , و الأحصنة , و الدروع , و السيوف .. فكرت إنى انتقلت بالزمن فى الماضى .. بس فوجئت إن الجميع هنا بيقولوا إننا فى أواخر 2009 .. و ده نفس التوقيت فى بلدى ..
ردت أسيل :
- نعم نحن على أعتاب عام ألفين و عشر ..
أكمل خالد :- دى الحاجة اللى هتجننى .. و مش قادر استوعبها .. ازاى إحنا فى 2009 .. و حياتكم هنا بتقول إنكم من قرون ؟! .. ثم تابع :
- و لما اتأكدت من إن التعامل بالذكاء فعلا مش كلام مجانين .. بقيت متأكد إن السحر هنا مسيطر على المدينة .. أنا خلاص مش قادر أفكر ..
قاطعته أسيل :
- لا اعتقد أنك محق بأن السحر يسيطر على زيكولا .. إن الحياة هنا هكذا .. لماذا لا تقول أن السحر يسيطر على بلدك أنت .. و يجعلكم تتعاملون بطريقة أخرى .. كيف تتعاملون بورق .. أرى هذا سحرا .. فى بلدى القديمة بيجانا كنا نتعامل بالمقايضة ..
رد خالد :- أيوة المقايضة حاجة طبيعية ..
أسيل :- هنا فى زيكولا التعامل هكذا يا خالد .. هل كانت عملة بلدك مصر فى كل البلدان ..
خالد :- لا .. كل بلد لها عملة ..
أسيل :- و هكذا هنا .. العملة الذكاء .. لست أنا أو أنت من فرضها ..

صمت خالد مجددا ثم قال :
- الواقع دلوقتى بيقول إنه اتحكم عليا إنى أفضل سنة كاملة فى زيكولا .. و نفسى السنة دى تعدى بأقصى سرعة .. نفسى أرجع لبلدى .. أرجع لحياتى الطبيعية ..

ثم عاد بظهره .. و أسنده إلى الأرض , و قد وضع يديه خلف رأسه .. و نظر إلى السماء .. و تأملها كثيرا حتى نطقت أسيل :

- قصتك غريبة بالفعل يا خالد .. و لو سمعها غيرى لظن أنك مجنون ثم ابتسمت :
- و لكننى أصدقك .. و لن اتركك حتى تحدثنى عن التلـ .. اون هذا .. فى القريب .. و لكن ليس الآن ..
فابتسم , و لكنه تذكر شيئا .. ثم قام مسرعا إلى جانب الشجرة .. و حدّث أسيل :
- أنا عندى دليل ..
ثم عاد إليها مجددا .. و معه ساعة يده التى كانت توقفت .. فسألته :
- أهذا التلـ فز ..ون .. ؟!!
ضحك خالد :
- لا .. دى ساعة .. بنحسب بيها الوقت ..
نظرت أسيل إلى الساعة بدهشة :
- إنها عجيبة ..
ضحك خالد :
- لو كانت بتشتغل كنت قلت لك اقبليها هدية .. بس دى ملهاش قيمة دلوقتى ..
فابتسمت :
- إنك كريم ..
ثم نظرت إلى الساعة :
- كيف تقيس تلك الآلة الوقت .. إننا هنا نقيسه بطريقة أخرى تماما .. إنه عمل يقوم به أشخاص , و يأخذون راتبهم ..
رد خالد :
- فى الحقيقة أنا مش عارف هى بتقيس الوقت ازاى .. ثم سألها و كأنه يريدها أن تبقى معه مدة أطول و ألا تغادر :
- هو الوقت بيتحسب ازاى فى زيكولا ..
ردت أسيل :
- ترى ضخامة سور زيكولا .. كلما أشرقت الشمس حتى تشرق اليوم التالى يحسب يوما .. و تنحت علامة على السور .. ثم تمر سبعة أيام فتنحت علامة أخرى للأسبوع .. و ما إن يأتى الشهر بعد ثلاثون يوما حتى تنحت علامة مختلفة .. و يأتى العام بعد إثنى عشر من علامات الشهور .. فتنحت دائرة مميزة .. إنهم عمال كثيرون و لهم أجر لعملهم .. يسمون عمال الوقت .. ثم أكملت :

- و لكن الغريب و الذى لاحظته .. أننا ندرك أننا فى نهاية عام ألفان و تسع .. و هذا لا اعتقد أنه يتوافق مع عدد السنوات التى على السور .. و التى لا تكمل نصف هذا العدد من السنين .. و لكننى لا أشغل بالى بهذا ..
تنهد خالد قائلا :
- زيكولا .. كل شئ غريب تجده فى زيكولا ..
ثم أكمل :
- النهاردة بالصدفة عرفت إن فيه كتاب تانى عن سرداب فوريك .. و إن حد اشتراه من سنين .. و الكتاب ده بيمثل الأمل ليا .. و إنى أرجع لبلدى .. ثم تابع :
- الأكبر من كدة إنى حاسس إن اللى اشترى الكتاب ده ممكن يكون والدى ..
صمتت أسيل , و كأنها تفكر :
- إننى لم أسمع عن هذا الكتاب من قبل .. ثم سألته :
- ماذا ستفعل .. هل ستسأل كل شخص عن هذا الكتاب ..
رد خالد :- أنا هدوّر على الكتاب فى كل مكان .. لازم ألاقى الكتاب .. أكيد الكتاب ده هو اللى هيجيب عن كل اسئلتى ..
فابتسمت أسيل :
- اتمنى أن تجده .. و أن استطيع مساعدتك يا خالد .. ثم نهضت :
- عليّ أن أغادر الآن .. لقد تأخر الوقت كثيرا , و لدى الكثير من العمل بالغد .. أظن أننا تحدثنا بما يكفى لحديث شهر كامل .. ثم أكملت , و هى تسير :
- و لكننى أحببت ذلك الوقت معك يا خالد ..

***

غادرت أسيل , و ظل خالد يقظا .. يفكر كثيرا ثم يقطع تفكيره بابتسامة حين يتذكر حديثه مع أسيل .. و ظل هكذا حتى أشرقت الشمس دون أن يغفو له جفن .. فاتجه مسرعا إلى مكان عمله .. و كعادته قابل من يأخذون منه الوحدتين مقابل حمايته .. فآثر أن يعطيهم الوحدتين .. ثم وجد يامن فنادى عليه :
- يامن ..
رد يامن :- أهلا خالد ..
خالد :- عاوز منك طلب .. عاوز اشترى حصان ..
يامن فى دهشة :
- حصان ؟!!
خالد :- أيوة
يامن و ما زالت الدهشة على وجهه :
- لماذا ؟!

لم يجد خالد مفرا إلا أن يخبر يامن بالحقيقة .. و أنه يريد ذلك الحصان كى يبحث عن الكتاب فى جميع مناطق زيكولا .. حتى بدى يامن و كأنه لا يصدقه .. و لكن هذا لم يشغل بال خالد .. و طلب منه أن يخبره أين يجد مكان لبيع الأحصنة .. حتى نظر إليه يامن متجاهلا قصته :

- إن هذا سيكلفك كثيرا .. ربما يكلفك مائة و خمسون وحدة ..
رد خالد :
- أنا موافق ..
تابع يامن :
- خالد .. هذا سيأخذ من مخزونك الكثير ..
خالد :- مش مهم .. المهم إنى ألاقى الكتاب ..
يامن :- حسنا كما تريد .. سأخبرك أين تجد مكانا تبتاع منه حصانا قويا .. و لكن أين ستبحث .. نحن هنا فى المنطقة الشرقية حيث باب زيكولا و أرض الاحتفال و صناعة الطوب .. هناك أربعة مناطق أخرى غيرنا .. المنطقة الشمالية , و المنطقة الجنوبية , و المنطقة الغربية , و المنطقة الوسطى التى يوجد بها الحاكم .. و كل منطقة تختلف عن الأخرى و عن منطقتنا ..

رد خالد : أنا هدوّر فى كل مكان .. لازم ألاقى الكتاب .. أو اللى اشتراه ..
يامن :- و عملك ؟!
رد خالد :- عندى مخزون كبير زى ما قلت ..
يامن :- خالد .. أخشى أن تقترب من مخزونك كثيرا فتندم على ذلك ..
رد خالد :
- ده أمل مقدرش اتركه .. عرفنى بس منين اشترى حصان ..
يامن :- حسنا .. و لكن ماذا إن وجدت الكتاب .. و لم تجد به ما ينفعك .. و قد أنفقت الكثير من ثروتك , و جاء يوم زيكولا ؟! ..
رد خالد :
- لو جه يوم زيكولا .. اعتقد إن هيكون فيه كتير أفقر منى .. و أنا واثق إنى بالكتاب ده هقدر أرجع لبلدى .. حتى لو فقدت أكبر قدر من الذكاء ..
صمت يامن قليلا .. ثم تنهد قائلا :
- و لكنك نسيت شيئا هاما لا تعرفه .. إن نجحت فى ذلك و فقدت جزء كبير من ثروتك .. ستعود إلى وطنك كما خرجت من هنا .. مريضا .. لست ذكيا على الإطلاق ..لن يميزك عن غيرك سوى شيئا واحد .. فسأله خالد متعجبا :
- إيه هو ؟
رد يامن :
- الغباء يا صديقى ..

يتبع







الناقل المحيطى
فين الباقى؟
هذه نسخة خفيفة من المنتدى لرؤية الصور و جميع الأشياء من فضلك انقر هنا.
Invision Power Board © 2001-2010 Invision Power Services, Inc.