السلام عليكم

هذه هي قصتي الرابعة ، و التي اعتبرها المحاولة الحقيقية لكتابة قصة قصيرة & تجربتي الاولى بمجال الفانتازيا..

اريحكم من الخيال العلمي قليلا ... mf_popeanim2.gif

على اي ، تاريخ الشروع في هذه القصة يعود الى ؛10 /2/ 24 .. و بالشهر المنصرم عزمت على اكمالها ...

و بإذن الله ستكون قصص مسلسة .. بنفس العنوان ؛ محادثات أنترنتـ.ـية ..

و بالتوفيق للجميع ان شاء الله

| محادثات انترنتـ.ـية ؛ حياة فضائية |


في ضيق تلك الغرفة الضيقة المدلهمة ، استقر ذلك الكيان الشبحي الشاحب الوجدان ، وهو يحدق بامعان في شاشة حاسب صغيرة عتيقة

الطراز، طرد ضوءها بخجل الظلمة التي تكتنف باستبداد ذلك الركن القصي البارد .. الذي تتصاعد منه غيوم دخانية متواصلة ، لوثت اجواء

الحجرة .. لكن صاحبها بدا غير مكثرت ، وهو يدندن بحماس مع ايقاعات صاخبة مجلجة حادة النغمات و الكلمات ، و لفافة التبغ تتهادى و تتراقص

بين اصابعه بجنون ..

لكن في لحظة ، وقع بغتة ما جعل تلك الاصابع تتجمد كليا في الهواء ، وصاحبها يحدق مشدوها في شاشة الحاسب ، الى ان هتف بجذل ؛

- ها نحن اولاء ، نلتقي اخيرا يا عزيزتي !

نطقها و تراجع منتشيا الى الخلف ليتكأ، بغير مبالاة على ذلك الجدار الياجوري البارد .. متجاهلا اي احساس اخر، غير احساسه بالظفر

الذي يعتريه الان و بقوة ، بعد ان وقع على تلك الصفحة الانترنتية التي تستحوذ على واجهة شاشة حاسبه، عارضة واجهة مبهرجة..

تحوي بيانات شخصية و بعض الصور و الملفات .. لفتاة شابة تجلت مظاهر الحسن و الغنى على محياها بلا حياء .. لكن صاحبنا مرر مؤشر

الفأرة على جزء قصي من الصفحة ، يحمل عنوانا لبريد الكتروني ، ثم قال بنهم ؛

- هذه هي غنيمة العمر بلا شك .. ولاظفر بها ، حتما احتاج استخدام كل طرقي العبقرية لاقتناصها !

قالها و قهقه ضاحكا ، و بعدها واصل تصفح محتوى الصفحة باهتمام و تركيز بالغ على كل التفاصيل المتاحة .. ليكون بها اللبنة الاساسية

لما يخطط له .. و بينما هو منغمس في هذا ، كان فوق راسه باعلى ركن الجدار ، عنكبوت هرم اختلط شكله

مع ظله الممتد .. فبدا كوحش اسطوري ضخم منهمك في اعداد فخاخه المخملية المميتة لضحاياه البلهاء ..

« حان وقت اللعب يا عزيزتي ، سنبدأ جولتنا بعد حين »

قالها صاحبنا بظفر واثق ، وهو يفرك يديه بجشع جذل ، قبل ان يرفع راسه ناظرا الى العنكبوت الضخم ليقول ؛

- انت رمز يا صديقي العنكوت ، رمز لكل صياد ماهر .. لهذا ابقى.. عليك فوجودك هناك يمنحني الالهام الذي ابحث عنه !

لم تكتمل عبارته ، حتى علت دقات قوية متواصلة على باب الحجرة ، مع صوت جهوري يقول ؛

- عشاء سعادتكم وصل !

خفض صاحبنا صوت موسيقاه بحركة تلقائية ، و هم من مكمنه متغير المزاج ، نحو باب الغرفة ففتحه قليلا ، ليمد يده خارجه ، قائلا بنفور ؛

- هات ما لديك ياصاح ، و بسرعة ..

ناوله صاحب الصوت صينية متوسطة تحمل بعض ما يسد الرمق ، ثم سئله بسخرية ؛

- اراك مازلت سجين هذا الجحر ، الم تجد لك عملا بعد ؟!

اجابه صاحبنا وهو يتقدم بصينية العشاء -بعدما نظر اليها بازدراء- نحو احدى الطاولات المتهالكة التي تجاور سريرا صغيرا منفوشا ؛

- حتى تجده انت يا صهري الكادح .

و قبل ان ينبس احدهما بحرف اضافي ارتفع صوت اخر ذو نبرة اخبارية مشوش المقاطع ، يهتف من مصدر آلي قريب ؛

« و قد اكد العلماء ان ثقوب الانترنت السوداء* تنتشر على نطاق واسع ومتغلغل للغاية في الشبكة العنكبوتية ، و لشدة التشابه

بينها وبين نظيرتها الطبيعية فقد منحت نفس الاسم ، لقدرتها الشديدة على الابتلاع ، وتهديد كل مـ...ـ »

« خرافات علمية »

قالها صاحبنا بسأم متعصب وهو يدفع الباب بقوة ، رجته لحظات .. قبل ان يغلق بصوت مسموع حولته الجدران المتشققة الدهان

الى صدى رنان ، لم يبدد اثرهذا الاخير سوى العبارات الصارخة الثائرة من حلق ؛

« نديم الاكحل »
اسمي و نسبي

« 31سنة »
سني

« شهادة الباكالوريا في العلوم ، و دبلوم في ادارة الاعمال »
مؤهلاتي

« العربية ، الفرنسية و الانجليزية »
اللغات التي اجيد

« السفر ، الرياضة ،المراسلة عبر الانترنت »
هواياتي

استعرض نديم تلك البيانات المتراصة على الورقة شبه البالية التي تهتز بين يديه المرتجفتين، ثم واصل هتافه بنفس المشاعر؛

- ماذا تحتاجون اكثر من هذا حتى احظى بوظيفة محترمة ؟نعم ماذا تحتاجون ؟!.. اجيبوني بالله عليكم !

ام انكم تتعمدون زجنا في ثابوت البطالة هذا ، الذي ينخر كياننا كل لحظة بلا هوادة !

و مع نهاية حديثه مزق تلك الورقة بحركة شرسة سريعة ، نافثا فيها ما تبقى متاججا في نفسه من غضب .. ثم علق قائلا وهو يطوحها مكومة

باهمال ؛

-انتهى طوافك المرير يا سيرتي الذاتية ، بين ايدي هؤلاء الاوغاد.. فالوجهة الان تغيرت الى ميدان اخر مختلف ، اكثر حظا وسرعة !

نطقها و نظر شطر حاسبه بامل مركز مستتر .. وبعدها تقدم نحو طاولته الصغيرة و اختطف من فوقها طغامة سجائر ، اشعلها

واحدة منها بتوق و انتشاء انساه ما استقر امامه من عشاء ..و ما ان اخد النفس الثاني من سجارته ، حتى هرول بلهفة الى الركن الذي

يستقر به حاسبه ، محاولا حشر جسده النحيف في ذلك الفراغ الخانق .. و بلحظة جلوسه على كومة الصناديق الورقية المدكسة العجيبة ،

و امتداد يده نحو الفأرة .. دوى دوي سماوي عنيف ارتعدت له الاجواء .. لتندفع بعده زخات سريعة متوالية ، ردد لحنها السقف الزنكي تلقائيا

و كذلك شاركه السطل الكبير الذي يلتقف القطرات المتسربة الى الداخل ، فهتف نديم بحنق مستنكر ؛

- انها تمطر ! يالا الفأل الحسن .. هذا ما كان ينقصني بالطبع !

لكنه تجاوز حنقه بسرعة ، بعدما هز راسه لحظات ، لينطق بعدها محاولا التحامل على نفسه ؛

- سينتهي هذا الكابوس الخانق قريبا ، اشعر بدنو ذلك

مع متم قوله مباشرة ، انطلق ليباشر ما خطط له .. حيث ولج اولا لاحد برنامج التراسل الفوري .. الذائع الصيت بالفضاء السبراني ،

ففتح حسابه الشخصي به ، ليغير ويعدل بعض بياناته المختلفة ثم لصق العنوان البريدي لتلك الفتاة ، في صندوق اضافة العناوين الجديدة ..

لم تأخد العملية الا دقائقا فظهرت بعدها نافدة جانبية متوسطة القد ، تحمل بعض النصوص ، وصورة لفتاة فاتنة الجمال ، تجلس قبالة حاسب

آلي متطور الشكل يستقر على مكتب انيق فخم ، داخل غرفة مؤثتة بشكل يوحي بالغنى الفاحش لمالكها ، فلم يتمالك نديم نفسه من القول

بانفعال ، وهو يعدل من هيأته المتواضعة ؛

- ها انت ذي سقطت في الشباك بالفعل يا جميلتي ، و ابتعلت الطعم !

و انقض بسرعة فاتحا نافدة الحوار مع الفتاة المنشودة ، وهو ينقر على لوحة المفاتيح الممدة على ركبتيه فارتسمت سريعا عبارة بلغة اجنبية

على شاشة الحاسب ، ترجمتها تقول ؛

- مرحبا يا عزيزتي كلوديا ♥

مرت لحظات ، بعدها اتاه رد الفتاة بنفس اللغة ؛

- مرحبا

ثم ارسلت بتسائل مفاجئ ؛

-من انت ، وكيف حصلت على عنواني البريدي ؟!!

حاول نديم التملص من الاجابة بتسائل اخر ؛

- كيف حالك يا جميلتي ؟

لكن كلوديا كررت نفس تساؤلاتها السابقة ، مما دفع نديم للقول كتابيا ؛

- لا يهم من انا ، ولا كيف وصلت لك يا جميلتي ؟ المهم الان اننا التقينا اخيرا ، لابوح لك بمدى حسنك الباهر..الذي جعلني اسهر الليالي الطوال

هائما بحبك الذي اسر وتملك قلبي ♥ .. من اول نظرة يا حـ..ـ

لكن كلوديا قاطعته بعبارة غير متوقعة ؛

- كفى !

و استطردت مرسلة نصها التالي ؛

-ما هذا السخف الذي تقوله .. كيف تحدثي كهذا ونحن لم نتحدث او نلتقي قبلا قط ؟!

حاول نديم تعليل موقفه بالقول ؛

- و هل يخفى جمالك الطاغي على احد ؟! .. يا قمر الزمان و المكان ، يا قـ..ـ

قطع استرساله النصي ، مقطع اخر من كلوديا ؛

- اه ! .. يبدو انك من هؤلاء القوم المتخلفين .. العرب، الذين لا يجيدون سوى هذه الاحاديث التافهة الغبية، التي يتغنوا بها طوال الدهر مع ذواتهم

و مع كل من يقابلون و يصادفون .. لهذا انتم حثالة الامم و المجتمعات !

و بنص اخر اعقبت ؛

- و حتى لا تتسائل كثيرا عن معرفتي لموطنك ، ساخبرك ان لدي برنامج خاصا للتعقب ، يمكنني من كشف امثالك بكل يسر و دقة

(ايقونة ضاحكة بخبث) .

بهت نديم ، بل ذهل وهو يحملق محتقن الوجه في هذه التصريحات ، التي بعثرت كل ما خطط له و امنى به نفسه قبلا ، فتوقف ادراكه لحظات

ليستوعب تطور الموقف ، ويبتلع ما يمكن ابتلاعه مما سطر امامه ، فقال محاولا المهادنة ؛

- ثقي انني مختلف تماما عن بني قومي، و يمكنك التأكد من هذا لو انك قبلت مصادقتي .. و مشاعري تجاهك !

اجابته كلوديا ؛

- لقد قابلت الكثير من المرضى امثالك على الشبكة، اغلبهم كانوا من بني قومك ايضا وزعموا ما تزعمه ، لم يكن لهم من عمل .. سوى ملاحقة

الفتيات امثالي ، بغرض الاحتيال عليهن بطرق مبتذلة مضحكة ، لا تخدع حتى الرضع !

وهنا اجتاح نديم غضب عارم هيمن على كيانه كليا .. فانطلقت يده تخط ما يعتمل داخله ؛

- كيف تجرؤين على قول ما تفوهتي به للتو ، ايتها الحقيرة المنحطة.. لقد قابلت المئات من امثالك كذلك ، وكانوا يترجون فقط محادثتي و التعرف

علي ايتها الـ..ـ

لم يهمله نص كلوديا التالي المواصلة ؛

- يالك من تافه خسيس ، انك لا تصلح لاي حديث .. او معرفة اصلا !

حاول نديم مجابهتها بالقول ، قبل ان تقدم كلوديا على خطوتها القادمة .. التي يدركها جيدا .. ؛

- فالتذهبي الى الجحـ..

لكن عبارته لم تكتمل حروفها على الشاشة ، فعلى غرة انطمس ضوءها، و بدأ يتذبذب بخفوت واهن هستيري ، فثار نديم يصيح وسط ظلمته

بانفعال ملتاع ؛

- ما خطبك ايضا .. ايتها الشاشة اللعينة البائسة !

ومع متم قوله انطلقت يده لتلطمها بحركة غريزية ، وما كادت اصابعه تدني من اطارها.. حتى انبعث من داخلها فجأة صاعقة عجيبة رهيبة ..

انقضت عليه في لمح البصر و التهمته قطعة واحدة .. من الوجود !

وبشكل مماثل و متزامن ، حصلت الصاعقة على قطعتها الثانية من الجانب الاخر من المحادثة .. بلمح البصر .. وبلا اثر !

* * *
الصباح التالي ؛ نشرة الاخبار الصباحية .. صوت يصدح بنبرة اخبارية من مصدر آلي قريب ، من حجرة نديم الخالية منه ؛

« نفرد لكم ايها السادة ، اخر اخبار رحلة المركبة الفضائية الاستكشافية غير المأهولة ( ابن بطوطة ) ، المكلفة بمهمة البحث عن اي شكل من

اشكال الحياة في الفضاء الخارجي .. و بعد رحلتها لعقود طويلة .. تجوب الكواكب و النجوم ، و المجرات .. تنجح اخيرا برصد ما يعتقده العلماء

بقايا كائنات فضائية ، هائمة قرب نطاق ثقب اسود** ... و الان المركبة في طريقها لالتقاط تلك الاثار التي تحمل بذور حياة فضائية كاملة ، لنقلها

مباشرة الى كوكب الارض .. و »

و في هذه الاثناء لم يدر بخلد احد قط ، ان تلك البقايا لم تكن سوى اشلاء .. لكائنين ارضين .. جمعهم القدر معا في الحياة و الموت ،

بسبب محادثة .. محادثة انترنتية .

¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨

** الثقب الاسود ؛ نجم عملاق انهارت مادته منضغطة بتأثير جاذبيته ، فتعاظمت كثافته و انكمش حجمه الى مستوى متناهي الصغر .. و بقوة جاذبيته الخارقة ، هو قادر على شفط كل ما يحيطه من مادة و طاقة و ضوء .

*ثقوب الانترنت السوداء ؛ مصطلح حديث نسبيا اطلق على الفجوات الرقمية المنتشرة في شبكة الانترنت العالمية ..
ثقوب تبتلع طلبات الوصول الى المواقع العنكبوتية ، و رسائل البريد الكتروني .. الواردة عليها .. فلا تصل تلك المعلومات الى الجهة المستقبلة
ولمواجهة المعضلة ، تم تصميم نظام رقمي بحثي متطور
في جامعة واشنطن (و.م.ا) سمي باسم التلسكوب الفضائي ، هابل .. النظام يستطيع اكتشاف و تحديد ، و تتبع تلك الثقوب على مدار الساعة ، و تقديم بيانات باماكنها المتغيرة على خريطة الانترنت & المعمور..

لزيارة الموقع الرسمي للنظام ؛
hubble.cs.washington.edu

¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨¨
تــــمـــت ... بـفـضـل الله