آركتايب
(مقاله بمجلة أقلام شابة)
عندما كنت في العشرينات من عمري، شعرت بأنني رأيت كل ما يمكن رؤيته من الأفلام الأمريكية، وبدأت أصنف تلك الأفلام في قوائم في ذهني .. إنه أسلوب القولبة أو التنميط الشهير archetype.. وبدون أية إدعاءات حسبت في ذلك الوقت أن هذا الاكتشاف فريد، كمن يفاجئك اليوم بأنه اكتشف اختراعاً اسمه العجلة أو النار. فيما بعد عرفت موضوع التصنيف النوعي للأفلام، وقرأت عام 1995 كتاباً مهماً هو (أنواع الفيلم الأمريكي – الألف كتاب 190) لـ (ستانلي سولومون) الذي ترجمه (مدحت محفوظ).
بصراحة لم اشعر بإحباط، فقد سرني أولاً أنني فكرت وحدي في طنطا بذات الطريقة التي فكر بها ناقد سينمائي أمريكي شهير. ثانياً ما زلت أشعر أن تصنيفي أنا الذي كتبته عام 1988 أخف دماً وأكثر حيوية.
سأقدم لك هذا التصنيف وأرجو أن تلاحظ أن هناك أنواعاً انقرضت، وأنواعاً ظهرت لن أتكلم عنها كي لا أمارس الحكمة بأثر رجعي. ولا داعي لقول إن أي فيلم يخرج عن هذه القائمة هو غالباً فيلم جيد يستحق المشاهدة!
أفلام (المخبر الخاص): هذه الأفلام التي أميل إلى أنها انقرضت اليوم، ترينا مخبراً خاصاً له مكتبه وهو شديد (الغلاثة) والسماجة، لكن يفترض أنه ساحر للنساء .. يضع زجاجة ويسكي في خزانته حيث كان يجب أن يضع المال. تجيء له عميلة حسناء تطلب منه أن يجد لها (جاك بارني)، فيقول لها: أليس هو زعيم عصابة (ماتيوز) ؟
فتضع له حزمة من الدولارات وتقول: أنا لا أدفع لك كي تلقي اسئلة ..
هذا المخبر يعرف كل أوكار المدينة، وأثناء بحثه يجد جثة ما في فندق، ويحضر رجال الشرطة ليقول له مفتش متعب في معطف خاكي: - لو رأيناك هنا مرة أخرى يا (بيري) لسلخنا جلدك وأخذنا رخصتك ..
ويذهب إلى أرملة رجل ما .. ثم تقطع الرقابة باقي اللقطة، ويضرب زنجياً ثم يدخل مطعم بيتزا ليدفن أنف الزبون في طبقه ويقول دعابات للساقي على غرار: - كانت هناك حشرة في البيتزا ..
ثم يعود للفتاة الأولى ليخبرها أنه فهم خدعتها:
ـ"كان الأحدب عضواً في عصابة (كالاهان) ثم اختلفا وهرب بالمخدرات ..!"
يا نهار إسود !...
من هو الأحدب ومن (كالاهان) ؟.. متى كانت هناك مخدرات في الفيلم ؟.. لا أدري .. ثم يقبل الفتاة قبلة ملتهبة، ونسمع أغنية بلوز جميلة عن (رجلي الذي يعرف مفاتيحي).. وينتهي الفيلم !
عامة هذه الأفلام تخرج من عباءة شخصية (همفري بوجارت) في دور المحقق (سام سبيد) .. أو (جيمس جارنر) في دور (مارلو) ..ولابد من أن تجد اسم الكاتب اليهودي (داشييل هاميت) في مكان ما، فهو لم يكن يكتب إلا هذه النوعية ..
أفلام رعاة البقر: هناك أفلام الخمسينات عصر هوليوود الذهبي، حيث البطل نموذج روبرت ميتشوم أو جاري كوبر مربع الذقن قوي العضلات لا يقاتل إلا بتوجيه اللكمات القوية إلى الفك .. والبطلة تمشي فاردة ظهرها متطلعة لأعلى بشفتين حمراوين مصبوغتين، وصدرها لا يكف عن الخفقان .. ومن حين لآخر تتلقى قبلة عنيفة على ثغرها فتنظر بحقد لصاحب القبلة ثم تقبله بعنف أكثر ! (كل بطلات تلك الفترة يمثلن بالأسلوب ذاته)..
يدخل البطل حانة فيتحرش به الرعاع ..ونكتشف أنه ليس سهلاً...
في الأفلام الحديثة – نمط السباجيتي الذي تخصص فيه (سيرجيوليوني) مع (كلينت إستوود) غالباً – نرى رعاع الغرب الذين يسطون على المصارف ويقسمون أكياس الذهب الخيشية فيما بينهم.. وجنود المكسيك الأوغاد الذين يعتدون على النساء ويحتسون (التاكيلا) طيلة الوقت ..والبطل نفسه لا يبدو أفضل حالاً من هؤلاء عملاً بمقولة (لابد من ذئب للتعامل مع الذئاب).. مع موسيقا (أنيو ماريكوني) الرائعة التي تجعل الأمر يبدو أعمق مما هو عليه ..ثم ذلك الأخرس طويل الشعر الذي لا نعرف دوره في الفيلم . لكنه يقتل الشرير قبل أن يقتل البطل ..كنت أدخل السينما في كل مرة وأتحسس طريقي لمقعد مهشم ما، لأسمع في الظلام من يهتف: الواد الأخرس أهه !.. حتى بدأت أشك في أنني المقصود بهذا الكلام .!
أفلام وانج هو: هذه ليست أفلاماً أمريكية لكن موزعها لابد أن يكون أمريكياً... هذه حقيقة لم أكن أعرفها .. حتى الأفلام الهندية لابد أن تدخل مصر عن طريق موزع أمريكي.
وسط الألوان الرديئة (أصفر وبني) والترجمة المبتورة، يتلقى البطل ذو الضفيرة فنون القتال على يد أستاذ عجوز .. ثم يخبره أنه صار مؤهلاً للدفاع عن نفسه ..
يمضي الفتى يبحث عن المتاعب، ويقابل أوغاداً من الذين تعج بهم هذه الأفلام فيسحقهم .. يعودون لرئيسهم الوغد الجالس وسط محظياته ذوات البيجامات الصينية ليخبروه أنهم قابلوا رجلاً يجيد الكونج فو عند بوابة التنين الذهبي ..
صراعات عدة وكروش تفتح .. والبطل يستعرض قدراته بالقتال بالسلاسل والسيوف .. الخ .
في النهاية يموت الزعيم، ونعرف أن البطل كان ينتقم لمصرع (وانج هو شان) الذي مات لا نعرف كيف ولا متى ..
في الأفلام المعاصرة نرى أكبر عدد من رعاع هونج كونج ذوي القمصان المشجرة، والفتيات اللاتي يخفين السم في خواتمهن .. ثم هناك مخدرات .. الكثير منها .. ونعرف – من جديد - أن البطل كان ينتقم لمصرع (وانج هو شان) الذي مات لا نعرف كيف ولا متى .. ويصل البوليس الهونج كونجي في بلاهة في آخر لحظة ليقبض على من بقى من الأشرار حياً، ويترك البطل طبعاً برغم كل من قتلهم ..
أفلام الكوارث: الغابات المحترقة والنيازك والزلازل والحيوانات المجنونة.. كلها تحدث في بلدة ريفية هادئة .. مأمور القرية المتعب الذي يلبس القميص الكاروهات والجينز ويسدل قبعته على عينيه، ويضع أصابعه في جيبي سرواله الضيق .. لا يعتقد بوجود خطر حقيقي ..
ثم يظهر (جورج كنيدي) – النسخة الأمريكية من (فريد شوقي) - في أية لحظة ليوبخه رئيسه في العمل على كسله/ إهماله/ ولعه بالخمر .. أي حاجة . ثم تحدث الكارثة ويقررون إخلاء البلدة لكن تعصب أحدهم أو سياسي فاسد يؤدي لتأجيل هذا ..
نسمع الكثير من الصراخ، ويهرع (جورج كنيدي) ينقذ الجميع. يكتشف أحدهم أنه يحب زوجته، ويموت الخونة والجبناء. وفي ذروة الفيلم ينزل (جورج كنيدي) من الهليوكوبتر جرياً ليشعل ناراً مضادة .. والغرض منها أن تصد الحريق أو الزلزال أو الدببة الثائرة حسب قصة الفيلم.
في أفلام الطائرات المنتشرة بكثرة تحدث كارثة أو خطف، مما يؤدي لهلاك الطاقم وتستعمل المضيفة معلوماتها العامة في قيادة الكونكورد. ركاب الطائرة هم دائماً نفس الطاقم من الراهبة إلى الشاب الذي يصحب زوجته للطلاق في فلوريدا، إلى مريض القلب الذي سيجرون له جراحة، إلى المجرم المكبل بالأصفاد إلى رجل الشرطة. لابد من عازف ساكس أو جيتار يهدئ الجو. ثم يظهر (جورج كنيدي) لينقذ الركاب وتنفجر الطائرة في مشهد مروع، ويكتشف كل من الركاب ذاته.
أفلام الفضاء: التي يدعونها أوبرات الفضاء .. Space operas هناك محطة فضاء لها ذات الشكل في كل فيلم بها رجال أخيار، مهمتهم حماية الأرض من (أرجوان) أو (جالاكتيكا). ورجل آلي قصير يقول تعليقات مضحكة، وبطل يعرف كل شيء ، ومسدسات ليزر والإمبراطور الذي يسعى إلى القوة، ويظهر على الشاشة من حين لآخر ليقول:
ـ"أطلقوا النيران على المكوك!"
فتنهال الطلقات على النموذج المعلق بخيط في الستوديو لينفجر، ثم يتضح أن (زولتار) تظاهر بشيء ما وأن القوة ما زالت في (زيفرا) والحمد لله. صراع مع رجال آليين وأبواب تفتح أوتوماتيكياً، وخلايا كهرومغناطيسية، وكمبيوتر يهشمه البطل بعتلة حديدية لا تعرف من أين جاء بها وسط هذه الأجهزة. (كان هذا هو النمط قبل أن تتنوع الأساليب ).
أفلام بوند وسواه: كلها تدور حول بروفسور ما اكتشف قنبلة أو ميكروباً، وتحاول السلطات في ألمانيا الشرقية أو روسيا الاستيلاء على هذا الاختراع من خلال لقطات لضباط متشنجين يتكلمون الإنجليزية المكسرة، وشخصياتهم شاذة مختلة.
ينطلق سهم مسموم ليصيب عنق أحدهم، ثم في المخابرات يستدعون رجلنا الذي يتذمر بسبب قطع إجازته. ويرونه خارطة مضيئة يظهر عليها مكان العالم المفقود.
يطار البطل سيارة بطائرة ليصعد لها ويقتل طيارها، ويتعرض لطرق قتل غريبة كلها طويلة الأمد برغم أن رصاصة واحدة تنهي كل هذه الضوضاء. ثم يتعرف جاسوسة سوفييتية حسناء، ويكتشف مستعمرة تحت الأرض يسير فيها حرس بيونيفورم موحد وخوذات. هنا يتم انتاج (ل – 14) على نطاق واسع . (ل-14) هذا إما صاروخ أو ميكروب أو قمر صناعي .. المهم أن اسمه دوماً هو (ل-14)..
يضرب البطل الجميع ويفر مع الفتاة التي لبست المايوه لا تدري متى.. هذا طبعاً بعد ما ينقذها من حقنة قاتلة من (ل-14)..
تنفجر القاعدة ويعود لرئيسه الذي يهنئه بحماس. وتدوي أغنية بلوز بصوت مطربة زنجية عن (رجلي الذي يعرف مفاتيحي)..
أفلام تور – آل: هذه الموضة في الأفلام جديدة نوعاً.. ربما بدأت بفيلم (كونان) لـ(شوارزنجر). تعرفها من الأفيش المعلق على السينما حيث يبدو بطل كمال أجسام ملوحاً بسيف عملاق، بينما عند قدميه ترتمي شقراء في حالة (تواجد) كامل..
تبدأ هذه الأفلام بمذبحة .. مشاهد مزقتها الرقابة شر ممزق، وجنود مقنعين.. ثم طفل يرى هذه المذبحة وتعلق في ذهنه ..
الجو العام لهذه الأفلام مبهم تماماً...هل هي قبل التاريخ أم بعده ؟.. ما جنسية الأبطال ؟.. الثياب خليط من الفرعونية والأشورية والمغولية .. كل هذا يلخصه الفيلم بأن هؤلاء (برابرة).. !
يشب الطفل ويتحول إلى حائط مرعب من العضلات، مصمم على الانتقام من (تور آل) الرهيب الذي قتل أسرته، خاصة وأنه – دائماً – وريث عرش (فارينا)..
في كهف غامض يجد سيفاً مسحوراً، ثم يخرج عاري الصدر يبحث عن أي خناقة .. ثم يدخل مدينة .. كل أفلام هذا النوع تحوي مشهد دخول المدينة . حيث ترى مشهداً ضخماً للحواة والثعابين والحمير والجنود الذين قتلوا أسرته ..
ثم يقابل لصاً زنجياً أصلع المفترض أنه ظريف كذلك، ويرافقه في رحلاته في هذا العالم حيث كل شيء (بالدراع). لا بأس من وحش أو اثنين يخرجان رأسيهما القماشيين من تحت الماء ثم يغطسان..
في النهاية يصل لبلاط (تور آل) الرهيب حيث تعجب به الملكة. يخرب بيت (تور آل) ويلقي بجثته للنسور. في هذه الأفلام الدنيا مليئة بأناس لا هدف لهم سوى المتاعب ولا تعرف أبداً (هما جايين منين).. كما أن كل شخص مختبئ طيلة حياته في كهف ويخرج منه مرة واحدة ليواجه المحارب .. لكن المحارب يقتله.!